نيسان 2009 العدد  (13)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

Apri; 2009 No (13)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية

الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية

قراءة في كتاب

البيئة والتنمية في صور

الاتصال بنا

الصفحة الرئيسية

 

 

 

البيئة المقدسية تغرق بالمخدرات

على مرأى من أعين الاحتلال تباع السموم  وتبدأ الشرور بالانتشار بين الأسر المقدسية

في الضفة الغربية:  أكثر من 90 ألف متعاط ومدمن على المخدرات

نصف عدد المدمنين من القدس

 

 تقرير وعدسة: ربى عنبتاوي / القدس

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

لا يمكن الحديث عن بيئة مقدسية نظيفة إن تجاذبنا الحديث عن آفة تفتك ببنيانها البشري وتسيء إلى مظهرها العام كالمخدرات، ولأن الاحتلال معني بشاب فلسطيني في يده سيجارة مروانا بدلاً من كتاب فهو يغض الطرف عمداً عن التجار والمروجين والمدمنين لا بل يسهل لهم الطريق، فلا تكاد تخلو زاوية أو حارة من بقايا الإدمان كالإبر وأوراق السوليفان والأنابيب الزجاجية، لمتعاطين تصل نسبتهم وفقاً للإحصائيات الأخيرة  إلى ما يقارب 5% من المقدسيين.  

بين ازدحام بيوت عناتا شمالي القدس، يقع مركز النور لعلاج مدمني المخدرات، حيث يلتقي المدمنون السابقون في رواق المركز يشغلون أوقاتهم بالأحاديث الاجتماعية، أو يشاركون أحياناً بحضور دروسٍ في التنمية البشرية.

 

إدمان جر معه مصائب عديدة

في قاعة الجلوس كانت  تستريح " سعاد" امرأة ثلاثينية من شمال فلسطين بدأت قصتها حين تزوجت قريبها القاطن في القدس. وفي سنوات الزواج الأولى اكتشفت أن زوجها متعاطٍ للمخدرات، قرب زوجها منها وضحالة معلوماتها حول المخدرات جعلها تتعاطى معه الكوكايين حتى أدمنت ولم تعد تعي خطورة الوضع الذي وصلت إليه.

تعلقت سعاد بهذا السم الخبيث، وفعلت أموراً مخجلة ولا أخلاقية لتحصل على وجبة المخدرات بتشجيع من زوجها المدمن، وبعد أن علمت عائلتها وبدأ الوضع العائلي ينهار قررت سعاد التوجه إلى مركز لعلاج الإدمان.

بدأ الناس يلاحظون خطباً ما في تصرفات الزوجين حين أخذا يطلبان نقوداً ممن يعرفان، في الوقت الذي يعلم الجميع أن عمل الزوج يدر عليه دخلاً معقولاً، فقد حولهم لهاثهم وراء المخدرات إلى الإفلاس فلم يعد في البيت الضروريات الأساسية فانتزعت الشؤون الاجتماعية أولادهم منهما.

اتجهت سعاد إلى مركز علاج الإدمان و شفيت تماماً، ولكنها لم تشفَ بعد من آلام أخطاء الماضي فعذبتها ليلاً نهاراً ومع أنها اليوم تؤكد أنها أفضل بعد هجران زوجها واستئناف حياتها، إلا أن اضطرابها أثناء الحديث ودموعها التي انسابت تدلل على أن الماضي ما زال يؤرقها.

إدمان ثم إدمان

والى جانب سعاد جلس رامي شاب ثلاثيني هزيل الجسم، رمته المخدرات منذ سن الرابعة عشرة في فخ الإدمان فلم يتوقف عن الإدمان إلا مؤخراً ولو أنه ما زال متشككاً بالنسبة لعودته للإدمان بسبب البيئة المحيطة به حيث يدمن إخوته على الحشيش ولا يعرف من حوله إلا أصدقاء المخدرات وتجّاره ورفقاء السوء.

