|
سبب زيادة الإنفاق في رمضان هو الفهم الخاطئ لروح الصيام، فرمضان شهر عبادة، وليس شهر طعام. الولائم الرمضانية سبب رفع تكلفة بند الغذاء للكثير من الأسر، والجوع عادة "يفجر شهوة الطعام" فيخاف أن لا يشبع. وغالبًا تكون النفقة أكثر على اللحوم والدجاج والحلويات، وهناك "مُسلمات" رمضانية أيضا لا يمكن الاستغناء عنها كالسلطة والشوربة والقطايف. لوسائل الإعلام دور هدام في رمضان، فهي تبث برامج طبخ غير معتادة، ومسلسلات تجعل المهمة الوحيدة للمشاهد تناول المزيد من الأطعمة والمسليات، وهذا يعني أيضًا زيادة كبيرة في حجم النفايات. قديمًا كانت الموائد مستمدة في غالبها من البيئة المحلية، ولم تحدث عمليات هدر للطعام، وكان تنويع الأغذية أكبر، ولا يعتمد على اللحوم بشكل أساسي، كما أن الحلويات كانت مستمدة من البيئة المحلية أيضا.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
يستند شهر الصيام على فلسفة روحية، قاعدتها الأساسية الإحساس بالآخرين عبر الجوع. ومع أن رمضان يتكرر مرة في العام، إلا أن الصائمين بمعظمهم لا ينجحون في درس اقتصادياته الأساسية، فتتضاعف النفقات، التي تذهب في معظمها لقائمة الطعام، ولإعداد المائدة الرمضانية.
تستطلع (آفاق) آراء عينة حول طريقة تعاملهم مع هذا الشهر، والسبل الممكنة لإدارة اقتصاد رمضاني فعّال، ينسجم مع الغاية المرجوة لهذه العبادة، ويخفف الضغط الاقتصادي على الجيوب، ويجنب البيئة المزيد من الاستنزاف. وتورد تجربة رجال ونساء عاصروا رمضان قبل النكبة، ولا زال الحنين يشتعل فيهم لطقوسه "أيام زمان".

طعام
يفسر التربوي محمد ملحم سبب زيادة الإنفاق في رمضان بـ"الفهم الخاطئ لروح الصيام، فرمضان شهر عبادة، وليس شهر طعام."
وقال: الولائم الرمضانية سبب رفع تكلفة بند الغذاء للكثير من الأسر، والجوع عادة "يفجر شهوة الطعام" فيخاف أن لا يشبع. وغالبًا تكون النفقة أكثر على اللحوم والدجاج والحلويات، وهناك مُسلمات رمضانية أيضا لا يمكن الاستغناء عنها كالسلطة والشوربة والقطايف.
وأضاف ملحم: لا يقل الارتفاع في المصاريف عن ألفي شيقل، وتحتل العزائم النصيب الأكبر، وللتجار دور كبير ومصلحتهم زيادة البيع عن طريق العروض.
وأنهى ملحم: لوسائل الإعلام دور هدام في رمضان، فهي تبث برامج طبخ غير معتادة، ومسلسلات تجعل المهمة الوحيدة للمشاهد تناول المزيد من الأطعمة والمسليات، وهذا يعني أيضًا زيادة كبيرة في حجم النفايات.
موروث
وبحسب الناشط البيئي أيمن عبد ربه، فإن أسباب زيادة الاستهلاك في رمضان، الإقبال الكبير على الأطعمة، والموروث الاجتماعي والثقافي الخاص بوجود بعض الأطباق على المائدة.
وأضاف: "هناك طقوس ما قبل المائدة، كالعصائر والتمر وأنواع الأطعمة، والحلويات، والولائم، وهذا كله يزيد من استهلاك الأدوات البلاستيكية ورفع حجم النفايات."
