الزراعة وشيء من برمجة العقول... ذبابة أوراق الزيتون
|
الأسباب الرئيسية لانتشار حشرة ذبابة أوراق الزيتون هي أخطاء وممارسات بشرية، جعلتها تتحول إلى آفة خطيرة، ألحقت أضراراً وخسائر فادحة بالمزارعين الذين تعرضت حقولهم للإصابة بهذه الآفة الموسم الماضي 2018، وليس كما خَلُص البعض باستنتاجاته وقال بأن التغيرات المناخية هي السبب الرئيسي في انتشار الآفة.تعالت مؤخرا الأصوات المطالبة بحملات رش جماعي "للتخلص من الآفة".يبين هذا المقال أن الرش الكيماوي هو خيار الإفلاس وسيكون جريمة بحق الزيتون، علما أن التاريخ لم يسجل يوماً إن الإنسان استطاع القضاء على أي آفة بالرش الكيماوي، بل إنه بذلك يخلق المزيد من المشاكل لنفسه ولشجرة الزيتون.الأسئلة الجوهرية المطروحة:هل يضمن دعاة الرش الكيماوي لآفة ذبابة أوراق الزيتون، أن يتم القضاء عليها في حالة استعمال المبيدات الكيماوية؟ في حال الرش، هل هناك ضمان لعدم هروب الآفة من مكان انتشارها الآن وانتقالها إلى أماكن جديدة وبالتالي التسبب في إصابة حقول جديدة؟ وفي حال لم تثبت نجاعة هذه المبيدات في القضاء على الآفة، ماذا سيكون موقف أصحاب تلك الدعوات؟ وماذا سيكون الموقف عندما تكتسب الآفة مناعة ضد هذه المبيدات؟ هل سيطرحون أسماء جديدة لسموم جديدة أكثر فعالية؟ يحاول الكاتب في هذا المقال التحليلي الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها...
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
منذ مئات وربما آلاف السنين كانت موجودة، ولن تنتهِ من الوجود، أعمالنا وسلوكنا وأحياناً كثيرة سوء تقديرنا يحولها إلى آفة خطيرة، تُفقدنا محصولاً رئيسياً، يسهم في تمتين اقتصاد عشرات آلاف الأسر الفلسطينية، لتبدأ موجة من اللَّايقين، جعلت الفلاحين في حيرة من أمرهم. موجة لا-يقين تتسبب بها الكثير من "الإرشادات"، التي تتناول هذه الآفة، لتزداد أكثر حيرة المزارعين، بل ولتقودهم إلى تبني ممارسات خاطئة، لن تكون في مصلحة شجرة الزيتون ولا في مصلحتهم كمزارعين، ولا مصلحة سمعة زيت الزيتون الفلسطيني، الذي كان يتم التغني به، على أنه منتج طبيعي، لم تستخدم في إنتاجه السموم، من مبيدات وأسمدة كيماوية.
بدايةً، لا بد من القول أن الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الحشرة، هي أخطاء وممارسات بشرية، جعلتها تتحول إلى آفة خطيرة، ألحقت أضرار وخسائر فادحة بالمزارعين، الذين تعرضت حقولهم للإصابة بهذه الآفة الموسم الماضي 2018، وليس كما خَلُص البعض باستنتاجاته وقال بأن التغيرات المناخية هي السبب الرئيسي في انتشار الآفة، أو على الأقل لعبت دوراً مركزياً في ذلك. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن "حالة الطقس" السائدة في فترة معينة من السنة، تختلف عن مفهوم التغير المناخي.

حالة الطقس، التي سادت في العام الماضي قد تكون ساعدت في حصول الكارثة الإنتاجية، عندما أدت الظروف السائدة إلى سرعة ظهور العناقيد الزهرية قبل ظهور أغصان غضة وأوراق جديدة في بعض المناطق، فتحولت الحشرة لمهاجمة العناقيد الزهرية بدل أن تهاجم الأوراق الغضة والجديدة، مما أدى إلى خسارة المحصول بنسبة زادت عن التسعين بالمئة في الكثير من الحالات، في مناطق غرب سلفيت وقلقيلية وطولكرم بشكل أساسي (مع أن هذه الحالة ليست بجديدة، ففي سنين نجد أن النموات الزهرية تظهر قبل النموات الخضرية، وفي سنين أخرى يحدث العكس).
في تلك الفترة تعالت الأصوات، المطالبة بحملات رش جماعي "للتخلص من الآفة"، حين قلت بأن الرش الكيماوي هو خيار الإفلاس وسيكون جريمة بحق الزيتون، وقلت أن التاريخ لم يسجل يوماً أن الإنسان استطاع القضاء على أي آفة بالرش الكيماوي، بل إنه بذلك يخلق المزيد من المشاكل لنفسه ولشجرة الزيتون. كما طرحت يومها على دعاة رش السموم الكيماوية سؤالين وأعيد طرحهما اليوم، لأنهما ما زالا صالحين الآن أيضاً.