"سجنت مرات عديدة بسبب ممارستي للسرقة، لم أصمد في أي عمل، كنت إنسانا مؤذياً بلا قيمة، لكن بعد ظلمة سنوات الانحراف تعرفت في السنتين الأخيرتين على مركز النور وشفيت من الإدمان وتزوجت وأصبحت لدي أسرة، إلا أن رغبتي البدء من جديد والانخراط في الحياة العملية جوبه بالرفض من مجتمعي كما أن ضعف الإرادة من قبلي  حدا بي تحت وطأة أول إحباط على العودة للإدمان، إلا إنني شفيت بفضل متابعة مركز النور. 

لا يملك رامي أي صنعة، كما أن ذراعيه يحملان آثار مخلفات الإبر، فبقي تائهاً وسط بيئة من المدمنين والمعارف من نفس المجال.

إلا أنه يعمل الآن في جلي الأطباق، محاولاً الصمود مبتعداً قدر الإمكان عن إخوته المدمنين حتى لا ينجرف معهم مجددا.

"لو عدت 15 عاما إلى الوراء لاخترت طريقا آخر بلا شك، لأنني كنت سأعرف سوداوية هذا الطريق الذي لا يجلب إلا الدمار " قال رامي

 

مراحل ثلاث لعلاج المدمن

"أحمد حجازي"  مدير مركز النور تحدث عن صعوبات تأسيسه عام 2003 الذي تم بمبادرة عدد من شباب القدس بهدف إيجاد مؤسسة فلسطينية تهتم بهذا الشأن بعيداً عن مراكز الاحتلال في القدس الشرقية، باعتماد آلية علاج تتم عبر ثلاث مراحل: الأولى إخضاع المدمن لشهر علاجي بإشراف طبيب مختص ينظف جسد المدمن من أثر السموم، وثانياً العلاج النفسي والإرشادي ومدته شهران، والمرحلة الثالثة هي المتابعة ما بعد العلاج عبر التأهيل و مساعدة المدمن السابق في تأمين وظيفة له أو إضفاء الاستقرار على حياته بتزويجه إن كان عازباً أو لم شمله مع أسرته من جديد إن كان متزوجاً، وتستغرق مدة علاج المدمن على الأغلب عاماً وشهرين.

"ما دفعني أنا شخصياً لخوض تجربة إنشاء مركز النور كان رؤية أبناء عمي يتساقطون شاباً تلو الآخر من أثر المخدرات، ولا أنسى لحظة وفاة قريبي ابن الثلاثين بعد تعاطيه جرعة زائدة؛ مما  أشعرني بضرورة التحرك لإنقاذ الشباب المقدسي" قال حجازي.

 

مدينة معزولة بعيداً عن المجتمع

وعن أسباب تفشي المخدرات في القدس أشار حجازي إلى أن الإدمان تعزز بشكل أو بآخر نتيجة للاحتلال وغياب الرقابة المقصودة مما زاد الانحراف والمشاكل الاجتماعية كالبطالة  والفقر، وتسرب الطلاب من المدارس وذهابهم للعمل داخل إسرائيل وتعرفهم أحيانا على البؤر السيئة وباعة المخدرات.

ويضيف حجازي أن الاحتلال غير مهتم بوقف البيع العلني للمخدرات في القدس إلا حين يقترب يهودي من هذه البقعة، فيهب للتدخل. كما أنه يشجع المدمن المتعالج على عودته للتعاطي بطريقة مبطنة عبر تخصيص مبلغ شهري له مقابل العلاج وقطع المبلغ عند الفطام، مما يدفع المدمن السابق المرفوض من المجتمع وسوق العمل إلى العودة مجددا للإدمان لتلقي معونات مالية.

