خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يرصد التقرير التالي مَشاهد عدة للعدوان الشرس الذي شنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي في الثالث من يوليو/ تموز الفائت على جنين ومخيمها، واستمر 48 ساعة، مخلّفًا 12 شهيدًا، وأكثر من 100 جريح، منهم 20 وُصفت حالتهم بالحرجة. ومن قلب المخيم وأطراف المدينة نستعرض أبرز الانعكاسات البيئية والصحية والاقتصادية، ونقف على آثار الدمار، كما نستخلص الدروس المهمة في هذا الصدد.
|
 |
| آثار التخريب في العدوان الإسرائيلي الأخير في جنين ومخيمها |
شنَّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في الثالث من يوليو/ تموز الماضي عدوانًا غاشمًا على جنين ومخيمها، استمر 48 ساعة، مخلفًا 12 شهيدًا، وأكثر من 100 جريح، منهم 20 وُصفت حالتهم بالحرجة.
ترصد "آفاق البيئة والتنمية" مَشاهد عدة للعدوان الشرس الذي طال مختلف مناحي الحياة، ومن قلب المخيم وأطراف المدينة تستعرض أبرز المستتبعات البيئية والصحية والاقتصادية، وتقف على آثار الدمار، والدروس المستفادة في هذا الصدد.
خسائر كبيرة
وفق بلدية جنين، فإن الخسائر الاقتصادية الأولية للعدوان، بلغت قرابة 40 مليون دولار، تشمل المنازل، والبنية التحتية، وشبكات المياه والصرف الصحي، وخطوط الكهرباء، فضلًا عن المتاجر والممتلكات والمركبات.
وبدوره، وصف رئيس البلدية نضال عبيدي في "إيجاز صحافي" ما حدث بـ" زلزال ضرب البنية التحتية ودمرّ البيوت".
وأشار إلى أن الضرر الأكبر بعد الخسائر البشرية يتمثل في تدمير البنية التحتية، فقد تحوّل الاحتلال إلى "مقاول يستخدم الجرافات الثقيلة لتجريف طرقات المخيم وإتلاف شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء".
وقال عبيدي إن الاحتلال استهدف خزانات المياه فوق أسطح المنازل بالمخيم، ودمرّ محال تجارية، واعتدى على مساجد و"دير اللاتين" في المدينة بقنابل حارقة.
وذكر أن طواقم البلدية و"كهرباء الشمال" عملت مباشرة بعد العدوان في "خطوات إسعافية لإعادة التيار الكهربائي، وإصلاح ما يمكن من مياه وصرف صحي".
وحصرت البلدية حوالي 6 كيلومترات من خطوط المياه، على مدى طول خط رئيس، تدمرّت كاملة، وكذلك الأمر نحو 30% من شبكات مياه فرعية أخرى.
ولم تتوقف آثار العدوان عند هذا الحد، فقد عجزت البلدية أيضًا عن توفير الماء لقرابة 30 ألف مواطن، كما لحق الضرر بخزانات مياه المنازل، وذلك كله حالَ دون تلبية حاجة مُلّحة من حاجات الناس اليومية، خاصة أن شبكات الصرف المرتبطة بالمياه تضررت على مساحة 8 كيلومترات؛ باتت غير قابلة للاستخدام.

آثار الدمار إثر العدوان الإسرائيلي ظاهرة في جميع أنحاء مخيم جنين
وعطَّل الاحتلال أكثر من 10 محولات كهربائية، إضافة لخطوط كهرباء أرضية على طول ما يقارب 8 كيلومترات خرّبتها جرافات الاحتلال، ما أدى لانقطاع الكهرباء عن أنحاء عديدة في جنين ومخيمها.
من جانبها، قالت وزارة الاقتصاد الوطني، إن العدوان على جنين استهدف البنية التحتية لاقتصاد المحافظة، إلى جانب استهداف المدنيين وتهجيرهم، مما ضاعف خسائرها.
ورصدت الوزارة، في تقرير لها، تعمّد قوات الاحتلال تدمير الخطوط الرئيسة لشبكات المياه والكهرباء، خاصة في المخيم، وتنفيذ عمليات تجريف للطرق والأراضي الزراعية، واستهداف منازل المواطنين وممتلكاتهم بالصواريخ.
وأكدت أن اقتصاد المحافظة كان سيخسر ما يزيد على 8 ملايين دولار أسبوعيًا في حال استمر العدوان الإسرائيلي، إضافة إلى تعطل 14 ألف منشأة عن العمل.
وأفاد توفيق البديري رئيس لجنة الإعمار، ووكيل وزارة الحكم المحلي، أن اللجنة لم تحصر (حتى 16 تموز) حجم الخسائر الدقيق، وتحتاج بعض الوقت للإعلان عن رقم نهائي، حسب تصريح له لــ مراسل "آفاق".

