خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
دمّر القصف الإسرائيلي الكثيف على قطاع غزة أكثر من 200 معلم أثري من أصل 325 موقعاً أثرياً في القطاع، وألحق بها أضرار جسيمة. ودمر الاحتلال عشرات المعالم الأثرية من مساجد وكنائس تاريخية ومقامات وتلال أثرية ومبانٍ تاريخية ومكتبات وأسواق ومقابر ومدارس ومتاحف وقلاع وقصور ومنازل أثرية قديمة ومواقع تراثية مختلفة، بالإضافة إلى مؤسسات ومراكز تعليمية وثقافية، ومواقع تراثية، والتي كانت شاهداً على تاريخ غزة الثقافي والحضاري الحافل والممتد طيلة قرون.
|
 |
| متطوع يقوم بأعمال التنظيف بداخل موقع أثري قبل الحرب في مدينة غزة |
يضم قطاع غزة العديد من المعالم الأثرية، التي تعكس عراقة وتاريخ المنطقة، إذ تأسست مدينة غــزة منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد على يد العرب الكنعانيين، وأطلقوا عليها اسم "غزة هاشم"، نسبة إلى هاشم بن عبد مناف، جد الرسول محمد "صل الله عليه وسلم"، والذي دُفن في مسجده المعروف الآن بمسجد السيد هاشم. وتتميز غزة بموقعها الاستراتيجي عند ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا، ما يجعلها حلقة وصل بينهما. تضم غزة ثروة هائلة من الآثار الحضارية والتاريخية الممتدة عبر مختلف العصور التاريخية.
كما تضم "غزة القديمة" عشرات المباني والمعالم الأثرية والتاريخية، أبرزها "المسجد العمري الكبير" و"كنيسة القديس برفيريوس"، و"حمام السمرة" آخر وأبرز معالم الحقبة العثمانية، وبيوتًا تاريخية، وحمامات أثرية، ومقابر رومانية، وأسواقًا قديمة، منها "سوق القيسارية".
 |
 |
| قصر الباشا (دار السعادة) أحد معالم العمارة الإسلامية قبل الحرب |
قصر الباشا ويعتبر واحدًا من الأمثلة البارزة للعمارة الإسلامية في غزة |
خسائر تاريخية لا تقدر بثمن
دمّر القصف الإسرائيلي الكثيف والمتواصل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما يزيد عن 200 معلم أثري في قطاع غزة من أصل 325 موقعاً أثرياً في عموم القطاع. ودمرت الحرب الإسرائيلية عشرات المعالم الأثرية من مساجد وكنائس تاريخية ومقامات وتلال أثرية ومبانٍ تاريخية ومكتبات وأسواق ومقابر ومدارس ومتاحف وقلاع وقصور ومنازل أثرية قديمة ومواقع تراثية مختلفة، بالإضافة إلى مؤسسات ومراكز تعليمية وثقافية، ومواقع تراثية، والتي كانت شاهداً على تاريخ غزة الثقافي والحضاري الحافل والممتد طيلة قرون.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان له إن "القصف محاولة فاشلة لطمس الوجود الثقافي والتراثي الفلسطيني ومحاولة لدثر الشواهد التاريخية والعمق التاريخي الفلسطيني". وأوضح أن أبرز المواقع التي دمرها جيش الاحتلال، هي: كنيسة جباليا البيزنطية، والمسجد العمري في جباليا، ومسجد الشيخ شعبان، ومسجد الظفر دمري في الشجاعية، ومقام الخضر في دير البلح، وموقع البلاخية (ميناء أنثيدون) شمال غرب مدينة غزة القديمة، ومسجد خليل الرحمن في منطقة عبسان في خان يونس، ومركز المخطوطات والوثائق القديمة في مدينة غزة، وغيرها من المواقع الأثرية والتراثية المهمة. كما واستهدف الاحتلال، وفق المكتب الحكومي، كنيسة القديس برفيريوس في حي الزيتون، وبيت السقا الأثري في الشجاعية، وتل المنطار في مدينة غزة، وتل السكن جنوب المدينة، و"تل 86" في القرارة، ومسجد السيد هاشم في المدينة.
