|
مَثَّل مشروع "نجاحها" طوق نجاة للفتاة أبو خوصة، إذ ساعدها على إكمال تعليمها الجامعي ومساعدة أسرتها قدر الإمكان لموجهة الظروف الاقتصادية التي تعاني منها عائلتها جراء استمرار الحصار الإسرائيلي. عقب تنفيذ البرنامج التدريبي تم اختيار مجموعة من النساء للعمل كمدربات، وسيفتتح مخيم ريادة الأعمال ويتضمن 50 سيدة، وسيتم خلاله تزويدهن بمهارات أكثر حول المشاريع المختارة وآلية إدارة مشاريعهن. يتضمن التدريب مهارات متنوعة في مجال ريادة الأعمال بحيث يتم تطوير خطة لمشاريع تم تقديمها من قبل المتدربات، لاسيما في مجال الزراعة أو الاقتصاد الأخضر أو مشروع بيئي. يعمل المشروع على تعزيز وصول النساء الشابات إلى الخدمات المالية ورأس المال المغامر، بما في ذلك الشراكات مع التعاونيات التي تقودها النساء.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية/ غزة
بحركة لا تخلو من اليقظة بفعل الممارسة اليومية، ترعى هدى أبو خوصة بعصا من شجرة اللوز قطيعاً من الغنم في مناطق مفتوحة في قطاع غزة.
ليس ذلك فحسب، بل أضحت أبو خوصة (24 عاماً) بعد سنوات من العمل الشاق والدراسة تمتلك مهارات تدريبية على مستوى متقدم؛ بفعل مشاركتها واندماجها في تدريب استهدف العشرات من أقرانها ضمن مشروع "نجاحها" .
ومشروع "نجاحها" الذي انطلق في غزة تزامنا مع الأغوار، نابلس، طوباس، طولكرم، وجنين" لتمكين الرياديات الشابات بعمر (15-29) في القطاع الزراعي، يتم تنفيذه بالشراكة بين مركز العمل التنموى/ معا، وجمعية التنمية الزراعية/ الإغاثة الزراعية، ومؤسسة إنقاذ الطفل.
تقول أبو خوصة عقب حصولها على فرصة التدريب في المشروع عقب التقييم الايجابي الذي حصلت عليه، "ما قدرت أحكي وأعبّر، حسيت وقتها كل التعب اللي تعبته ما راح هدر...".
تنافست الفتاة الفلسطينية مع عدد من المرشحات من تخصصات مختلفة وخبرات متنوعة، وقالت عن ذلك "إن المشروع حقق نقلة نوعية في حياة النساء ووضعهن على الطريق الصحيح في قطاع ريادة الأعمال".
تضيف أبو خوصة التي كان يسيطر عليها الفرح: "لم تكن حياتي سهلة ومفروشة بالورود، بل واجهت سلسلة من الصعوبات التي كانت تشتد يوماً بعد يوم بفعل العادات والتقاليد المجتمعية".
لكن الفتاة أبو خوصة وهي الإبنة البكر لأسرة مكونة من عشرة أفراد، واجهت ذلك من خلال تمسكها بالتحصيل العلمي، إذ توضح أنها وافقت بعد إلحاحٍ كبير من والدها على أن تعمل كراعية أغنام، شرط أن تواصل تعليمها حتى الحصول على شهادة الثانوية العامة.
 |
 |
| هدى ابو خوصة الغزية التي تحولت من متدربة تتلقى المعلومات والمهارات إلى مدربة تساعد الأخريات وتعمل على تنمية قدراتهن |
تدريب على الزراعات البيئية في مشروع نجاحها |
ويستهدف مشروع "نجاحها" الذي يستمر على مدار أربعة أعوام بحسب منسقته في غزة "هيا أبو ريا" نحو 500 فتاة وسيدة من القطاع تتراوح أعمارهن ما بين 19-29، ونحو 1000 سيدة في الضفة الغربية، إضافة إلى 1200 طالبة تتراوح أعمارهن ما بين 15-18 سنة.
ويهدف المشروع إلى الحد من العوائق التي تحول دون عمل النساء في مجالات ريادة الأعمال في القطاع الزراعي، من خلال تذليل الحواجز الاجتماعية، الثقافية، المعرفية، المؤسساتية، والاقتصادية التي تعيق عمل النساء، واندماجهن في ذلك القطاع وفق ما ذكرت أبو ريا.
توالت السنوات وحصلت أبو خوصة على شهادة الثانوية العامة، لكن فرحتها بهذا الانجاز تعرضت لانتكاسة، لا سيما بعد إصابة والدها بمرض خطير، وعدم قدرته على توفير مستلزمات عائلته.
تقول أبو خوصة "لأنني البنت الكبرى كنت السند الوحيد لوالدتي بعد أن أصيب والدي بمرض خطير، لم يكن أمامي فرصة؛ إلا أن أبذل قصارى جهدي في التعليم لإكمال دراستي الجامعية، والحصول على وظيفة تمكنني من توفير مستلزمات عائلتي".
