خاص بآفاق البيئة والتنمية

التدمير الشامل خلال الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي- وكالة وفا
نتابع، منذ السابع من تشرين الأول عدوان الاحتلال الدموي على غزة، ونستذكر فيه كيف تخلينا منذ عقود عن اقتصادنا المقُاوم طواعية، وانجرافنا نحو كماليات وقروض وترف، وخروجنا من ثوبنا، ولبسنا بذلة ليست على مقاسنا.
كأمثلة، لا نجد اليوم في معظم بيوتنا وسيلة إنارة بديلة عن الكهرباء، ونعجز عن توفير كسرة خبز واحدة بأيدينا، فلم نعد نزرع القمح، ونخجل من اقتناء الطحين، ولا نحتفظ بوسيلة صناعة خبز غير معتمدة على الكهرباء والوقود، وتخلو بيوتنا بسوادها الأعظم من بئر ماء، كمصدر بديل، حال وقوع أية أزمة، مهما صغرت.
لقد صممنا حياتنا الراهنة بطريقة غريبة عجيبة، فما عادت لدينا القدرة لأن نعيش يومًا أو بعض يوم دون تيار للأجهزة الكهربائية العديدة التي نقتنيها، أو بلا غاز للطهي، أو من غير وقود لمركباتنا الفاخرة، أو بلا سر للحياة في حال قرر المحتلون قطع المياه عنا.

المساجد ودور العبادة استهدفت منذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي
في المقابل، انتزعنا بأيدينا كل فكرة أو وسيلة وقائية لأوقات الشدائد من قواميسنا، وهجرنا أرضنا، وما عاد اقتصادنا الزراعي يحظى بأنصار، ودخلنا في نفق الوهم والسراب.
عاجزون الآن وكل وقت عن مجرد تخيل أن وسائل الرفاه على كثرتها، ستصبح بلا معنى أو قيمة، ومع اشتداد العدوان وانقطاع الوقود والكهرباء عن غزة، نفكر في أساليب ترفنا، التي ستصبح مجرد معدن لا فائدة منه في شيء.
هناك أسئلة لن نجد لها إجابة شافية، فما معنى أن نقتني سيارة بـ 300 ألف شيقل أو أقل أو أكثر، أو أدوات كهربائية بآلاف مؤلفة، وتقنيات اتصال وحوسبة، ونحن لا نمتلك قطرة نفط واحدة في مخزوننا الاحتياطي، ولا شحنة كهرباء يتيمة تعيد لها قيمتها، في حال عاقبنا الاحتلال، كما فعل بغزة؟
هل فكرنا بالطريقة التي سنقفل فيها أفواه أطفالنا الجوعى، أو تطبيب مرضانا بلا تيار كهربائي أو دون وقود؟ وكيف سنتنقل لو قرر المسيطرون على أرضنا وسمائنا وهوائنا معاقبتنا بقطع مصادر الطاقة ولو لأسبوع واحد؟
لسنا ضد الرفاه، ولا ندعو الناس للعودة إلى أزمنة الأجداد، لكن الواجب يفرض علينا إعداد خطط حقيقية لأزمات ثقال قد تهبط علينا.
العـدوان إن تصاعد واتسع نطاقه، فلن تكون هناك منصات تواصل اجتماعي، ولا مجموعات "تيليجرام"، ولن نحظى بفرصة متابعة الأخبار، وكأننا نشاهد باسترخاء مباراة كرة قدم، ونتناول المسليات!
 |
 |
| تدمير الأخضر واليابس خلال الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي- وكالة وفا |
مربعات سكنية بكاملها تم تسويتها بالأرض- وكالة وفا |
لا يعني التفكير ببدائل وقائية، أو طرح أسئلة صعبة أننا نشارك في صناعة اليأس وزرع الإحباط، بل علينا أن نعد العدة للأسوأ، خاصة في ظل عدم امتلاكنا موارد ذاتية، وتعودنا على الاستهلاك المفرط، وتجفيفنا لأي فكر أو روح للتطوع.
المرجو الآن، أن نغير من عاداتنا، وأن نستعد للأوقات كلها: بحلوها وعلقمها. ونأمل من "أثرياء العدوان" المفترضين ألا يحتكروا السلع الأساسية، أو يشعلوا أسعارها بذرائع واهية.
كما نرجو من المستهلكين ألا يفرطوا في الشراء وتخزين سلع بكميات كبيرة، فالعدوان ليس الوقت المثالي لتناول الطعام والشراب والمسليات.
من الضروري أيضأ أن نقرر بشكل جدي في مقاطعة سلع الاحتلال، فلا يعقل أن يرتكب الأخير المجازر في غزة، ويدمر بيوتنا، ويقتل أطفالنا، ويعيث الفساد ببنيتنا التحتية، ويقطع عنا الماء والكهرباء والوقود ونحن نستهلك سلعه، وكأن شيئًا لم يكن!
مطلوب منا، وبشكل مُلح جدًا، اقتناء أدوات إسعاف أولية، ومصابيح غير معتمدة على الكهرباء، ووسائل إنتاج لخبزنا، ومصادر طاقة بديلة، واستثمار كل شبر في حدائقنا المنزلية، والميل نحو تخزين سلع بالتجفيف والتخليل والتمليح، وعدم الاعتماد على حفظ الأطعمة بالتبريد. وعلينا العودة إلى زراعة القمح، حتى لو لم يكن سلعة مجدية اقتصاديًا.

مشاهد الدمار خلال الأيام الأولى للعدوان- الإسرائيلي وكالة وفا
وفي المدى المتوسط، يتوجب علينا التفكير بإقامة الملاجئ العامة، وإجراءات أخرى تعبر عن واقع حالنا، فلسنا بحاجة للمزيد من المراكز التجارية الضخمة، ولا معارض السيارات، ولا التعاقد مع دور أزياء لاستقدام المزيد من الماركات العالمية.
الأهم في أوقات العدوان، وكل حين، أن نتكافل ونتضامن بأبهى الصور، وأن نتقاسم الحلو والمر، وألا ننشر الشائعات، أو ننثر بذور اليأس والإحباط والانهزام، ونبتعد عن كل باب خلافي، ونرد المظالم مهما صغرت لأهلها، ونغرس في نفوسنا فكر البقاء وعدم تكرار النزوح لأي مكان، فالاستعداد لاحتمالات سيئة لا يعني أننا نتمناها أو نجزم بحدوثها، بل لنستعد ونُعد لها جيدًا.