خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
مع مرور الزمن تراكمت الحكايا حول البطيخ في بلادنا وحُفظت لنا في طعمه البديع ومسمياته الطريفة من "ابو نملة" و"ابو طبعة" إلى "الجدوعي" و"المحيسني" و"الملالي"، بل والـمادة الوراثيّة DNA الخاصّة بكل "بطيخة"، التي كاد أو حتى أندثر الكثير منها بفعل السياسات الزراعيّة وسيطرة البذور "المهجّنة" على الأسواق، وذلك بعد أن وصل "البطيخ الفلسطيني" ذات يوم إلى الأندلس غربًا ومنه انتقل إلى أمريكا ليعود إلينا "مهجناً" ويسيطر على أسواقنا قبل أن تبدأ اسرائيل بالسيطرة على أسواق البطيخ بعد الانتفاضة الأولى، ولأن هذه السيطرة لا يُمكن أن تدوم، يتناول هذا التقرير رحلة البطيخ الفلسطيني ورصد أهم المراحل في "تاريخه" حتى عودة الالتفاف الشعبي حول زراعته محليًا والعودة بالاهتمام بأصنافه الأصيلة.
|
 |
| نبتتة بطيخ بلدي |
للبطيخ في بلادنا تاريخ طويل يعود إلى زمن الفراعنة. ومع مرور الزمن تراكمت الحكايا حوله وحُفظت لنا في طعمه البديع ومسمياته الطريفة من "أبو نملة" و"أبو طبعة" إلى "الجدوعي" و"المحيسني" و"الملالي"، بل والـمادة الوراثيّة DNA الخاصّة بكل "بطيخة"، التي كاد أو حتى أندثر الكثير منها بفعل السياسات الزراعيّة وسيطرة البذور "المهجّنة" على الأسواق، وذلك بعد أن وصل "البطيخ الفلسطيني" ذات يوم إلى الأندلس غربًا، ومنها انتقل إلى أمريكا ليعود إلينا "مهجناً" ويسيطر على أسواقنا قبل أن تبدأ اسرائيل بالسيطرة على أسواق البطيخ بعد الانتفاضة الأولى، ولأن هذه السيطرة لا يُمكن أن تدوم، يتناول هذا التقرير رحلة البطيخ الفلسطيني ورصد أهم المراحل في "تاريخه" حتى عودة الالتفاف الشعبي حول زراعته محليًا والعودة إلى الاهتمام بأصنافه الأصيلة.
زراعة البطيخ..معركة فلسطينية صهيونية !
لم يكن موسم البطيخ عام 2014 تقليديًا، ولعلّه كان من مواسم البطيخ المميزة والفارقة مُنذ انتهاء العصر الذهبي للبطيخ الفلسطيني عام 1983، حيث كان البطيخ يكفي الفلسطينيين بل ويُصدّر إلى مصر ولبنان والأردن وحتى الخليج، إلى أن بدأت العراقيل توضع أمام تصدير البطيخ إلى الأردن، وهكذا تقلّصت عدد الأراضي المزروعة بالبطيخ عام 1987 من 16.2 ألف دونم إلى 1500 دونم عام 1991 كما تشير إحدى دراسات معهد "أريج" من عام 1994.
بالعودة إلى موسم 2014، نجد أن البطيخ الفلسطيني الذي كان يستعد ليستعيد مكانته بعد أن بدأ يُزرع في الأغوار ويتم إنتاجه بكميّات تجارية ليحل مكان البطيخ الاسرائيلي الذي "احتل" الأسواق (ولا زال) قد دخل في "مواجهة حقيقيّة"، فقد شهدت قرية "بيتا" جنوب مدينة نابلس تدخل الجيش الإسرائيلي من خلال مرافقته بجيبّات عسكريّة لحماية شاحنات مُحملّة بالبطيخ الإسرائيلي بهدف إيصالها للتجار بآمان، بعد أن قامت طواقم وزارة الزراعة بضبط شاحنتين محملتين بالبطيخ الإسرائيلي في وقت سابق.
دخلت شاحنات البطيخ حينها إلى الأسواق، وبيعت بأسعار منخفضة، كما دخلت بعدها ولا زالت تدخل الكثير من الشاحنات كل يوم، بينما البطيخ الفلسطيني "يُناضل" من أجل أن يصل إلى الأسواق، فيكسد منه ما يكسد في المزراع ولولا العديد من المُبادرات المحلية مثل مبادرة "شراكة" ومجموعة "حكي القرايا" التي تسعى للترويج والتسويق للبطيخ الفلسطيني لكانت الخسائر أعظم!