"أحلم بمدينة معزولة يعيش فيها المدمنون السابقون بعيداً عن المجتمع لأنه قاسٍِ لا يرحم ولا يملّ أو يكلّ تذكير الإنسان بماضيه" أعرب حجازي

 

" نصف المدمنين الفلسطينيين هم من القدس"

ومن قلب البلدة القديمة تحدث " حسني شاهين "مدير الهيئة العليا لمكافحة المخدرات عن مدى تفشي هذه الظاهرة بالأرقام مدللاً على ذلك  بقوله وجود أكثر من 80 ألف متعاطٍ في الضفة الغربية ومن ضمنها مدينة القدس ومحافظاتها، والمتعاطي هو من يتناول المخدرات من فترة لفترة ولم يصل بعد إلى مرحلة الإدمان، كما أن هناك 10 آلاف مدمن من أولئك الذين يعتمدون جسدياً ونفسياً بشكل كليّ على المخدرات ولا يستطيعون الاستغناء عنها.

 وداخل القدس المحتلة أشار شاهين إلى أن هناك 20 ألف متعاطٍ وخمسة آلاف مدمن. ولو شملنا محافظات القدس الأخرى كالرام والعيزرية وأبو ديس وقرى القدس فسيشكل العدد نصف إجمالي المدمنين والمتعاطين الفلسطينيين ؛ مما يجعل نسبة المتعاطين الكلية  8،2% والمدمنين 6،4% تتركز بين الفئة العمرية من 18-25 عاماً.

 

المدمن مفضوح وجسده يخذله

ولا يخفى على الخبير تمييز المدمن من صفاته  النفسية،  يضيف حجازي  كتغيّر السلوك  حيث يفقد رغبته في العمل ويصبح عصبي المزاج فاقد الشهية يتراوح مزاجه بين الانهيار ولحظات الانتعاش المفاجئة. فالمخدرات هي أكبر احتلال للإنسان لأن الإنسان المدمن يفقد فائدته وقيمة وجوده على الأرض وقد يتحول إلى مخرب وسارق وقاتل وخائن لوطنه. كما أن الإدمان يفلس المدمن حتى لو كان مليونيراً.

 

مركز الطهارة بيئة صحية بعيدا عن إزعاج الناس

على الطريق المؤدية لمدينة أريحا، ووسط هضابها الرملية يبرز مقام النبي موسى الأثري الذي يقع مركز الطهارة التابع للنور في طابقه العلوي، يتميز المركز بأنه اختير في مكان ذي خصوصية  بيئية وطبيعية بعيدا عن التجمعات السكنية ما يعطي المتعالج فسحة ومتنفس نفسي وروحي، فبالإضافة إلى ساحة الاستراحة وغرفة الجلوس وغرف النوم يوجد في الطابق الأرضي منجرة ومخرطة ألمنيوم وملعب كرة طائرة وبركة سباحة ليمارس الشباب هواياتهم ويملؤون وقت فراغهم.

 

"عزام " من عالم الإدمان إلى الإرشاد

ومن داخل المقام تحدث المرشد الأربعيني عزام -الذي كان مدمناً سابقاً- عن التحول الإيجابي في حياته بعد أن هجر الإدمان الذي شاركه ثلاثين عاماً مظلمة من عمره ، حيث تحدث عن أنواع المخدرات الرائجة في المدينة والتي تأتي عادة من اللد أو بئر السبع ومنها:

الحشيش: يستخرج الحشيش من نبات القنب وله أسماء أخرى كثيرة منها الماريجوانا (الحشيش المجفف) والبانجو (الأوراق التي تحتوي على نسبة قليلة من المادة الفعالة)، يأخذ الحشيش على شكل المساحيق، وقد يحول إلى مادة صلبة مضغوطة ومجزأة إلى عدة قطع ملفوفة في ورق "السوليفان" لها لون بني غامق، أو ربما تحول إلى مادة سائلة غامقة اللون، تحتوي على درجة تركيز عالية، يتم تعاطيه عن طريق التدخين في السجائر أو في النرجيله وأحياناً يحرق داخل كوب ويستنشق المتعاطي البخار المتصاعد.

الهيروين: هو أحد مشتقات المورفين ويتعاطى المدمنون الهيروين بطرق متعددة منها الحقن في الوريد أو تحت الجلد أو الشم.

