نيسان 2009 العدد (13)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا 

April 2009 No (13)

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

 

عزبة عبد ربه.. شاهد عيان على قتل جيش الاحتلال الشجر والطين

عبد الدايم...أرضنا أضحت جرداء قاحلة بفعل الأسلحة الكيماوية التي استهدفتها

 

سمر شاهين / غزة

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

تصدرت عناوين الأخبار ذات مرة، وبقيت في أذهان العالم أجمع عامة وفي أذهان أهل غزة خاصة، إنها عزبة عبد ربه القابعة شرق مخيم جباليا شمال قطاع غزة.  تلك البقعة الجغرافية التي تعرف بخصوبة تربتها وصفاء مائها وسكانها الفلاحون الذين يمتهنون حرفة الزراعة ..اليوم وبعد أن وضعت الحرب الاسرائيلية أوزارها عن قطاع غزة فما إن تطأ  قدميك عزبة عبد ربه، وتنظر إلى المزارعين حتى تدرك معنى الألم الذي يعانونه والرغبة الكبيرة لديهم في إعادة إحياء أرضهم المحروقة من جديد، لكن الحرب الاسرائيلية لم تترك لهم أي خيار، سوى الانتظار، رغم أن ثمة أملا بأن الله يحيي الأرض بعد موتها.

في عزبة عبد ربه، يمتلك أبو غسان، الذي ينسب إلى عائلة عبد الدايم، عشرات دونمات الأراضي الزراعية، مزروع جلها بأشجار الحمضيات، أتت القذائف الاسرائيلية لتحيلها أثرا بعد عين وتجتثها من جذورها، قبل أن تصليها بقذائف الفسفور الأبيض.

"أبو غسان"، يناهز عمره الخمسين عاماً، وقد ولد في حقل والده  ويقول " أنا فلاح ابن فلاح  أباً عن جد" ، ويشير بأصبعه إلى الأراضي المحتلة شرقاً قائلاً "والدي يملك مئات الدونمات هناك، لا نحتكم إلا على ثلاثين منها، أما البقية الباقية فغدت الآن مزارع لقادة الاحتلال.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي شنت حربا على قطاع غزة في يوم السبت 27/12/2008، واستمرت على مدار 22 يوما خلفت وراءها ما يزيد على 1400 شهيد وأكثر من 5500 جريح وتدمير ما يزيد على 21 ألف منزل إضافة إلى هدم ما يزيد على 100مسجد ما بين تدمير كلي وجزئي إضافة إلى تجريف الأراضي وحرقها وتلويثها بمواد كيماوية وفسفورية.

ويشير أبو غسان إلى أن جزءا من الأرض التي يملكها وأشقاؤه جرفت في هجمات إسرائيلية سابقة، وقد أعادوا زراعتها من جديد، قائلاً:  "الدونم الواحد يكلف إعادة إحيائه خمسة آلاف دولار ما بين تشجير وآبار مياه وشبكات ري، وسياج".

ويضيف ابو غسان وهو متزوج ولديه "8" من الابناء والبنات ووهب حياته من اجل الطين والعناية باشجاره واليوم بات يعيش حياة معنونة بالالم كلما نظر إلى أرضه التي باتت محروقة بفعل القذائف الإسرائيلية:  "الأرض غير صالحة للزراعة الآن، ولا أفكر في وضع أي فأس في الأرض، لا أعلم كم من العمر ستبقى الأرض جرداء قاحلة".

ويضيف وهو يقبض بيديه قبضة من رمال أرضه التي كانت تئن ألما ووجعا:  "هذا الشجر الذي غيب عن الأرض وربما بات اليوم في باطنها، ليس له ثمن (...) هذه الأشجار التي كانت وما تبقى منها زرعها الأجداد وورثوها لنا نحن الأبناء وكنت سأورثها لأبنائي"، مضيفا بصوت يملؤه البكاء:  "لقد ضاع شقاء العمر وضاع حلمي وضاعت أشجارى التي تعادل أبنائي في غلاوتها".

وبعيون دامعتين قال لي: " انظري هنا لم يتبق لي ولأسرتي وعائلتي من الإخوة والأخوات سوى بضع شجيرات لا تسمن ولا تغني من جوع، حالها كحالنا الألم والحسرة على الأراضي التي جرفت والأشجار التي وئدت، أي ذنب ذلك الذي اقترفته أرضي وأشجاري لتزول دون عودة " آه يا ارضى.. آه يا أشجاري ".

 ويشير إلى أن الدونم الواحد أنه كان يضم بين جنباته نحو أربعين شجرة وقد خسر اليوم كل الاشجار التي أفنى زهرة شبابه من أجلها.

ويتمتم بكلمات كانت تخرج وهي ممزوجة بالألم "الجو غير صحي للإنسان أو الحيوان والنبات، لن تعود الأرض إلى سابق عهدها حتى على عهد أولادي نتيجة للفسفور الذي استخدمه الاحتلال الإسرائيلي".