السؤال الأول: هل يضمن دعاة الرش الكيماوي لآفة ذبابة أوراق الزيتون، أن يتم القضاء عليها في حالة استعمال المبيدات الكيماوية؟
السؤال الثاني: في حال الرش، هل هناك ضمان لعدم هروب الآفة من مكان انتشارها الآن وانتقالها إلى أماكن جديدة وبالتالي التسبب في إصابة حقول جديدة؟
وفي خضم الدعوة إلى اعتماد مبيد "ثبتت نجاعته" وإرشادات أخرى لاستخدام مبيدات حشرية أخرى، فإن السؤال الثالث وأكثر، الذي لا بد من طرحه هو: في حال لم تثبت نجاعة هذه المبيدات، في القضاء على الآفة، ماذا سيكون موقف أصحاب تلك الدعوات؟ وماذا سيكون الموقف عندما تكتسب الآفة مناعة ضد هذه المبيدات؟ هل سيطرحون أسماءً جديدة لسموم جديدة؟
إن نتيجة كل ذلك ستكون مُرَكَبة فمن جهة، سيقع الفلاحون في دوامة السموم الكيماوية، التي لن يستطيعوا الخروج منها، إلا بالتوقف التام عن استخدام السموم وإتباع منهج صحيح وشمولي في التعامل مع شجرة وحقل الزيتون. ومن جهة أخرى ستبدأ معاناة المزارعين، بسبب ظهور مشاكل جديدة أكثر تعقيداً، من خلال ظهور آفات شرسة، لا يمكن التعامل معها وستكون الآثار المترتبة على كل ذلك زيادة متصاعدة في التكاليف، مما سيدفع الفلاحين إلى التوقف عن خدمة الزيتون أكثر مما هو حاصل الآن.

سرطان الزيتون
فالرش الكيماوي سيؤدي إلى الإضرار الشديد بالتوازن البيئي المحيط بشجرة الزيتون، وبفقدان هذا التوازن البيئي ستظهر آفات جديدة، لم تكن يوماً في الحسبان، كما حصل مع "ذبابة أوراق الزيتون"، التي تحولت لآفة خطيرة العام الماضي في بعض مناطق فلسطين، بسبب فقدان هذا التوازن، نتيجة رش مبيدات الأعشاب المكثف في حقول الزيتون، مما أدى إلى قتل العدو الحيوي الذي يسيطر على الآفة ويمنع انتشارها ويبقيها ضمن الحد الذي لا يشكل خطراً على المحصول.
البعض يومها قال: وما علاقة مبيدات الأعشاب بانتشار الآفة؟ هذا السؤال بحد ذاته يشكل قصوراً في فهم الآثار المترتبة على استخدام مواد غير طبيعية، في التعامل مع عناصر الطبيعة، التي تشكل الزيتونة أحدها في واقعنا الفلسطيني. ولا بأس من الخروج عن المألوف في حديثٍ عن شجرة تشكلت حالة عشق أبدي بينها وبين الأجداد، حين كانت ترتوي بمحبة الأجداد قبل أن ترتوي بعرقهم، وترتوي بعرقهم قبل أن ترتوي بمياه الأمطار. هذه الشجرة فقدت كثيراً من محبة أصحابها، وتلاقي اليوم جهلاً من الأبناء وجحوداً، وهي بذلك بدأت تضعف وبدأ المرض ينهشها ودب فيها "سرطان" لعين، بسبب تلك السموم الكيماوية، التي أضعفت مناعتها وجعلتها هشةً أمام تلك الآفات.
قد يقول البعض هذا كلام مشاعر لا علم فيه، وعندها سأقول: إقرأوا عن مشاعر النباتات، إقرأوا عن جهازها العصبي غير المعروف "للعلم التقليدي" حتى الآن، إقرأوا ما يقوله العلماء الروس والهنود والبريطانيين، إقرأوا باكستر وغيره، حول قدرة النبات على الإحساس. إن عدم قدرتنا على فهم ظواهر معينة، لا يعني بحال من الأحوال عدم وجود تلك الظاهرة، فالنباتات تشعر وتتألم، وتفكر وتحزن وتحب وتتواصل فيما بينها، وتشعر بمن يحبها وبمن يؤذيها، حسب تلك الأبحاث.