بل إن الكثير من التجار يُفضّلون البطيخ الإسرائيلي لأن هامش الربح فيه أعلى، ولا يهتمون بالبطيخ القادم من جنين، بعد أن كان البطيخ "الجنيني" أشبه بماركة مسجّلة يتسابق إليه التجار يومًا ما.

من صفحة الرسام رمزي طويل
من فلسطين..إلى الأندلس!
حكايات تُجّارنا مع "البطيخ الفلسطيني" اضطرتنا بالعودة للبحث عن حكاياته، لنجد أن صيت "البطيخ الفلسطيني" قد بلغ الشرق والغرب مُنذ مئات السنين وإن لم يكن البطيخ "فلسطينيًا" بالأصل مثل القمح والشعير، ولعلّه وصل فلسطين من خلال مصر التي عرفت البطيخ مُنذ الفراعنة، ولكن "الصيت" كان في الكثير من الأحيان لفلسطين.
عند البحث عن حكايا البطيخ في الكتب القديمة، نجد خلطًا في استخدام كلمة "بطيخ"، فكثيرًا ما يُقصد بالبطيخ "الشمام" كما نرى ذلك في العديد من الكُتب والأدبيات، أما البطيخ الذي نعرفه في بلادنا فيُسمى غالبًا "البطيخ الأخضر" أو "البطيخ الهندي". ولكن المُثير أن نجد من أمثال ابن العوام الاشبيلي، وهو من أبرز علماء الفلاحة العرب في الأندلس يتحدث عن "نوع" البطيخ الفلسطيني باعتباره نفسه "الهندي" و"السِندي" بالإضافة إلى أنواع أخرى مثل "الجرايري" و"الهواري" والعقابي".
الأكثر إثارة، أن نجد مراجع أخرى تستخدم مصطلح "البطيخ الفلسطيني" بصورة أشمل، وذلك للتمييز بين "البطيخ" الذي نعرفه وبين البطيخ الأصفر (الشمام) وليس كـصنف من ضمن أصناف مختلفة، كما أن الكثير من الرحالة الذين زاروا فلسطين تناولوا بطيخها وكتبوا عنه وأبرزهم ابن بطوطة، الذي قال في وصف "البطيخ النابلسي" بأنه "طيب وعجيب"، والأمر لا يتوقف عند الرحالة ففي كتاب "الأغذية والأدوية" لإسحاق الإسرائيلي نجد كذلك وصفات علاجيّة يُذكر فيها "البطيخ الفلسطيني" على أنه المعروف بين الناس بالـ "الدلاع".
هذه الأمثلة وغيرها تشير بأن بطيخ فلسطين لم يتوقف يومًا عند حدودها، بل انتقل وعُرف بفضل خصائصه المميزة، حتى وصل الأندلس.

من الأندلس إلى أمريكا
في الأندلس طوّر العرب الزراعة ولا زالت بصماتهم حاضرة حتى اليوم، ولأن العرب أحبوا البطيخ فقد ازدهرت زراعة البطيخ ودوّنوا الكثير من الأشعار حوله وكتبوا في فنون زراعته، ونفترض أن زراعة "البطيخ الفلسطيني" الذي كتب عنه ابن العوام الأندلسي قد ازدهرت هي أيضًا، فلم تتوقف عند حدود الاندلس بل انتقلت إلى أمريكا. ففي كتابه "بستنة الخضار المتوارثة" يتحدث مؤرخ الطعام ويليام ويفير عن حكاية وصول البطيخ إلى أمريكا والتي بدأت برحلته من موانئ الشرق "الاوسط" كالاسكندرية إلى القسطنطينية وأوروبا والأندلس التي تطوّرت فيها زراعة البطيخ ومنها حُملت "الأصناف الاندلسيّة moorishvarietes" في القرن الخامس عشر إلى أمريكا (كلمة مورو تستخدم لوصف الأندلسيين) بالإضافة إلى أصناف أخرى وصلت أمريكا من أفريقيا.
أحد أبرز "الأصناف الأندلسيّة" التي وصلت إلى امريكا هو صنف "blackspanishwatermelon" والذي انتشر بشكل واسع في أمريكا وكان يُسمى "البطيخ الكوبي cubanwatermelon" وكانت خُضرته أكثر ميلًا للسواد وبذوره سوداء، بالإضافة إلى أنه كان من أكثر الأصناف الملائمة للزراعة منزليًا.