ورغم ما ألّم بعائلة عبد الدايم التي فقدت جزءاً كبيراً من مزارعها ومشاريعها، والتي تقدر خسائرها بملايين الدولارات، إلا أنهم يطالبون خبراء التربة بفحص الأرض، وبأن يعلموهم إن كان هناك إمكانية لإعادة تأهيلها، ويختم حديثه  قائلاً:  "أراضي هيروشيما وناجازاكي لا زالتا حتى اللحظة لا تصلحان للزراعة...".

ولا تبعد عزبة عبد ربه عن حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 سوى ثلاثة كيلومترات تقريبا وتبلغ مساحتها حوالي كيلومتر مربع. وعرف عن هذه الأرض خصوبة تربتها الطينية الحمراء العالية، كإحدى أكثر المناطق خصوبة بعد سهل مرج بن عامر، ووادي غزة. كما اشتهر عنها زراعة الفواكه حتى أن البعض سماها "سلة فواكه غزة"، وقد أتت الآليات العسكرية الإسرائيلية على أكثر من ثمانية آلاف دونم مزروعة بالحمضيات.

ووفقاً لتقرير خسائر القطاع الزراعي الصادر عن وزارة الزراعة الفلسطينية، فإن إجمالي قيمة الأضرار الزراعية المباشرة في شمال قطاع غزة بلغت 160 مليون دولار أمريكي، أي ما يعادل 45 في المائة من إجمالي قيمة الخسائر المباشرة الكلية في المناطق الفلسطينية، والبالغ قيمتها نصف مليار دولار.

وبدوره يؤكد محمد عبد الخالق (55) عاما وهو يقف على أعتاب أرضه البالغة مساحتها 6 آلاف متر مربع (6 دونمات):  "أنا وشقيقي وزوج أختي نعتمد كلياً على هذه الأرض، قبل ست سنوات تم تجريف أشجار ليمون وحمضيات عمرها 60 عاماً.. قمنا بزراعتها مجدداً، وهذا العام كنا على بعد أيام من جني الثمرة الأولى، قبل أن تشتعل الحرب".

وأضاف عبد الخالق: "كنا نعيش على بعض الخضروات المزروعة بين الأشجار الحديثة، نريد العيش.. غير أن هذه المرة لن أستطيع زراعتها مجدداً، لا أعلم إن كانت الأرض صالحة للزراعة أم لا.. هذه الضربة كانت قاضية، متنا مليون موته". حسب قوله.

وشدد مسؤولون في وزارة الزراعة على ضرورة قدوم خبراء دوليين في هندسة التربة لفحص تربة الأراضي الزراعية في قطاع غزة، الذي يعتمد أكثر من نصف سكانه على الزراعة، والكشف عن فحوى القنابل التي ضربت بها عدد كبير من الأراضي قبل تجريفها، لا سيما وأن الحديث يدور عن قنابل الفسفور الأبيض الحارقة، وقنابل Dime، التي تحتوي على مواد مشعة من اليورانيوم المستنفذ.

ويشتعل (الفوسفور الأبيض) عند اتصاله بالأوكسجين ويواصل الاشتعال إلى درجة حرارة تصل إلى 816 مئوية حتى تنفد الكمية أو يمنع عنه الأوكسجين, والذي عادة ما يستخدم لإطلاق سواتر من الدخان ولكن قد يستخدم أيضاً كسلاح ويسبب حروقاً بالغة إذا ما لامس الجلد.

ويسمح القانون الدولي باستخدام ذخائر (الفوسفور الأبيض) في الأماكن المفتوحة فقط, لكن (هيومان رايتس ووتش) أكدت أن جيش الاحتلال أطلقها "بصورة غير مشروعة" على أحياء ذات كثافة سكانية كبيرة فقتلت وأصابت مدنيين ودمرت أبنية مدنية بينها مدرسة وسوق ومخزن للمساعدات الإنسانية ومستشفى.

وقال "فريد أبراهامز" الباحث في منظمة "هيومان رايتس ووتش": " في غزة لم يستخدم جيش الاحتلال الفوسفور الأبيض في الأماكن المفتوحة فقط كغطاء لقواته بل أطلق قذائف الفوسفور الأبيض مراراً على مناطق ذات كثافة سكانية عالية حتى عندما لم تكن قواته في المنطقة ومع وجود قذائف دخان أكثر سلامة, ونتيجة لذلك أصيب وقتل مدنيون بصورة غير ضرورية".

وكشف مسؤول في الوزارة لـ"افاق للبيئة والتنمية" عن أنه تم تسريب "500" عينة من التربة إلى الخارج عبر الانفاق بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية لفحصها ومعرفة نوع المواد الكيماوية التي استخدمتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في حربها على قطاع غزة، ومن أجل تشخيص الضرر والعمل على إيجاد الحلول له وإنقاذ الارض..

 للأعلى

 
     

 

التعليقات

 
 

لموضوع: رئيسي  2  العدد 13

التعليق

كل التحية والإكبار لأهلنا الصابرين المرابطين في غزة...

 


 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.