إن ما يقلق في التوصيات والإرشادات، التي يجري الترويج لها في التعامل مع "ذبابة أوراق الزيتون"، هو حجم التناقض في تلك الإرشادات أولاً، وثانياً، دفعها للمزارعين لتناول موضوع الرش الكيماوي، خَياراً أولاً للتعامل مع الآفة، وهذه نتيجة كانت معروفة، فالمزارع سيلجأ للخيار الذي يعتبره "سهلاً" بالنسبة له على أنه الخيار الوحيد.
لقد تم خلق حالة إرباك قادت إلى السلوك الخاطئ، بل والكارثي على قطاع الزيتون، نتيجة قصور الرؤية عند من يقدمون هذه الإرشادات والنصائح، على مختلف منطلقاتهم وأهدافهم، سواء كانت شركات زراعية أو مؤسسات أهلية أو جهات حكومية (وهذه تتحمل الوزر الأكبر فيما حدث وسيحدث، وما سيصل إليه الحال لاحقاً من كارثة ستحل بقطاع الزيتون)، وهذا موقف أسجله للتاريخ.

أوراق الزيتون المصابة بالذبابة
التعامل مع شجرة الزيتون
أما ما تثيره تلك التوصيات من إرباك فهو واضح مما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. وتقع على الإعلام مسؤولية كبيرة في تحري الأساليب البديلة في التعامل مع شجرة الزيتون. وفيما يلي عينة من بعض ما يجري تداوله ويظهر فيه هذا التناقض:
- بتاريخ ١٨ شباط ورد ما يلي: (عدم استخدام المبيدات الحشرية -نهائيا- فقد اكرمنا الله بمن يقاتل ويدافع عنا ونحن في بيوتنا، فلوحظ تسجيل أعداد كبيرة جدا من العدو الطبيعي لهذه الآفة، يهاجم يرقاتها ويقتلها). السؤال هنا: إذا كان هناك أعداد كبيرة جداً من العدو الطبيعي، فلماذا لاحقاً تتم التوصية باستخدام مبيد حشري عام، يقتل كل الحشرات بما فيها هذا العدو الطبيعي، الذي يهاجم ذبابة أوراق الزيتون، والمتواجد بكميات كبيرة جداً؟ وهذا ما قلناه العام الماضي بأن هناك أعداء حيوية كفيلة بالسيطرة على الآفة، لكن علينا التوقف عن استخدام المبيدات العشبية، التي قتلت هذا العدو الطبيعي، خلال القضاء على الأعشاب!!! ولكن، في توصية لاحقة من نفس المصدر بتاريخ ١٦ آذار ورد ما يلي: (المبيدات الموصى باستخدامها بمعدل 1سم/لتر ماء هي :-
"أميكسي، توتيم، كوهينور، كونفادور، جينرال، كود كود". وجميعها بنفس الكفاءة والمادة الفعالة imidacloprid)!!! فما الذي تغير بين ١٨ شباط و١٦ آذار؟ مع العلم أن المبيدات الموصى بها تقتل كل أنواح الحشرات بما فيها الحشرات المفيدة، التي تشكل أعداء طبيعية لذبابة أوراق الزيتون! إن كل المبررات التي يجري طرحها، بأن الهدف هو الحد من الضرر الاقتصادي هي مبررات ضعيفة، فرش هذه المبيدات سيخلق مشكلة كبيرة وكبيرة جداً لمزارعي الزيتون في المستقبل ليس البعيد. مع العلم، أنه في نفس التوصيات ورد ما يلي: (ان البحث الذي مازال مستمرا في مكان ما، يبين أن الغالبية العظمى (أكثر من 90%) لحشرات الجيل الأول قد خرجت، علما أن أكثر من 70% منها قد تم قتله من العدو الطبيعي)
- وبتاريخ ١٢ كانون أول ٢٠١٨ كتبت إحدى المؤسسات التنموية على صفحتها ما يلي: (وتُعدُّ المبيدات الحشرية التى استُخدمت على نطاق واسع فى كثير من الدول دون مراعاة للعلاقات المتشابكة والمعقدة بين الآفة والعدو الطبيعي، اهم ابرز المشاكل التى فرضت نفسها بسبب التطبيق المكثف وغير الرشيد للمبيدات، التي أدت الى انخفاض اعداد هذا العدو الطبيعي ، بالإضافة إلى ضعف قوة الطفيل الداخلي، وكنتيجة لموت عدد كبير من الطفيل الداخلي، ترتب على ذلك زيادة اعداد آفة ذبابة أوراق الزيتون وزيادة نشاطها من سنة إلى أخرى). لكن، بتاريخ ٢١ كانون ثاني ٢٠١٩ كتبت نفس المؤسسة على صفحتها ما يلي:
(وبحلول منتصف شهر يناير فإن حوالي 30 ٪ من اليرقات تصل إلى طور العذراء، وعليه فان علامات الإصابة ستكون في نهاية فبراير أو بداية مارس، ولن يلاحظ أي وفيات طبيعية لليرقات داخل الانفاق على الأوراق الجديدة قبل الرش. لذا لا بد من عمليات رش بالمبيدات الحشرية للقضاء على اليرقات داخل الانفاق الناتجة حديثا.