استهداف وتدمير المواقع التراثية والأثرية في قطاع غزة يعدُّ جريمة دولية واضحة وفقاً للقوانين الدولية، وخاصة القانون الدولي الإنساني، واتفاقية لاهاي عام 1954، بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، والبروتوكول الثاني للاتفاقية لعام 1999، الذي يحظر الاستهداف المتعمد في الظروف كافة للمواقع الثقافية والديني، وفق البيان الحكومي.
 |
 |
| بقايا قصر الباشا التاريخي بعد التدمير |
المسجد العمري الكبير قبل أن تدمره الآلة الحربية الإسرائيلية |
أبرز المعالم التي دمرت وطالها القصف الإسرائيلي في غَــزَّة
مساجد ومقامات إسلامية
دمر جيش الاحتلال عشرات المساجد جزئياً أو كلياً، ولعل أبرزها المسجد العمري الكبير؛ أقدم وأعرق وأهم وأكبر المساجد التاريخية في فلسطين، الذي تعرض للدمار بشكل كامل، ويقع في قلب البلدة القديمة في حي الدرج، وتبلغ مساحة المسجد 4100 متر مربع، ومساحة فنائه 1190 متراً مربعاً، ويحمل 38 عاموداً من الرخام الجميل والمتين البناء، والذي يعكس في جماله وروعته بداعة الفن المعماري القديم. ويتميز بهندسة معمارية على الطراز "البازيليكي" يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي. وسمي بالجامع العمري نسبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، وبالكبير لأنه أكبر جامع في غزة. وقد أصاب الجامع خراب كبير في الحرب العالمية الأولى، حيث هدم القسم الأعظم منه وسقطت مئذنته، فيما تم تجديد عمارة الجامع عام 1926.
ومسجد الظفر دمري الأثري، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى الحقبة المملوكية في سنة 762 هجرية. دُمر كلياً نتيجة القصف الإسرائيلي، وتبلغ مساحته 600 متر مربع. ومسجد السيد هاشم الذي تعرض للدمار بشكل جزئي، وهو أحد المساجد التاريخية في حي الدرج بغزة القديمة. مساحته 2400 متر مربع، وجرى تشييده على الطراز المعماري المملوكي، وجدده السلطان عبد الحميد عام 1850.
كما تعرضت العديد من المقامات الإسلامية للتدمير، ومنها مقام النبي يوسف في بني سهيلا، ومقام الخضر وسط مدينة دير البلح، وأسفل هذا المقام يوجد دير القديس هيلاريون أو "هيلاريوس"، الذي يعود إلى القرن الثالث الميلادي. ومقام إبراهيم الخليل في قرية عبسان الكبيرة إلى الجنوب الشرقي من خانيونس، ويضم المقام أرضية من الفسيفساء تعود للحقبة البيزنطية.
كنائس وأديرة
ولم تسلم الكنائس من القصف الإسرائيلي، فقد أفاد المكتب الإعلامي الحكومي، بتسجيل أضرار بالغة في ثلاث كنائس. كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس بحي الزيتون. تتكون الكنيسة من بهو كبير سقفه مغطى بأقبية متقاطعة، ويوجد في الكنيسة عمودان فقط في الجدارين الجنوبي والشمالي، في حين يوجد الهيكل في الجهة الشرقية، وهو دائري الشكل مغطى بقبة نصف كروية، كما تضم الكنيسة نقوشا وزخارف مختلفة، منها الحيوانية والنباتية والهندسية. وتشمل الزخارف الحيوانية الأسود والغزلان والأسماك البحرية، إذ تشير هذه الأنواع إلى الاستقرار والهدوء الذي ساد الحياة المسيحية في قطاع غزة. وضمّت الزخارف النباتية أنواع نباتات مختلفة، أبرزها زهرة "اللوتس"، التي تشير إلى العلاقة بين مسحيي غزة ومصر، وتحتوي أرضية الكنيسة على مجموعة من لوحات الفسيفساء، مثل أشجار النخيل والفاكهة، وأنواع الطعام المشهورة في فلسطين، وأنواع أخرى غير معروفة. وتعرضت الكنيسة للتدمير الكامل تقريباً نتيجة القصف المباشر، وهي من أقدم الكنائس الأثرية في البلدة القديمة بغزة، وجرى بناؤها عام 425 ميلادية، وقد بنيت فوق ضريح القديس "برفيريوس".