آثار العدوان الإسرائيلي في مخيم جنين
ترسانة للقتل
وفق ما نشرته وسائل إعلام فلسطينية وإسرائيلية، فقد شارك في العدوان ثلاثة آلاف جندي من مختلف الوحدات الخاصة، وعشرات الطائرات والجرافات، ونجم عنه استشهاد 12 فلسطينيًا وأكثر من 140 إصابة، ومقتل جندي إسرائيلي، كما اُستخدمت أسلحة جديدة، وأصيبت طائرة مروحية وأُسقطت أربع طائرات مسيرة، كما فُجّرت عبوات ناسفة بواسطة جرافات وعربات عسكرية مُحصنة.
واقتحم الاحتلال مخيم جنين عبر طائرات مروحية ومسيّرات وقوات برية، وجرفَ الشوارع، ودمرَّ الأراضي الزراعية بالقصف الجوي والجرافات الثقيلة.
وقال البروفيسور "ياغيل ليفي" المحاضر في الجامعة المفتوحة، في مقال نُشر بعد يومين من العدوان في صحيفة "هآرتس" إن العملية العسكرية الأخيرة التي استهدفت مخيم جنين، تعكس رؤية قائد هيئة أركان جيش الاحتلال "هرتسي هليفي"، ما يعني أن الجيش كان مَعنياً بها أيضاً، وليس كما روّج كثير من المحللين والكتّاب، وكأن العملية العسكرية فرضها المستوى السياسي فقط على الجيش، من دون التقليل من الضغوطات التي مارستها الحكومة أيضاً، كما أشار إلى أن عمليات من هذا النوع تشكّل فرصة لتجربة أسلحة جديدة.
ولفت ليفي، إلى أقوال هليفي في خطابه في "مؤتمر هرتسليا" قبل نحو ثلاثة أشهر، والذي عزا جزءاً من دوافع العمليات ضد الاحتلال والأهداف الإسرائيلية، إلى وجود جيل شاب في الضفة الغربية، لم يعش الحملة العسكرية التي شنّها جيش الاحتلال على الضفة عام 2002 وأطلق عليها آنذاك اسم "عملية الدرع الواقي".
 |
 |
| عدد كبير من منازل مخيم جنين دمرها العدوان الإسرائيلي |
من آثار العدوان الإسرائيلي الهمجي في مخيم جنين |
وأشار إلى أن هليفي يتبنى مفهوماً عسكرياً تقليدياً، يعتمد على "كي الوعي" بالقوة.
وحسب رأيه أن العملية، عكَست توجهات قائد هيئة أركان جيش الاحتلال نحو استخدام القوة، التي ستساهم في أن يعيش الجيل الفلسطيني الشاب مجدداً تأثير "الدرع الواقي".
وليس من قبيل الصدفة أن العنصر النفسي سيطر على العملية في ضربة الافتتاحية لهجوم "طائرات دون طيار" الجوي الدقيق والموجّه.
وعلاوة على أن الحملة العسكرية عكست توجهات جيش الاحتلال، فإنه أيضاً جنى ثماراً، بحيث سمحت للجيش فرصة لإثبات قوته.
ولم يكن عبثاً، كما يقول ليفي، إتاحة جيش الاحتلال تغطية مكثّفة لنظام التحكّم بالعملية، والتي وُصفت بأنها واحدة من أكثر العمليات العسكرية في الضفة الغربية اعتماداً على التكنولوجيا، بالتعاون الوثيق بين جهاز الاستخبارات ومشغّلي القوة الجوية والجنود على الأرض، الذين جُهّز معظمهم بأجهزة لوحية (تابليت).
وأوضح أن العملية العسكرية كانت أول تجربة حربية لــ "وحدة الكوماندوس البرية"، التي أقيمت عام 2015، ويعمل الجيش على تأكيد هيبتها ومكانتها باعتبارها وحدة نخبة.
وبحسب ياغيل ليفي، منحت عملية جنين الأخيرة "فرصة للجيش لأول تدريب عملي وتكتيكي مهم وواسع وعلني بين أذرع الاستخبارات، والقوات الجوية والقوات على الأرض، بطريقة غير متاحة في غزة، وبالتأكيد ليس في لبنان".

