|
ينتاب القلق الشديد مزارعي الزيتون، وبخاصة في شمال الضفة الغربية، من موسم كارثي يلوح في الأفق، بفعل ذبابة أوراق الزيتون التي اجتاحت الحقول. خبراء بيئيون يعبرون عن مخاوفهم من مغبة اللجوء إلى طرق المكافحة الكيميائية لهذه الآفة، في حين تؤكد وزارة الزراعة أن خيار الرش الكيميائي مستبعد في هذه المرحلة لحين إجراء الدراسات اللازمة والاتفاق على الطريقة المناسبة. وبين هذا وذاك، تعود إلى الواجهة مجددا قضية استخدام مبيدات الأعشاب التي توجه لها أصابع الاتهام بأنها كانت من أحد أسباب تهيئة الظروف الملائمة لتفشي ذبابة الزيتون أكثر من أي وقت مضى.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| زيتون مصاب بالذبابة |
القلق ولا شيء سواه، يخيم على مزارعي الزيتون خصوصاً في شمال الضفة الغربية من موسم كارثي يلوح في الأفق، بفعل ذبابة أوراق الزيتون التي اجتاحت الحقول في آذار الماضي. هذا القلق يرافقه مخاوف أخرى عبر عنها خبراءٌ بيئيون من مغبة اللجوء إلى طرق المكافحة الكيماوية لهذه الآفة، في حين تؤكد وزارة الزراعة أن خيار الرش الكيماوي مستبعد في هذه المرحلة لحين إجراء الدراسات اللازمة والاتفاق على الطريقة المناسبة. وبين هذا وذاك، تعود إلى الواجهة مجددا قضية استخدام مبيدات الأعشاب التي توجه لها أصابع الاتهام بأنها كانت من أحد أسباب تهيئة الظروف الملائمة لتفشي ذبابة الزيتون أكثر من أي وقت مضى.
المبيدات سبب أساسي في أمراض الزيتون!
على مدار عقود طويلة مضت، تميزت أشجار الزيتون في فلسطين على وجه الخصوص، بسلامتها من الآفات والأمراض؛ إلا أن استخدام الكيماويات الزراعية، ساهم إلى حد كبير في إصابتها بأمراض لم تعرفها من قبل؛ بسبب قضائها على العديد من المخلوقات والحشرات التي تعمل على التوازن الطبيعي؛ فالحشرات لم تكن تشكل آفات حقيقية، نظراً لتحكم أعدائها من الأنواع الأخرى بها، ما حدّ من كثرتها.
وقد أدى القضاء على العديد من المخلوقات الطبيعية إلى تحويل العديد من الأنواع إلى آفات فعلية تتكاثر باستمرار، بعد أن كونت مناعة ضد هذه المبيدات، الأمر الذي دفع المزارعين إلى استعمال المزيد من المبيدات الكيماوية ذات المفعول الأقوى، والتكلفة الأعلى، لمواجهة الآفات وتكاثرها ومقاومتها للمبيدات، ما زاد تكلفة مكافحة الآفات على حساب الربح.
ويمكن القول حسب خبراء بيئيين إن استعمال المبيدات الكيماوية ضد الآفات والحشرات التي تنافسنا على الغذاء والشراب يعتبر بكل المقاييس، حرباً خاسرة، نظراً لكون الحشرات سريعة التكيف، لقدرتها على توليد مناعة ضد المبيدات التي تقتل أيضًا الحشرات النافعة التي تغنينا عن استخدام المبيدات.
 |
 |
| |
مصيدة ذبابة أوراق الزيتون |
خبير: لم يسجل التاريخ أنه تم القضاء على حشرة بالكيماويات
يرى المهندس الزراعي والخبير البيئي سعد داغر أن رش مناطق انتشار الآفة بالمبيدات سيدفع بالحشرة من مناطق إنتشارها إلى مناطق جديدة غير مصابة، وبذلك تتم المساهمة في نشرها في كل فلسطين، فالرش الكيماوي سيقضي على الأعداء الحيوية لذبابة أوراق الزيتون، وستكتسب هي المناعة ضد المبيدات، وما يزيد من فرص الانتشار هو استمرار رش مبيدات الأعشاب التي تؤدي إلى القضاء على النباتات التي تعيش عليها الأعداء الحيوية.
ويضيف داغر "منذ أكثر من عشرين عاما وأنا أحذر من أن استخدام مبيدات الأعشاب سيخلق مشاكل كبيرة للزيتون في المستقبل، وهذا ما نشهده الآن... بدأتُ بالدعوة لقص الأعشاب وتركها على سطح التربة بدل رش المبيدات".