كما تعرضت كنيسة جباليا البيزنطية للدمار الكامل، في بلدة جباليا شمالي القطاع، ويزيد عمرها عن 1600 عام وتبلغ مساحتها 500 متر مربع. بُنيت على النظام "البازيليكي" ذي الثلاثة أروقة. وتضم الكنيسة مكان العبادة من جهة الشمال، بالإضافة إلى حوض التعميد. وضمت أرضيات الفسيفساء في الكنيسة العديد من الزخارف النباتية والهندسية والمناظر الريفية وأدوات الطبخ وحيوانات مفترسة وأليفة من فلسطين وخارجها، وأصناف من المأكولات، بالإضافة إلى مناظر الصيد وأشجار النخيل والأنهار، والتي تم استيحاؤها من الأساطير اليونانية والرومانية. وتحتوي الكنيسة على 16 نصاً تأسيسياً باللغة اليونانية القديمة، إذ تعدّ من أكبر النصوص التأسيسية داخل الكنائس.
كما تعرض دير سانت هيلاريون البيزنطي في النصيرات إلى الدمار خلال ضربة نفذها الاحتلال خلال تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، على جنوب مدينة غزة، وهو ما يؤكد تعمد "إسرائيل" تدمير المعالم الأثرية الفلسطينية في إطار حربها الدموية المستمرة. ويُعد دير القديس هيلاريون أول الأديرة الأثرية في فلسطين وأهمها، ويقع على تلة مرتفعة على بعد 15 كم جنوب غربي مدينة غزة. ويعود تاريخه إلى عام 329 ميلادية. وتشير الروايات التاريخية إلى القديس هيلاريون دُفن بالدير بعد أن توفي عام 371. يحتوي الدير على مجموعات معمارية متنوعة، محاطة بسور خارجي مسنود بدعامات حجرية، إضافة إلى مجموعة من الغرف والقاعات والممرات. وكان الدير قد أُدرج على لائحة اليونسكو للحماية المعززة الذي يمتد على مساحة (20 ألف متر مربع) في تل أم عامر جنوب قطاع غزة. يمتاز الموقع بالأرضيات المصنوعة من الحجر الجيري والفسيفساء المزينة بالرسوم والنقوش المختلفة، بالإضافة إلى حمامات بخارية كبيرة ونافورة وغرف تحت الأرض وغرف الرهبان والساقية.
 |
 |
| مسجد السيد هاشم أحد المساجد التاريخية المهمة بحي الدرج في مدينة غَــزَّة القديمة |
تمثال حجري اكتُشف حديثا عمره أكثر من 4500 عام جرى عرضه قبل الحرب (الفرنسية) |
إعدام تاريخ غزة واستشهاد فنانين
لم تسلم المتاحف من آلة الحرب الإسرائيلية، ومنها متحف دير البلح، وموقع الفخاري، ومركز المخطوطات والوثائق القديمة، إضافة الى المكتبة الرئيسية في القطاع، المعروفة بمبنى المكاتب العامة التابع لبلدية مدينة غزة. وتكشفت ملامح هذه المأساة خلال أيام الهدنة في الأشهر الأولى من الحرب. وتحتوي المكتبة على وثائق وكتب تاريخية، ويعتبرها سكان المدينة ذاكرة البلاد وحاضرها.
في سياق متصل، أعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية أن 15 من المثقفين المبدعين فقدوا حياتهم في القصف الإسرائيلي، كما تعرضت عشرات المراكز الثقافية من المكتبات والمؤسسات التعليمية والثقافية للدمار. وذكرت الوزارة أن خمس مكتبات ودور نشر، وستة مراكز ثقافية تعرضت لأضرار متفاوتة.