الدمار الشامل إثر العدوان الإسرائيلي الهمجي بارز في جميع أنحاء مخيم جنين
إعادة الإعمار
بدوره، أعلن رئيس الوزراء، محمد اشتية متابعة الرئيس عباس مع الحكومة يوميًا عمل اللجان المشكلّة لمعالجة آثار العدوان الإسرائيلي على مخيم جنين والمدينة، وأن هذه اللجان تعمل على مدار الساعة.
وأضاف أنه منذ الساعات الأولى لانتهاء العدوان، تحاول الطواقم الفنية إعادة الحياة إلى مخيم جنين، حيث أعادت آليات الأشغال العامة فتح الطرق وإزالة الأنقاض وتأمين المساكن للمتضررين.
وواصلت طواقم وزارتي الحكم المحلي والاتصالات وسلطة الطاقة، إعادة ربط شبكات الكهرباء في المخيم، والعمل جارٍ على إعادة شبكتي المياه والاتصالات، حيث يُزود المواطنون بالمياه عن طريق الصهاريج إلى حين انتهاء العمل.
وبيّن اشتية بحسب ما نشره موقع مجلس الوزراء، أن الفِرق الفنية واصلت حصر الأضرار في المدينة والمخيم، وشكّلت لجنة فنية لمتابعة وقيادة جهود الإعمار برئاسة وكيل وزارة الحكم المحلي، وعضوية الوزارات ذات الصلة، ومحافظة جنين، وبلدية جنين، ودائرة شؤون اللاجئين، واللجنة الشعبية في المخيم.
وحول التبرعات التي قدمتها بعض الدول لإعادة إعمار المخيم، أوضح رئيس الوزراء، منتصف تموز الماضي، أن الجزائر تبرعت بـ 30 مليون دولار، والإمارات بـ15ـ مليون دولار عبر وكالة الغوث "الأونروا"، وتركيا بـ 150 ألف دولار، ومؤسسة أنيرا بــ ـ200 ألف دولار.
كما ستقدم الحكومة عن طريق وزارة المالية 7 مليون شيقل، وكانت قد صرفت 3.6 مليون شيقل لبلدية جنين، وخصّص الرئيس 500 ألف شيقل من موازنة مكتبه، وبلغت حصيلة تبرعات المواطنين في الحملة التي دعت إليها وزارة الأوقاف بعد صلاة الجمعة في 7 تموز الماضي مليوني شيقل.

المنازل الآمنة في مخيم جنين لم تسلم من العدوان الإسرائيلي الهمجي
دمار بيئي
تجوّل مراسل "آفاق" في جنين ومخيمها ليرصد بعض جوانب التدمير البيئي. ركام المنازل المدمرة هنا يحتاج إلى المسارعة لإزالته حتى لا يتحول إلى موئل للأفاعي والقوارض، كما يستدعي نقله بعيدًا عن المساحات الزراعية كي لا يتسبب في إيذاء المناطق الزراعية أو الحقول.
هذا، وينذر تدمير شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء بكارثة صحية وأزمة إنسانية، عدا عن أن عشرات الأشجار قد احترقت، وتحولت عشرات السيارات إلى هياكل معدنية بعد قصفها وحرقها، وتضررت متاجر عدة، وتحطّم عدد من واجهات المباني الزجاجية.
فيما اكتست الشوارع والأبنية والأشجار بطبقة من الدخان جرّاء القنابل التي ألقاها الاحتلال؛ مشعلةً الحرائق في إثرها، إضافة إلى إشعال عدد كبير من الإطارات المطاطية لكبح عمل الطائرات المسيرة، وفي المقابل، عملت فِرق البلدية وبلديات من الضفة الغربية، ومتطوعون عدة أيام لتنظيف الشوارع الرئيسة من آثار العدوان.
 |
 |
| سيارات محروقة ومدمرة في جميع أنحاء مخيم جنين إثر العدوان الإسرائيلي |
شباب جنين تطوع لتنظيف آثار العدوان الإسرائيلي |
اقتصاد منزلي هشّ
على صعيد آخر، كانت 48 ساعة من العدوان كفيلة بكشف عورات اقتصادنا المنزلي، فعلى سبيل المثال، لا نجد حبة قمح في بيوتنا، ومعظم منازلنا تخلو من الدقيق، وغالبيتنا لا نتقن صنع الخبز.
عدا عن عشرات الثغرات في طرق حفظ الطعام المعتمدة على الكهرباء، التي قد تنقطع عنا في أي ظرف، وكذلك الافتقار إلى مصادر بديلة للماء في منازلنا عند توقف الشبكات لأي سبب كان، فيما الرفاهية ووسائلها تصبح مجرد وهم في وقت عصيب كهذا.
ويرى جمال المصري، الذي يقطن في أطراف جنين، في حديثه معنا، أن العدوان كان بمثابة "جرس إنذار"، وحتّم علينا إعادة التفكير في اقتصادنا المنزلي، بحيث يكون قادرًا على التعامل مع الأزمات الطارئة وتجاوزها.
وأضاف: "بعد العدوان بدأت أرّمم بئر الماء في بيتي، وأوفر ما يلزم لإعداد الخبز المنزلي، وأتخلى عن وسائل الرفاهية".

أزمة الخبز في جنين ومخيمها إثر العدوان الإسرائيلي الأخير