حاصرت المعيقات الفتاة أبو خوصة وأصبحت مثقلة بالهموم بعد وفاة والدها عام 2014، ورغم ذلك لم تتخلَ عن هدفها، والتحقت للدراسة في إطار منحة دراسية طوال الأربع سنوات في جامعة القدس المفتوحة، وعملت بجد ومثابرة طوال الوقت لتحقق الوعد الذي قطعته لوالدتها وتخرجت من الجامعة بمعدل 91.9 %.
 |
 |
| تدريبات على مهارات مهنية عملية في مشروع نجاحها |
جلسة تدريبية في مشروع نجاحها |
طوق نجاة
ومثّل مشروع "نجاحها" طوق نجاة للفتاة أبو خوصة، إذ ساعدها على إكمال تعليمها الجامعي ومساعدة أسرتها قدر الإمكان لمواجهة الظروف الاقتصادية التي تعاني منها عائلتها جراء استمرار الحصار الإسرائيلي الذي ضرب مختلف أرجاء القطاع، الذي يقطنه أكثر من مليوني نسمة.
وأبو خوصة ليست الفتاة الوحيدة التي حصلت على فرصة لإكمال تعليمها، إذ ساهم مشروع "نجاحها" في تمكين عشرات الطالبات لإكمال تعليمهن الجامعي، حيث تم تبني 17 طالبة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية تخصص دبلوم الزراعة الحديثة، و12 طالبة في جامعة غزة تخصص ريادة الأعمال، و20 طالبة بكلية فلسطين التقنية، إضافة إلى 10 طالبات في كلية المجتمع "غزة" للدراسات السياحية والتقنية.
واستهدف "نجاحها" أيضاً نحو 125 من موظفي المؤسسات والجامعات والشركات في غزة، وعدداً من معلمات الصف التاسع في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، منهم 41% نساء والباقي ذكور. وعقب تنفيذ البرنامج التدريبي، تم اختيار حوالي 80% من النساء للعمل كمدربات.
كانت أبو خوصة واحدة ممن وقع عليهن الاختيار حيث اعتمد مشروع "نجاحها" على ثلاثة ركائز أساسية بينها: معالجة الحواجز المعرفية التي تواجه الشابات مثل الافتقار إلى المعرفة، والمهارات المرتبطة بريادة الأعمال في القطاع الزراعي.
وتضمن مشروع أبو خوصة أيضاً تطوير وتعزيز منصات ومراكز التعليم والتدريب المحلية، مع مراعاة الفوارق بين الجنسين، بحيث تزيد من تطوير مهارات الفتيات لتساعدهن في الاندماج بسوق العمل، وقطاع ريادة الأعمال وخاصة في القطاعات غير التقليدية كالاقتصاد الأخضر.
نجاح أبو خوصة على الصعيد الجامعي والتدريبي، مكنها من أن تصبح مدربة تساعد الأخريات وتعمل على تنمية قدراتهن.
ولا يتوقف مشروع "نجاحها" عند ذلك الحد، بل سيعمل على زيادة وصول النساء إلى خدمات الإرشاد في مجال تنظيم المشاريع والتشبيك مع الأسواق، وزيادة الوصول إلى الموارد المالية والتحكم بها وفق ما أوضحت به أبو ريا.
 |
 |
| خريجات مشروع نجاحها في غزة |
متدربات غزيات في مشروع نجاحها |
أنشطة متنوعة
وتشير منسقة المشروع إلى أنه يتضمن أيضاً سلسلة من الأنشطة المختلفة منها إنشاء وتعزيز مرافق حاضنات الأعمال والتعاونيات النسائية التي تقودها الشابات، وتعزيز خدمات الإرشاد الحساسة للنوع الاجتماعي إضافة إلى أنشطة تيسير الأسواق لربط رائدات الأعمال بالموردين والمشترين وتعزيز التبادل التجاري بين التعاونيات، والتكامل الرأسي في سلاسل القيمة.
ومثلما ساهم مشروع "نجاحها" في وضع الفتاة أبو خوصة على الطريق الصحيح، كان للشابة فاطمة الزطمة (23 عاماً) نصيب من النجاح، إذ تحولت من فتاة قلقة متوترة، إلى أخرى قادرة على ضبط مواقفها واتخاذ قراراتها ولديها من المهارات والقدرات التي مكنتها من البدء بمشروع خاص بها. والشابة الزطمة وهي أم لثلاث أطفال، عانت كثيراً جراء الزواج المبكر والإنجاب في سن صغير.
تقول عن تجربتها بحرقة "لقد تركني زوجي وحيدة وهاجر إلى أوروبا، وتركني مثل الفريسة لعائلته التي طردتني من منزلها إلى الشارع، بعد أن سلبتني أطفالي الثلاثة..".
لكن الزطمة حظيت هي الأخرى على فرصة ضمن مشروع "نجاحها" وتعلمت مع أخريات من قريناتها مهارات إنتاج الآيسكريم التايلندي، الذي كان أحد الأنشطة التي استهدفت طالبات دبلوم ريادة الأعمال في جامعة غزة، بغرض إكسابهن بعض المهارات العملية في التسويق والإقناع.