من بين الضحايا المبدعين، ذكرت الوزارة الفنانة التشكيلية هبة زقوت، التي فقدت حياتها مع ابنها وهبة أبو ندى الكاتبة والشاعرة، والشاعر عمر أبو شاويش، وإيناس السقا الفنانة المتخصصة في الفنون البصرية والمسرح، وعلي عبد الله حسن النسمان الفنان والإعلامي والشاعر عمر فارس أبو شاويش.
ومن بين الشهداء في حقل الثقافة، الفنانة حليمة عبد الكريم الكحلوت، والفنان والكاتب يوسف دواس، والفنانة التشكيلية نسمة أبو شعيرة، والفنانة إيمان خالد أبو سعيد وأطفالها وزوجها وأفراد عائلتها، والفنان طارق أحمد ضبان، والخطاط مهند أمين الآغا مع عائلته ووالديه، والشاعر والباحث التربوي شحدة البهبهاني.
وأوضحت الوزارة أن "الطفلتين شام أبو عيد (8 سنوات) وليلى عبد الفتاح الأطرش (8 سنوات) من فرقة للدبكة الشعبية لقيتا حتفهما أيضاً في القصف الإسرائيلي".
ويوجد في قطاع غزة 76 مركزاً ثقافياً، وثلاثة مسارح، وخمسة متاحف، و15 دار نشر ومركزاً لبيع الكتب، بالإضافة إلى 80 مكتبة عامة، وفق وزارة الثقافة.
ميناء غزة ألأثري
تعرض موقع البلاخية الأثري، الذي يشكل ميناء غزة القديم المعروف أيضاً بـ "ميناء أنثيدون" في شمال غرب مدينة غزة، للتدمير على ثلاث مراحل، بدأت بالغارات الجوية. يعود بناؤه إلى 800 عام قبل الميلاد، وكان من أهم المعالم الأثرية في غزة، وهو ومدرج على اللّائحة التمهيدية للتراث العالمي ولائحة التراث الإسلامي.
يضم الموقع آثاراً تعود إلى الحقبتين اليونانية الرومانية، بما في ذلك الفيلات وسور المدينة الرومانية، ومنازل تعود إلى العصر اليوناني توضح زخارفها المرسومة التأثيرات القادمة من جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط. شكلت هذه الاكتشافات جزءاً من مدينة أنثيدون، أحد أهم الموانئ في العصر اليوناني على البحر الأبيض المتوسط.
وقال خبير الآثار الفلسطيني عبد الرحيم حمران: "تعتبر غزة ميناء رئيسياً لكل الحضارات، وكما هي بوابة فلسطين على الحضارة الفرعونية منذ فجر التاريخ، ولقد تركت جميع هذه الحضارات إرثاً حضارياً هاماً من المباني ومراكز المدن التاريخية والمواقع الأثرية، ولعل أبرزها تل العجول الكنعاني، وميناء أنثيدون المتجدد، والمدن الرومانية والبيزنطية، ومراكز المدن الإسلامية، والقلاع والقصور والكنائس والمساجد التاريخية على امتداد القطاع".
وعبر حمران في حديثه لـ "آفاق" عن مخاوفه: "هناك سرقة للقطع والتحف الأثرية من المتاحف والمخازن الأثرية على نطاق واسع وتدمير للكثير منها ومصيرها مجهول الآن بأيدي الاحتلال". وشدد حمران على أن من واجب الجهات الرسمية الفلسطينية تقديم كشوف ودليل للمواقع التاريخية والمواد الأثرية الموجودة في القطاع وإخطار اليونسكو ولجنة التراث العالمي عن تفاصيل هذه المواقع وعلى الخرائط المتوفرة، في خطوه ابتدائية لتحميل الاحتلال مسؤولية عدم التعرض لها أو تدميرها أو سرقتها".