بالإضافة إلى هذه الأصناف التي انتشرت في أمريكا، بدأ علم الزراعة يتطوّر بشكل مُلفت في أمريكا وبدأت تظهر أصناف جديدة تميّزت بخصائص فريدة جذبت اهتمام الفلاحين، مثل "البطيخ الشلياني"، الذي لم تتوقف شهرته في أمريكا، بل ذاع صيته فوصل كذلك إلى بلادنا ليكتسح الأسواق ويأخذ المكانة التي تحلّى بها البطيخ الفلسطيني الذي (قد يكون) أحد "أجداده" ممن وصلوا الأندلس عبر موانئ الشرق قبل ان ينتقلوا الى امريكا!
"البطيخ الأمريكي"..يكتسح أسواقنا!
يقول الباحث المصري أحمد أمين في اكتساح البطيخ الأمريكي للأسواق، أن أجود البطيخ الذي عرفته مصر كان البطيخ القادم من يافا وكانوا يُسمّونه "بطيخ يافاوي" ولكن ما إن استجلب البطيخ الشلياني، وزُرع في مصر حتى اكتسح الأسواق لأنه كان "خيرًا من اليافاوي" كما يقول في كتابه "قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصريّة".

البطيخ الشلياني في مصر - صفحةمصرزمانعبرالفيسبوك
حظي "الشلياني" الذي يُعرف علميًا باسم شيليان بلاك ChileanBlack باهتمام الباحثين الزراعيين، فقد كان من أحسن أصناف البطيخ في مصر وأكثرها انتشارًا كما يقول الأستاذ كمال رمزي أستينو في كتابه زراعة الخضروات، وهو يُفصل خصائص هذا الصنف قائلًا: الثمار مستديرة، متوسطة الحجم تزن من 6-10 كغم، والقشرة خضراء قاتمة بخطوط أقتم لونًا، وهو أحمر داكن شديد الحلاوة كثير العصارة قليل الألياف، والقشرة رفيعة جدًا والبذور سوداء.
وقد ذكر كُل هذه التفاصيل وغيرها، الباحث والخبير الزراعي "وصفي زكريا" الذي تخرّج من المدرسة الزراعيّة العليا باسطنبول عام 1912، ولعل ما كتبه عن أصناف البطيخ في بلاد الشام من أفضل المصادر المُتاحة حول الموضوع باللغة العربية، حيث يزوّدنا بمعلومات مثيرة وهو يؤرخ لمرحلة اكتساح البطيخ الأمريكي للأسواق.
فيقول "زكريا" في كتابه "زراعة المحاصيل الحقلية" (1952): "في السنين الأخيرة (فترة الانتداب البريطاني) انتشرت في فلسطين، في سهول طولكرم تحديدًا؛ زراعة أحد أصناف البطيخ الأمريكي فوجد نجاحًا عظيمًا وطغى على جميع الأصناف الأخرى، وقد اخترعوا له هناك اسم "ملاكي" بعد أن أضاعوا اسمه الأصلي، ولكن يظن أنه المعروف في أمريكا باسم فورد هيول أيرليFord-hookErly".
بداية "انقراض" البطيخ الفلسطيني.. !
مع اكتساح البطيخ الأمريكي تضطررت الكثير من الأصناف المحليّة، كما حصل مع اكتساح البطيخ الشلياني للبطيخ اليافاوي في مصر، إلا أن البطيخ اليافاوي انحسر حتى في فلسطين مع أنه كان من ألمع الأصناف وأشهرها وهو الذي يُعرف بين فلاحي فلسطين باسم "المحيسني" أو "المحيسنة" والذي قال فيه وصفي زكريا:
"أشهر البطيخ في فلسطين، ينتج في سهول طولكرم وجنين، وأكثر ما يُزرع فيها صنف المحيسني المعروف في مصر باسم اليافاوي" "ثماره كبيرة الحجم مستديرة تزن 6-7 كغم، وقشرة هذه الثمار رفيعة خضراء قاتمة أو ضاربة إلى البياض وليس فيها ضلوع بارزة، أما اللب فأحمر وردي قليل العصارة (مرمل) قليل الألياف لذيذ الطعام جدًا، والبذور بيض ذات حواف سوداء".
هذا الصنف لم يعد متاحًا بسهولة حتى في فلسطين، وما تبقى عنه في ذاكرة الفلاحين لونه المائل إلى البياض أو حجمه الكبير وطعمه اللذيذ، وكثيرًا ما يُشبّه حجمه بـ"كادوس النحل" أو أن يُقال بأن الجمل لم يكن يحمل منه إلا بطيختين.
بالإضافة إلى "المحيسني" نجد أن صنف "أبو نملة" لم يعد حاضرًا كما كان من قبل، رغم اشتهاره بفضل قابليته الممتازة للتصدير بفضل قشرته السميكة التي تميّزت بلون أخضر زاهي، وكذلك بفضل حجمه المتوسط الكروي ولبّه الأحمر اللين اللذيذ كما وصفه "زكريا".