وعن استراتيجية مواجهة ذبابة أوراق الزيتون يقول داغر إنها تتطلب منهجاً مختلفا واستراتيجية طويلة الأمد. فمن الخطأ الاعتقاد أنه برش السموم الكيماوية يمكن القضاء أو الحد من انتشارها، بل سيتم دفعها لمناطق جديدة، بالضبط كما تم دفعها من الداخل الفلسطيني إلى الضفة الغربية.
وتابع داغر وهو من أشد المعارضين لاستخدام المبيدات: "الزيتون في فلسطين وفي منطقة حوض المتوسط عموما، عمره آلاف السنين والحشرات المرافقة له موجودة أيضا منذ آلاف السنين، وذبابة أوراق الزيتون تم تسجيلها علمياً منذ نحو ٢٠٠ سنة، أما المآسي فبدأت تظهر مع الغباء البشري باستخدام الكيماويات مقابل كل حشرة تظهر. الآن بدأت تظهر مصائب أكبر، ويفكرون في الحلول الكيماوية. هذا قصر نظر وقصر حيلة وخبث شركات الكيماويات لبيع المزيد، دون الاهتمام بالنتائج".

زيتون مصاب بذبابة أوراق الزيتون
وزارة الزراعة: الرش الكيماوي مستبعد وسنقرر الأسلوب المناسب بعد التشاور
يتفق بدر الحوامدة، مدير عام وقاية النبات والحجر الزراعي في وزارة الزراعة مع المهندس الزراعي سعد داغر حول مخاطر اللجوء إلى المبيدات للقضاء على آفة أوراق الزيتون. قائلا إن "الرش الكيماوي يضر بسمعة الزيت الفلسطيني الذي عرف على مدار سنوات طويلة بأنه زيت عضوي". وعن الإجراءات الحكومية لمواجهة الآفة بين الحوامدة أن الحكومة رصدت مبلغ مليوني شيكل في هذه المرحلة لرصد مدى انتشار المرض من خلال مصائد حشرية تم توزيعها على المزراعين وذلك بغرض مراقبة انتشار الذبابة، أما اليرقات فلن تستطيع المصائد التي تعلق في الحقول اصطيادها، لأن اليرقات تكون موجودة داخل الأوراق. وفي المناطق التي يرصد فيها انتشار الذبابة ستقوم الوزارة بزيادة عدد المصائد".
ويؤكد الحوامدة على أن قرار الرش الكيماوي لم يتخذ من قبل الوزارة مشيرا إلى أن وزارته تعقد إجتماعات مكثفة مع كل الأطراف العاملة في القطاع الزراعي، وتتواصل مع الجامعات ومراكز الأبحاث لاتخاذ القرار المناسب بعيدا عن الرش الكيماوي الذي يلحق أضراراً بالغة بالصحة والبيئة من خلال رش كميات كبيرة من المبيدات".
وعن القرار المناسب الذي سيتخذ، أفاد الحوامدة أنه مع بداية السنة الجديدة ستتبلور الخطة بعد إجراء كل الدراسات اللازمة، ملمحاً إلى إمكانية استخدام أنواع معينة من المبيدات على أسس علمية، في حال ثبت أنها ستكون ناجعة في القضاء على اليرقات وبعد إجراء الدراسات اللازمة بهذا الخصوص، بمعنى أنه لن يكون هناك أي إستخدام عشوائي لأي نوع من المبيدات.
وتتمثل أعراض ذبابة أوراق الزيتون بظهور انتفاخات (درنات) على الاوراق والعناقيد أو البراعم، ونتيجة لتغذية اليرقات تتكون أنفاق بين قشرتي الورقة، ونتيجة وجود اليرقة داخل النسيج تتهيج الخلايا وتشكل الأورام، وتؤدي الإصابة الى تشوه شكل الاوراق، وعن الحلول لهذه الآفة يرى الخبير الزراعي سعد داغر أنه يتمثل بجملة من الخطوات:
* إعداد نشرة توعية تتضمن الإجراءات السليمة في الإدارة الشاملة لحقول الزيتون.
*وضع برنامج توعية للمزارعين، من خلال تنظيم ورش عمل معهم في مواقع انتشار الآفة.
*عقد ورش عمل للمرشدين الزراعيين في المؤسسات والوزارات، بالتوازي مع إعداد برامج توعية في الاذاعات والتلفزيونات ومختلف وسائل الإعلام، إضافة إلى تنظيم زيارات لحقول تتبنى الإدارة الشاملة لهذه الحقول.