 |
 |
| كنيسة الروم الأرثوذكس قبل الحرب في حي الزيتون بمدينة غزة |
صور لآثار الدمار بعد قصف طيران الاحتلال مسجد حسن البنا بالمخيم الجديد شمال النصيرات وسط قطاع غزة |
تدمير الحمامات التاريخية
دمر جيش الاحتلال حمّام "السمرة "التاريخي، بشكل كامل مع عدد من المنازل المحيطة به. يقع الحمّام في حي الزيتون وشُيِّد في القرن الـ 14، ويعتبر أحد النماذج الرائعة للحمّامّات العثمانية في فلسطين، وهو الوحيد الباقي لغاية الآن في مدينة غَــزَّة، ويحوي قبة ذات فتحات مستديرة معشقة بالزجاج الملون، يسمح لأشعة الشمس بالنفاذ من خلالها لإضاءة القاعة بضوء طبيعي يضفي على المكان رونقاً وجمالاً، هذا بالإضافة إلى الأرضية الجميلة التي رصفت بمداور رخامية ومربعات ومثلثات ذات ألوان متنوعة، وقد رمم الحمام مؤخراً وأصبح أكثر جمالاً وروعة.
ووفق مالك الحمّام سليم الوزير فإن "حمام السمرة كان أيقونة لمدينة غزة، وهدف الاحتلال من تدميره هو التعدي على تاريخ وتراث غزة وطمس أحد أبرز معالم المدينة".
وقالت المهندسة البيئية رنيم مدوخ: "شخصيا لدي ذكريات كثيرة مع عائلتي مرتبطة بهذه المواقع، فقد كنا نصلي كل رمضان في المسجد العمري، وكلما ذهبنا إلى السوق القديم لا بد أن نمر بأطفالنا على حمّام السمرة وقصر الباشا ليتعرفوا على تراثنا وتاريخنا ونستقبل أسئلتهم ودهشتهم من صمود هذه الحجارة على مر العصور، وأن تدمير هذه المواقع يستهدف ليس فقط المواقع التاريخية، بل هويتنا وذاكرتنا كشعب".
الخِرَب والتلال الأثرية
يضم القطاع عددا من التلال التي استهدفها جيش الاحتلال والتي تحتوي على آثار قديمة من بينها تل العجول الأثري على الضفة الشمالية لوادي غزة، تقوم عليه مدينة "بيت جلايم" الكنعانية، ويعتقد أن موقع مدينة غزة القديمة كان على هذا التل سنة 2000 ق.م تقريباً. وتل السكن في الزهراء، وتل المنسطر، وتل رفح الأثري، وتل أم عامر إلى الجنوب من معسكر النصيرات، وهي تلة أثرية عثر فيها على أرضية فسيفسائية ملونة تعود إلى العصر البيزنطي، وتل 86 بالقرارة، وتل الذهب في بيت لاهيا، وتل الرقيش على ساحل دير البلح، وتل المنـطار شرق حي الشجاعية الذي يحوي تكوينات معمارية قديمة.
مقابر لم تسلم من القصف
تعتبر مقبرة دير البلح، والتي تعرضت للدمار الكلي، من أهم المقابر التاريخية والأثرية في غزة، إذ تعكس تاريخ الشعب الفلسطيني على مدى عصور عدة، وأجريت فيها العديد من التنقيبات الأثرية على ساحل دير البلح بين عامي 1972 و1982، وكشفت عن أهم مقبرة يعود تاريخها إلى العصر البرونزي المتأخر (1550-1200 قبل الميلاد). وتنسب هذه المقبرة إلى ما يسمى "ملوك الفلسطينيين"، وتتكون من مجموعة بارزة من التوابيت الفخارية ذات الشكل البشري، وتشكل هذه التوابيت أكبر مجموعة جرى اكتشافها في فلسطين على الإطلاق، وتشبه التوابيت الفرعونية المصرية.
كذلك استهدف جيش الاحتلال المقبرة الإنكليزية في مدينة غزة.
أسواق قديمة ومبانٍ تاريخية
لم تسلم الأسواق القديمة من الاستهداف المباشر بمدفعية، فقد تعرض سوق الشيخ حمودة، أو ما يعرف بسوق مازن (شرق خانيونس) للتدمير. ظهر السوق على أرضية فسيفساء عثر عليها في مأدبا الأردنية.