"ابو نملة" يظهر كذلك في دراسة للباحث "هاري باريس" وآخرون نُشرت في إحدى المجلات العلمية المتخصصة جاء فيها أن ثماره تصل إلى 10 كغم وقشره أسمك وأغمق من قشر المحيسني وكان يُصدر إلى مصر غالبًا. هناك مصادر عبريّة تتحدث كذلك عن صنف يُدعي "قنّوري" وكان كذلك يتميّز بقشرته السميكة إلا أن طعمه لم يكن مثل "المحيسني".
في مقابلة مع بروفيسور مصطفى كبها، ذكر أن تصدير البطيخ كان يتم غالبًا من "ميناء أبو زابورة" الذي كان يُسمى "ميناء البطيخ" ولا زالت عمارة نقطة الجمارك في خربة سمارة من الشواهد المهمة على "أيام العز"، التي عاشها البطيخ الفلسطيني المُخصص للتصدير مثل "القنوري" و"ابو نملة".
بعض الأصناف مثل "ابو طبعة" لم نجد عنه أي تفاصيل، إلا إنه ذُكر في مقالة في مجلة دار المعلمين من عام 1922، تتحدث عن البطيخ في طول كرم وصنف "كُرياتي Qurayti" ذُكرت بشكل مقتضب ضمن دراسة "هاري باريس وزُملائه" ولعله "القراريطي" الذي ذُكر في مجلة الكويت عام 1983.
بالإضافة إلى كُل هذه الأصناف التي لم يعد لها حضور تقريبًا بل ولعلها انقرضت، نجد صنف "الجدوّعي" يحظى باهتمام متزايد ولعله أكثر أصناف البطيخ حضورًا في الأحاديث الزراعيّة، حيث نجد مؤسسة "ارض السنديان" تُخصص مقالة حول "ضياع" هذا الصنف ومحاولة "إحيائه" من قِبل "مكتبة البذور البلدية الفلسطينة". كما نجد أن الباحث عبدالله العمري درس مع فريق من الباحثين هذا الصنف ضمن بحث حول "التنوع الجيني في البطيخ البلدي الفلسطيني" حيث تمت دراسة مجموعة من أصناف البطيخ، بالأخص تلك التي تُزرع في منطقة جنين مثل "زند العبد" و"الجدّوعي" و"الطلياني" و"الملالي"، وذلك من خلال تدوين 37 وصف من المواصفات المختلفة، مثل عدد الأيام حتى ظهور أول الأزهار المُذكرّة أو عدد البذور في البطيخة أو حتى انتاجيّة الحقل في كُل صنف وصفات أخرى كثيرة تُبرز التنوع الجيني، جعلت الباحث "العمري" يؤكد لنا في حديث خاص؛ أن الأصناف البلدية هي تراث وطني لا بُد من الحفاظ عليه للأجيال القادمة من خلال زراعته في الحدائق المنزليّة.

صورة: البطيخ الجدوعي من دراسة عبدالله العمري وزملائه حول التنوع الجيني في البطيخ البلدي الفلسطيني
الملالي..بين "صراع البقاء" و"صراع الرواية" !
رغم أهميّة الأصناف البلديّة، إلا أن الكثير منها لم تتمكن من منافسة الأصناف "التجاريّة"، بيد أن صنفًا واحد هو "الملالي" لا زال حاضرًا ويُزرع لخاصيّة مميزة فيه هي "كثرة البذور" حيث يُستغل لصناعة "بزر البطيخ"، كما أن هناك مصادر كثيرة تستخدم لفظ "بلدي" كبديل للفظ "ملالي" وبالتالي بعض المتاجر التي تبيع بذور "البطيخ البلدي" حتى اليوم في سهل البطوف مثلًا فإنه يقصد بها بذور "البطيخ الملالي"، وبالتالي فإن معركة هذا الصنف ليست كبقية الأصناف الأخرى في "صراع البقاء" إلا أنها "صراع الروايات".
بحسب الرواية الإسرائيلية، فإن "البطيخ الملالي" عُرف تجاريًا في أربعينات القرن الماضي، وأول دراسة تناولت هذا الصنف كانت عام 1943، وأن زراعته تجاريّا بدأت في مستوطنة "ملال" التي وُلد فيها شارون.