ذبابة الزيتون تعيث فسادا في الثمار
لمحة عن انتشار الآفة
حسب مدير دائرة الزيتون في وزارة الزراعة المهندس رامز عبيد فإن آفة أوراق الزيتون تعتبر من الآفات الثانوية على هذه الشجرة، إلا أن انتشارها إزداد بشكل ملحوظ في مناطق مختلفة وبدأ هذا الأمر بضرر اقتصادي بالضفة الغربية منذ أربع سنوات تقريبا، حيث كان ملاحظاً إصابة المناطق الغربية من الضفة (خصوصا غرب سلفيت) وهذا يؤكد قدومها من مناطق الـ 48 التي يكثر استعمال المبيدات الحشرية والعشبية فيها.
ويبين عبيد أنه خلال الموسمين الماضيين لوحظ انتشار الآفة وانتقالها لإصابة البراعم والعناقيد الثمرية، ولوحظ نشاطها من شمال الضفة الى جنوبها مستهدفة المناطق الغربية زاحفة باتجاه الشرق بسرعة كبيرة.
وخلال الشهرين الماضيين وردت إلى وزارة الزراعة عشرات الشكاوى على لسان مزراعين في أنحاء الضفة من انتشار الآفة في حقولهم، علما أن بعضهم استخدم مبيدات حشرية بناء على توصيات فنية دون نتائج جيدة.
ويؤيد عبيد اللجوء إلى رش مبيدات منظمات النمو مانعة الانسلاخ (غير سامة للكائنات غير المستهدفة وصديقة للبيئة)، وذلك للتأثير بشكل كبير على أعداد الحشرة والتقليل من تعدادها، قائلا إن "وزارة الزراعة تعمل حاليا على تجميع جهود العاملين في القطاع الزراعي والتجهيز لإجراء مسح شامل لانتشار الآفة لوضع خطة وطنية لمكافحتها خلال هذا العام، لكنه شدد على ضرورة أن تكون المكافحة الكيماوية آخر الخيارات مع تشجيع استخدام المصائد والمكافحة الصديقة للبيئة.

يرقات ذبابة أوراق الزيتون في بطن الثمرة
موسم كارثي..خسائر فادحة مرتقبة
تقدر المساحة المزروعة بالزيتون في الأراضي الفلسطينية بما يقارب 938 ألف دونم، حسب إحصائيات وزارة الزراعة، والجهاز المركزي للإحصاء. ويقدر معدل إنتاج فلسطين من زيت الزيتون في السنة الجيدة بحوالي 33 ألف طن؛ وفي السنوات غير الجيدة، بحوالي سبعة آلاف طن. هذه التقديرات تراجعت في السنوات الأخيرة، إلى أن وصلت إلى 22 ألف طن من الزيت في العام 2010 (سنة جيدة الإنتاج) وخمسة آلاف طن في العام 2009 (سنة رديئة الإنتاج). وتمثل حصة قطاع الزيتون من الدخل القومي الفلسطيني 2.14%، علماً أن حصة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 3.8% فقط عام 2014 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2015).
ويصف مدير عام مجلس الزيت والزيتون فياض فياض موسم الزيتون المقبل بأنه سيكون الأسوأ على الإطلاق في تاريخ فلسطين، مرجعا ذلك إلى جملة من الأسباب منها انتشار ذبابة أوراق الزيتون، وتغير المناخ، وانقطاع الأمطار، وجفاف التربة، ومشاكل أخرى أثّرت على الموسم وانخفاض انتاجه.
وأفاد فياض، ان آفة ذبابة الزيتون انتشرت بشكل سريع هذا العام نتيجة هجرة الذبابة من أراضي 48 إلى مناطق الضفة وطالت 200 ألف دونم من أصل مليون مع ترجيحات بزيادة المساحات المصابة في الفترة المقبلة خصوصا مع وصول الآفة إلى مناطق جديدة في طولكرم وقلقيلية. مضيفا أن انتشارها بدأ في قرية الزاوية بمحافظة سلفيت ومن ثم انتشرت في جميع المناطق على طول الخط الأخضر.
وتوقع فياض أن تصل خسائر قطاع الزيتون للموسم المقبل إلى أكثر من 100 مليون دولار مطالبا بإستراتيجية وطنية للمكافحة.
الحال الكارثي الذي وصل إليه الزيتون الفلسطيني يحتّم اتخاذ إجراءات من شأنها الحد من استخدام المبيدات الكيماوية وتحديدا مبيدات الأعشاب لما لها من نتائج مأساوية على الصحة والبيئة، والوضع القائم لا بد من أن يدق ناقوس الخطر.