كما تعرض سوق القيسارية الأثري في حي الدرج بالبلدة القديمة في غزة للتدمير. يتمركز السوق بالقرب من الجدار الجنوبي للجامع العمري الكبير، ويعرف باسم "سوق الذهب" نظراً لتجارته الرئيسية بالمعادن الثمينة. يعود تاريخ بناء السوق للعصر المملوكي، وهو عبارة عن ممر ضيق مغطى بقبو مدبب يمتد لنحو 60 متراً، بعرض لا يتجاوز 3 أمتار، وتتوسطه المحلات التجارية الصغيرة على جانبيه.
كما تم تدمير "سوق الزاوية"، أحد أشهر وأقدم أسواق غزة القديمة. ويعتبر السوق امتداداً تاريخياً لـ "سوق القيسارية" الأثري. وينقسم السوق إلى عدد من الزوايا، تختص كل واحدة ببيع نوع معين من المنتجات والسلع الغذائية، من بينها العطارة واللحوم والأسماك، والخضار والفاكهة وألعاب الأطفال والمنتجات الغذائية.
 |
 |
| المكتبة الرئيسية في قطاع غزة من ضحايا الحرب الإسرائيلية |
الأرشيف المركزي في المبنى التاريخي لبلدية غزة قبل تدميره بشكل كامل |
قصور وقلاع تاريخية في دائرة الاستهداف
يعد قصر السقا في الشجاعية الذي تعرض لأضرار جزئية، تحفة فنية ومعمارية وتاريخية تمثل العمارة الإسلامية بأبهى صورها، ويقع في حي الشجاعية. تم إنشاؤه في عام 1661 على يد أحمد السقا، وهو واحد من أبرز التجار الأثرياء في ذلك الوقت. يتألف القصر من إيوان واسع محاط بثلاث غرف، ويضم درجاً في وسط ساحة البيت. ينقسم إلى قسمين يؤدي كل منهما إلى غرفة معيشة تزينها الأقواس الحجرية من الداخل. ويتكون القصر والذي تبلغ مساحته 700 متر مربع، من ساحة ببلاط رخامي جُلب من جبال وسط فلسطين، وباب رئيسي طوله متران يأخذ شكل زاوية قائمة، وإيوان لاستقبال الضيوف، وغرف المعيشة إضافة للمطبخ والحمام. وعرف القصر كأول منتدى اقتصادي في فلسطين، تم ترميمه أول مرة من قذيفة تعرض لها خلال نكبة 1948.
كما تعرضت قلعة برقوق التاريخية (خان الأمير يونس) في مدينة خان يونس للتدمير. اتخذت القلعة بجدرانها العالية شكلاً مربعاً. وتتألف من طابقين ومسجداً، ونزلًا لاستقبال المسافرين، وأبراج مراقبة، وتبلغ مساحتها نحو 16 دونماً. بناها الأمير يونس بن عبد الله النورزي الداودار، لتكون مركزاً يتوسط الطريق بين دمشق والقاهرة يتخذه التجار والمسافرون للراحة والتزود بما يلزمهم من حاجيات في تلك الرحلة الطويلة بين أكبر مدينتين في دولة المماليك. وشهدت القلعة معركة على السلطة بين العثمانيين والمماليك. وأصاب القلعة بعض الدمار جراء هذه المعارك. كما تعرضت للتدمير والتخريب أثناء الحملة الفرنسية على مصر والشام عام 1798، إذ ضربتها المدافع الفرنسية من البحر، وبقيت القلعة حصناً منيعاً في الحرب العالمية الأولى عام 1917، حين دمرت الزوارق البريطانية العديد من مبانيها.
كما تعرض قصر الباشا (دار السعادة) أحد معالم العمارة الإسلامية للدمار الجزئي، ويقع القصر في حي الدرج بالجانب الشرقي من البلدة القديمة بغزة. يتميز القصر بدقته وجماله، ويتألف من مبنيين تفصل بينهما حديقة واسعة، وتم تزيين الواجهات والمداخل بالعديد من العناصر المعمارية المميزة، مثل العقود والأقواس المدببة والنصف دائرية، ما يضفي عليه جاذبية خاصة.