التجارب العملية أثبتت نجاعة المبيدات التالية لمكافحة اليرقات داخل الانفاق حسب الترتيب :
1- مبيدات fenthion والمبيد المستخدم هو ليباسيد (Lebaycid ) ...
2- مبيدات dimethoate والمبيد المستخدم روجر ( Rogor)
3- مبيدات Methomyl والمبيد المستخدم لانيت ( Lannate)

ذبابة أوراق الزيتون
إغراء الكيماوي
أوردت هنا فقط عينة صغيرة من التوصيات المربكة للمزارعين وتجدها في كل مرة متناقضة من نفس المصدر، هناك المزيد من العينات.
الاستنتاجات التي يمكنني أن أخلص إليها في هذا الإطار هي:
- هناك حالة غزل مع المبيدات الحشرية الكيماوية، وعقلية غير قادرة على التحرر من القوالب "العلمية"، التي وضعت فيها خلال الدراسة أو من خلال العمل
- هناك حالة ارتباك في التعامل مع هذه الآفة وغيرها من الآفات، والحل الأسلم عند البعض هو الحل الكيماوي، لأن تبرير فشل الحل مستقبلاً سيكون سهلاً بسهولة التوصية باستخدامه، وأقلها القول: المبيد "مغشوش" أو لم يكن "فعالاً" أو أن الآفة "اكتسبت مناعة" ضد المبيد، وبهذا يتحرر أصحاب هذه الحلول من المسؤولية.
- هناك قصور في فهم آليات عمل الطبيعة وما فيها من توازن خُلق مع خَلق الطبيعة. هذا القصور يقود إلى البحث عن وصفات شركات صناعة السموم الكيماوية.
- إن التوصيات المتداولة، والتي بدأ المزارعون الأخذ بها والرش بالكيماويات ستخلق مشاكل كبيرة وتؤدي لتحول العديد من الحشرات إلى آفات فتاكة (يقول أحد أصحاب التوصيات: (أنا شخصيا من قرية معينة وأدير أكثر من 1300 شجرة زيتون في أراضينا، سأقوم الأسبوع القادم (بعد المنخفض) بالرش لمكافحة مرض عين الطاووس الفطري المنتشر كوباء على اشجار الزيتون. وبما انني قد تَكلفت ثمن الرش فهذا شجعني لإضافة (خلط) مبيد حشري في تنك الرش لمكافحة ذبابة تدرن أوراق الزيتون، لأُكافح الآفتين معا))!!! مع أنه في نفس التوصية يقول: (يُحظر خلط المبيدات النحاسية مع اغلب المبيدات الحشرية وخصوصا الفسفورية منها) (والمزارعون لن ينتبهوا لموضوع المبيدات النحاسية والفسفورية وسيقومون بالخلط). مثل هذه التوصيات المُربكة والمرتبكة تشكل كارثة إذا ما تم التعامل بها.
سيسأل الناس: وما الحل؟؟؟ وهو سؤال مشروع. الحل في ترك الطبيعة تعمل، مع القليل من المساعدة لشجرة الزيتون. كيف؟
أولاً: وقف رش مبيدات الأعشاب بالكامل وعلى كل من هو حريص على القطاع الزراعي العمل على توعية الفلاحين بخطر هذه المبيدات ودورها في إضعاف شجرة الزيتون وجعلها فريسة للآفات. إن استعمال الكيماويات بكافة أنواعها - أسمدة، مبيدات أعشاب، مبيدات حشرية وفطرية تؤدي إلى إضعاف مناعة الشجر وتجعلها جذابة أكثر للآفات.
ثانياً: ترك نباتات برية في الحقل في الأماكن، التي لا تعيق عمل الفلاح ولا تؤثر على شجرة الزيتون، لأن هذه النباتات البرية تكون ملجأ طبيعياً للحشرات المفيدة، التي تعتبر أعداءً طبيعية للآفات
ثالثاً: التقليم الصحيح لشجرة الزيتون للسماح بدخول الشمس والتهوية الجيدة، مع الحفاظ على الشكل الكروي الطبيعي لشجرة الزيتون، وليس فتح وسط الشجرة بالكامل كما جرى الترويج لها
رابعاً: إضافة السباخ/الكمبوست وروث الحيوانات، على سطح التربة وترك الحشرات تقوم بدورها في إدخاله لداخل التربة (وليس حراثته)
خامساً: قص الأعشاب بواسطة جزّازة العشب اليدوية أو الآلية وترك الأعشاب المقصوصة على سطح التربة.