تقول الحكاية الإسرائيلية أن اثنين من المزارعين كانا يُحاولان الحصول على بطيخ يُشبه "المحيسني" في طعمه "العسل" ويُشبه "القنوري" في قشرته السميكة التي جعلته قابلًا للتصدير بسهولة، فحاولوا جلب أصناف من كاليفورنيا ولكنها لم تنجح وتكررت المحاولات حتى "توصّلوا" إلى هذا الصنف قبل ثورة 1936 ولكن الأحوال السياسية والاقتصادية عطّلت عليهم مشروعهم في السيطرة على أسواق البطيخ ولكن ما إن هدأت الأمور حتى عادوا وحققوا نجاحًا من خلال هذا الصنف الجديد.
في الأبحاث الإسرائيلية، ليس هناك اجماع على "آباء" هذا الصنف، فبعضهم يرى أنه نتيجة تلقيح خلطي chancecrossing بين صنف (عربي) محلي وصنف آخر يُدعى 'Tangela’ بيد أن الأكثريّة ترى أنه تلقيح بين صنف "المحيسني" و"التشلياني" والتي تتشابه مع "الملالي" في المواصفات الخارجيّة.

صورة: البطيخ الملالي من دراسة "هاريباريسوزُملائه"
فلسطينيًا، نجد حكاية مُختلفة للملالي، ففي تقرير سابق لمجلة آفاق البيئة والتنمية، أشار المهندس الزراعي "عمر الدمج" بأن بذور البطيخ الملالي هي مُحسّنة من "الجدوعي" وتعتبر من البذور البلدية الأصيلة التي زرعها فلاحون من ميثلون ومحفوظة في بنك البذور الذي أسسته الإغاثة الزراعية. كذلك نجد أن الباحث "العمري" وزملائه اعتبروا "الملالي" من الأصناف البلديّة باعتبارها من الأصناف التي كانت تُزرع قبل قيام "اسرائيل"، علمًا بأنه أشار بأنه لا يعلم آباء هذا الصنف ولكن قد يكون "الجدوعي" أحد آبائه.
لماذا علينا حفظ البذور البلدية
سواء كان "المحيسني" من آباء "الملالي" كما يقول "الاسرائيليون" أو أن "الجدوعي" هو أحد آبائه، فإن الملالي من البذور الأصيلة التي زُرعت ولا زالت تُزرع في فلسطين وتُذكرنا بالأصناف البلدية الأصلية التي "ضاعت"، والتي ينبغي أن نهتم بها في ظل سيطرة البذور الغريبة المُهجّنة كما يؤكد الباحث جورج كرزم في دراسة حول التنمية الزراعيّة البديلة.
يُشير "كرزم" إلى أن البذور البلدية يُمكن جمعها وتخزينها من موسم لآخر بينما لا يُمكن ذلك مع البذور المهجنة كذلك فإن البذور البلدية تنمو جيدًا مع السماد البلدي بينما البذور المهجنة تجبر المزراع على شراء الأسمدة والمبيدات الكيماوية، والتي تسبب تآكلًا متواصلًا في خصوبة التربة. كذلك؛ فإن البذور البلدية مناسبة لظروف مناخنا الجاف وذلك بعكس البذور المهجنة.
هذا الكلام لا يقتصر على البطيخ بالطبع، ولكنه يشمل كُل البذور، كما أن آثار الاعتماد على البذور المُهجّنة لا تقتصر على حسابات الربح والخسارة المالية البحتة فقط، أو حتى التربة والمياه فقط، فلكل نمط زراعي هناك تبعات وآثار اجتماعية وآخلاقيّة يجب أن نتعامل معها بوعي كما يؤكد "كُرزم".
الخاتمة: عودة البطيخ الفلسطيني
في موسم البطيخ 2020، وفي ظل أزمة كورونا وما صَحبها من آثار وتغيّرات اجتماعية واقتصادية، حضر "البطيخ الفلسطيني" مُجددًا على الساحة، وكَثُرت الدعوات للعودة إلى الاعتماد عليه بدلًا من البطيخ الإسرائيلي وذلك لتحقيق المزيد من السيادة على الغذاء ودعم المزارعين الفلسطينيين، ومع أن الأصناف المزروعة حاليًا في فلسطين هي ليست نفسها الأصناف "الأصيلة" التي عرفها أجدادنا، إلا أن دعم الزراعة المحلية وتزايد الاهتمام الشعبي بالمُنتج المحلي، يحُتّم علينا العودة إلى التفكير والعمل من أجل احياء البذور البلدية، لعلّنا نشهد يومًا ما.. عودة البطيخ "المحيسني" و"الجدوعي" في الأسواق، تمامًا كعودة الالتفاف الشعبي حول البطيخ الفلسطيني هذا العام.

صورة: منشور عبر صفحة "تياسير" على الفيسبوك"يترحم" على أيام زراعة البطيخ بوفرة في مرج بن عامر