وفي حديثه لـ "آفاق"، قال إياد يونس، أستاذ اللغات الشرقية القديمة وأثار الشرق القديم: "هذا القصف والتدمير للمواقع الأثرية والتاريخية والمتاحف، محاولة ممنهجة لمحو كل أثر يتعلق بوجود الفلسطينيين وطمس معالم تراثهم الثقافي والروحي والشعبي، وتدمير هويتهم القومية والوطنية، وقطع صلتهم التاريخية بالأرض، من خلال قصفهم لكل ما يدل على تاريخهم العريق من الفترة الكنعانية الى اليونانية، الرومانية، والبيزنطية".
 |
 |
| الجامع العمري الكبير قبل تدميره من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي |
قصر الباشا من أغنى المعالم الأثرية في غزة |
الحرب على الهوية والاتفاقيات الدولية
تتمتع فلسطين بعضوية كاملة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) منذ عام 2011. وجاءت اتفاقية لاهاي لعام 1954 كرد فعل على الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية لمواقع التراث الإنساني، ورغبة من المجتمع الدولي في حماية التراث الثقافي العالمي من ويلات الحروب، والاعتراف بأن فقدان هذا التراث يمثل خسارة للبلد المستهدف وللإنسانية بأسرها.
وقال أحمد الشريدة، المحاضر في جامعة اليرموك والباحث في تاريخ الحضارات والأديان والجغرافيا السياسية لـ "آفاق" إن المواقع الأثرية والتراثية يجب أن تكون بعيدة عن الصراعات السياسية والعسكرية ومحمية وفق كل القوانين الدولية واتفاقية لاهاي من التخريب، أو الاعتداء، أو النقل، أو السرقة، أو التدمير لأنها "ليست ملكاً لشعب محدد، بل للبشرية جمعاء".
وعن النتائج المترتبة على هذا الاستهداف ذكر الشريدة أن "هدف الاحتلال هو مسح الذاكرة الجمعية من خلال هذا التسلسل التاريخي والتطور البشري، وأن معظم المواقع الأثرية والتراثية قد تعرضت للتدمير أو التخريب او السرقة، وهذا يفقد المنطقة والبشرية جزءاً من تاريخها المادي، والذي يدل على الحضارة العريقة التي نشأت في قطاع غزة".
انتهاكات القانون الإنساني الدولي
تدمير المواقع الأثرية والتاريخية والدينية، بما في ذلك المساجد والكنائس والمقابر، خلال الحروب يعتبر انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي، ويتم تحديد هذه الأعمال كجرائم حرب بموجب المعاهدات الدولية، التي تحمي الممتلكات الثقافية والدينية والتاريخية أثناء النزاعات المسلحة
بدورها، قالت مؤسسة الحق الفلسطينية في بيان، إن "هذا التدمير للتراث الثقافي الغني في غزة، الذي يحدث بالتزامن مع القتل على نطاق واسع للفلسطينيين، يشهد بشكل كبير على نية المسؤولين والقادة العسكريين الإسرائيليين تدمير الشعب الفلسطيني وكذلك محو هويته".
واعتبرت المؤسسة أنّ تدمير التراث الثقافي والإضرار بالبيئة في هذا الموقع الأثري المهم وما حوله "يرقى إلى مستوى نية الإبادة الجماعية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية، ومعاهدة روما".
43 ألف قطعة اثرية
كانت وزارة السياحة والآثار في غزة قد وثّقت قبل العدوان، نحو 43 ألف قطعة أثرية في السجل الوطني بشهادات ميلاد خاصة لكل قطعة في مطلع العام 2023، منها (17550) من القطع الأثرية في متحف قصر الباشا، و(25000) في المخزن الأثري، حيث تم إدراجها إلكترونياً ضمن السجل الوطني للمعروضات.