لم تكتفِ الزطمة باكتساب تلك المهارة داخل جامعة بل تعاملت معها كفرصة أولية لجني القليل من المال من أجل مساعدتها على الاعتماد على ذاته من أجل توفير احتياجاتها خلال مرحلة تعليمها الجامعي.
وعن تجربة الزطمة، تقول أبو ريا: إن "الشابة (الزطمة) فاطمة حصلت على تدريب ضمن أنشطة نجاحها، لتدون هي نجاح جديد لها، ولديها الفرصة لإكمال تعليمها بعد انقطاع سنوات عديدة".
وتوضح منسقة المشروع أن نجاح تلك الفتاة وضعها على العتبة الأولى، لتبدأ التخطيط لمشروعها الخاص من خلال الأنشطة المتتابعة التي ستوفرها لها؛ بدءاً من التدريب إلى جانب المنحة الجامعية، ملحقةً بفرصة للتدريب على رأس العمل لإكسابها المهارات الفنية والإدارية التي تحتاجها لإدارة مشروعها والحفاظ على استمراريته، ومن ثم منحة لإنشاء مشروعها.
وتشير أبو ريا إلى أن مشروع "نجاحها" في مرحلته الأخيرة، سيعمل على زيادة الوعي وإشراك المؤثرين الرئيسيين فيما يتعلق بالتمكين الاقتصادي للشباب، حيث سيتم تمكين الشباب، ولا سيما الشابات، من تحديد ومعالجة الحواجز الاجتماعية والمؤسساتية والاقتصادية الرئيسية التي تعوق تقدمهم في ريادة الأعمال.
 |
 |
| مشروع نجاحها في غزة |
نشاط تدريبي ضمن مشروع نجاحها |
حملات مساواة
وتبين أبو ريا أن "نجاحها" سيشمل العمل مع أفراد مؤثرين لقيادة حملات للمساواة بين الجنسين في المجتمع، وحملات مناصرة لتغيير السلوك الاجتماعي لمراعاة الفوارق بين الجنسين، إضافة إلى دورات تدريبية وشراكات تراعي النوع الاجتماعي مع غرف التجارة والصناعة ومجالس التوظيف والتدريب المهني والتقني بالأراضي الفلسطينية.
وتتقاطع مشاركة الشابات مع الركائز المشروع الثلاث، حيث تشارك بنشاطات البحوث، والمناصرة والاتصال، والمجالس الاستشارية للشباب على مستوى المجتمع المحلي، إضافة للإرشاد العام للمشروع، وفق ما ذكرت منسقة المشروع.
ويشمل - وفق أبو ريا - تصميم المشروع إقامة شراكات على مستوى المجتمع المحلي بما في ذلك التعاونيات النسوية، ومؤسسات التمويل الصغير، وغرف التجارة والصناعة والزراعة، ومجالس التوظيف والتدريب المهني، والجامعات.
وقد نجح مشروع "نجاحها" في استقطاب النساء في المناطق المهمشة التي تسيطر عليها العادات والتقاليد، حيث عمل على تقديم تدريب خاص بالنساء، وهو ما دفع الأهالي إلى الموافقة على دمج النساء في ذلك.
ووفق منسقة المشروع؛ فقد تم إنشاء غرف لرعاية الأطفال للنساء المشاركات اللواتي لديهن أطفال، والمراكز التي حصلت على تدشين هذه الغرف في نادي الاقصى، وجمعية تنمية المرأة الريفية، وجمعية بيت المستقبل، وجمعية تطوير بيت لاهيا.
وبينت أن نظام التدريب مبنيٌ على وجود منهاج موحد، حيث يسعى "مركز معا" من خلال أنشطة المشروع ليكون ضمن مناهج الجامعات وأن يصبح مرجعاً للمؤسسات الشريكة.
وتشير أبو ريا إلى أنه سيتم تدريب 80 سيدة بواقع 4 مجموعات تدريبية، وهو ما تم تنفيذه حتى اللحظة من أصل 500 سيدة، حيث يتضمن التدريب مهارات متنوعة في مجال ريادة الأعمال بحيث يتم تطوير خطة لمشاريع تم تقديمها من قبل المتدربات، لاسيما في مجال الزراعة أو الاقتصاد الأخضر أو مشروع بيئي.
وتضيف منسقة المشروع، أنه سيتم افتتاح مخيم ريادة الأعمال ويتضمن 50 سيدة، خلال الشهر المقبل وسيتم خلاله تزويدهن بمهارات أكثر حول المشاريع المختارة وآلية إدارة مشاريعهن.
ومن ضمن المشاريع التي قدمت - وفق أبو ريا- مشروع تصنيع أجبان وألبان، والزراعة العضوية، والنباتات العطرية، ومشتل ورود، وزراعة الكرفس، وزراعة حضرية أسطح المنازل، وزراعة مائية، وزراعة صبار الاولوفيرا.
ولاقى المشروع استجابة كبيرة من قبل الفئة المستهدفة حيث أصبحت الفتاتين أبو خوصة والزطمة نموذجاً حيّاً على النجاح في ريادة الأعمال.

متدربات غزيات