الكوكايين:  ويستخرج من الأفيون الخام، كما يوجد في نبات الكوكا الذي ينمو في أميركا الجنوبية؛
يستخرج من هذا النبات مادة شديدة السمية هشة الملمس بيضاء اللون أطلق عليها اسم الكوكايين، وتتركز خطورتها في التأثير على خلايا الجهاز العصبي المركزي، حيث تؤخذ بالشم أو الحقن أو بالمضغ، وفي حالة تناول جرعة زائدة تؤدي إلى الوفاة مباشرة.

مادة الليسارجيد المعروفة باسم L.S.D تستخرج مادته الأساسية من فطر الأرجون الذي ينمو على نبات الشوفان، ويوجد عقار L.S.D على شكل أقراص رمادية اللون مستديرة صغيرة الحجم، كما يوجد على شكل كبسولات.

وأضاف عزام  أن للمخدرات إجمالا نفس التأثير السلبي على الجسم لما تسببه من تعب عام وإرهاق واحتقان في العينيين وتسارع في ضربات القلب وتقرحات في المعدة وجفاف في الفم والحلق وتهيج عصبي وباستمرار الإدمان فالنتيجة الحتمية هي الموت .

 

مشكلة المدمن بعد العلاج

ويقول عزام عن مشكلة قد يمر بها المدمن المتعالج حين يواجه الحياة مجدداً متشوقاً لفعل العديد من الأشياء، ولأنه يريد كل شيء "كن فيكون"، يتعرض للإحباط حين لا تأتي الأمور بسهولة وربما يعود للوضع الماضي، فيشعر أن المدمنين السابقين هم من يفهمونه فقط، ولذلك فهو بحاجة إلى احتضان المجتمع له.

إلى الشباب "احذروا النارجيلة"

من داخل المقام تحدث "عصام جويحان" عضو هيئة الإدارة في مركز النور، محذراً الشباب من الانسياق وراء  النارجيلة  لما تحويه المواد الحافظة والسكرية التي توضع في ما يسمى بالمعسّل على تشجيع نمو الجراثيم والبكتريا التي تنتقل عبر التنفس إلى جسم المدخن، كما أن النكهات المصنعة غير معروفة الأصل ذات ضرر كبير على الجسم، منوهاً إلى أن المؤشر على الإدمان قد يبدأ من سيجارة أو نارجيلة أو كأس خمر، فالأمر لا يبدأ فجأة بل تساهم البيئة  المناسبة والاستعداد النفسي والشخصية الادمانية على الوقوع في شرك المخدرات.

إذا كان للمخدرات ذلك التأثير الإنساني على هذا الكيان المتأصل في المنظومة الطبيعية فإن لها حتماً تأثيراً على البيئة، فتغلغل هذه السموم وخاصة الكيميائية منها في التربة والمياه يساهم في تلوثها والقضاء على بعض الكائنات الحية، وهذا ما أكدته الكثير من الدراسات الأمريكية حول تلاشي الكثير من الغابات الاستوائية بسبب زراعة المخدرات على مساحات واسعة في الأمريكيتين.

للأعلىé

 
     

 

التعليقات

 
 

الموضوع: رئيسي 1العدد13

التعليق

أتفق تماما مع الكاتبةفي كل كلمة.. فالفقر والجهل والمخدرات والاقتلاع والتشوه البيئي والاجتماعي هي السمات الغالبة في القدس المحتلة...فماذا بقي إذن من التراث الثقافي المقدسي؟ الحجارة ومخيمات وأحياء الفقر والجوع والحرمان...

هاني الأفندي


الموضوع: رئيسي 1العدد13

التعليق

لقد تحولت عاصمة الثقافة العربيةبامتياز إلى عاصمة الفقر الاجتماعي والثقافي والبيئي...

مصعب عمارنة


الموضوع: رئيسي 1العدد13

التعليق

الحقائق الصارخة والمؤثرة في هذا التقرير لا تحتاج إلى المزيد من التعقيب والتعليق...

 مجاهد غنبتاوي

 


 

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.