وقالت مديرة متحف رفح، سهيلة شاهين، في مقطع فيديو نشرته على حساب المتحف بموقع فيسبوك: "كانت هناك قطع لا تقدر بثمن من عملات معدنية وأحجار كريمة وألواح نحاسية وملابس".
 |
 |
| الكنيسة البيزنطية وعمرها 1600 عام خلال زيارتها قبل الحرب (AA) |
موقع دير سانت هيلاريون البيزنطي يمتد على مساحة هكتارين في تل أم عامر جنوب غزة |
إعدام الوثائق والكتب التاريخية
أتلف الاحتلال بقصفه الواسع الوثائق والكتب التاريخية في مختلف العلوم، وتعرضت الوثائق التاريخية في مبنى الأرشيف المركزي بمقر بلدية غزة الى دمار واسع واتلاف كبير متعمد.
واعتبر رئيس قسم التاريخ في جامعة سوسة التونسية، المحاضر الأكاديمي سفيان بن موسى أن "التسلسل الزمني للمواقع في فلسطين يعكس تواصلاً فريداً من نوعه للتعمير البشري غير المنقطع منذ عصور ما قبل التاريخ، مرورا بالفترات القديمة (فينيقية ورومانية والمسيحية المبكرة والفترة البيزنطية) وفترات العصر الوسيط (تواتر الآثار الحضارية العربية الإسلامية والمسيحية) الى الفترات الحديثة والمعاصرة، كما تعكس هذه المواقع تمازجاً بشرياً وحضارياً وتسامحاً دينياً بين كل هذه المكونات التي مرت على غزة وفلسطين، وحفظت لنا إرثاً حضارياً وتاريخياً وأثرياً يحاول الاحتلال اليوم طمسه وإزالته".
 |
 |
| فسيفساء مكتشفة في دير القديس هيلاريون في غزة |
أثار الدمار جراء القصف الإسرائيلي على غزة |
 |
 |
| الأحزمة النارية على غزة والتي طالت البشر والحجر والشجر |
الدمار الذي لحق بمسجد القبة غرب خانيونس |
 |
 |
| مواطن يرفع الاذان على انقاض مسجد القبة في غزة |
الاحتـلال يدمر تاريخ غزة ويحول مواقعها الأثرية إلى ركام |
 |
 |
| أحد المساجد التي تعرضت للقصف الإسرائيلي في قطاع غزة – رويترز |
مسجد السيد هاشم بغزة وجرى تشييده في العصر العثماني على الطراز المعماري المملوكي |
 |
 |
| حمام السمرة الأثري قبل تدميره من الإحتلال الإسرائيلي |
دير القديس هيلاريون قبل تدميره من قبل قوات الإحتلال |
 |
 |
| أواني فخارية من العصر البيزنطي مدمرة في متحف القرارة الثقافي جنوب غزة |
أواني فخارية مدمرة في متحف القرارة الثقافي |
 |
 |
| جولة سياحية لمجموعة من الزوار في المدرسة العثمانية في قطاع غزّة قبل ترميمها |
مواطنون يتفقدون الدمار الذي اصاب مسجد القبه في غزة |
 |
 |
| دير سانت هيلاريون ويتكون من مجموعات معمارية عديدة |
القصف الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ ثمانية أشهر |
 |
 |
| مشاهد من الدمار الكبير للأحياء السكنية في غزة |
المسجد العمري بعدما دمّره القصف الإسرائيلي وسط حرب غزة (رويترز) |
 |
 |
| المسجد العمري الكبير قبل عملية التدمير |
قلعة برقوق التاريخية في خان يونس والتي تعرضت لدمار كبير |
 |
 |
| قصر الباشا من أغنى المعالم الأثرية في غزة |
مواطنون يتلون القرآن داخل أروقة المسجد العمري قبل التدمير |
 |
 |
| من داخل حمام السمرة قبل التدمير بمدينة غزة |
مقتنيات أحد محلات الأنتيكا التي تعرضت للدمار في غزة |
 |
 |
| يعد مسجد العمري من أقدم وأهم مساجد قطاع غزة (TRT عربي) |
احد الأزقة القديمة التي تعرضت للدمار الكلي في غزة القديمة |
 |
| الدمار الكبير في سباط العلمي في مدينة غزة |