ويعمل عبد ربه في سلطة جودة البيئة على إنتاج أزهار ملونة من بقايا أكياس بلاستيكية، وعبوات وأغطية فارغة، وأسلاك معدنية، في رسالة لتدريب الأطفال على الاهتمام بالتدوير، وتقليل استعمال المواد البلاستيكية التي لا تقبل التحلل.
وقال، وهو مبدع لألعاب بيئية وتعليمية عديدة من المخلفات، إنه أدخل تدوير الخامات البلاستيكية منذ عام، نفذ خلاله 120 ورشة في مدارس محافظتي نابلس ورام الله والبيرة، في رسالة تدعو لتقليل استخدام المواد البلاستيكية، والحرص على نظافة البيئة، والبحث عن بدائل من خامات صديقة للبيئة في الاستخدام اليومي.
وأضاف: "البلاستيك مشكلة كبيرة تزداد في رمضان، فهو يلوث البيئة، ولا يتحلل، ويترك تداعيات صحية حال حرقه، كما يفرط المواطنون في استعماله، وبخاصة في المواد التي تستخدم مرة واحدة، ويذهب أخيرًا إلى حاويات القمامة."

مقارنة
وقال المربي المتقاعد عوني ظاهر، إن قيمة الارتفاع في إنفاق رمضان كبيرة، إذ تزداد فاتورته العائلية أكثر من الضعف، تذهب كلها إلى الطعام.
وقارن عارف، المهتم بالتراث، بين رمضان الحالي والسابق، وقال: قديمًا كانت الموائد مستمدة في غالبها من البيئة المحلية، ولم تحدث عمليات هدر للطعام، وكان تنويع الأغذية أكبر، ولا يعتمد على اللحوم بشكل أساسي، كما أن الحلويات كانت مستمدة من البيئة المحلية.
وقال الجامعي نظير وائل: يزيد الاستهلاك للمواد التموينية الأساسية، واللحوم، والألبان، والخضار. والعصائر، والحلوى، التي تؤكل بشكل يومي مقارنة بالأيام الأخرى.
وأضاف: يتنافى الإنفاق المبالغ فيه مع المطلب الشرعي من شهر رمضان، الذي يرشد استهلاك الطعام للإحساس بالفقراء.
وقال ظاهر: أبتعد عامة الناس عن الهدف الأساسي لرمضان، وأصبح موسمًا للمأكولات والعزائم والولائم، حيث يتضاعف الإنفاق إلى الضعفين أو الثلاثة أضعاف، وهو أمر ينبغي أن لا يستمر ويجب أن يصحح من خلال الإذاعات والبرامج والنشرات والمساجد.
ورأى عميد كلية التربية السابق في جامعة بيرزيت د. حسن عبد الكريم بأن النسبة الأكبر من الارتفاع في استهلاك رمضان تذهب إلى الحلويات، والدجاج، واللحوم، فيما يقلّ استهلاك الخضار والفواكه.
وقال: "هدايا العيد والملابس هي الأخرى لها حصة الأسد، إضافة لبندي اللحوم والحلويات بعد نهاية الصوم".
تحليل
وتابع عبد الكريم: السبب في ارتفاع النفقات ضعف الإيمان، ولو كنا نطبق روح وفلسفة رمضان لكان الوضع مختلفاً، أما من ناحية نفسية فإن الشهوة الإنسانية مفرطة أثناء الجوع، ولدينا اعتقاد أنه يجب أن نشتري كل ما نشتهي، وهنالك سبب آخر أن الحلويات لها موسم خاص كالقطايف مثلا.
وزاد: يمكن ضبط النفقات من خلال التكافل والتضامن مع الفقراء، وتحديد الأولويات، والتعمق في الإيمان الروحي والفلسفي بمعاني الصوم، ونشر ثقافة واعية حول مضار الإسراف من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز الإفطارات الجماعية المنظمة بنفقات أقل كلفة، ودون أن تذهب الكثير من الأطعمة إلى مكبات النفايات.
وقالت المعلمة إنعام بشارات: خلال رمضان هناك مأكولات يزيد استهلاكنا لها، لكن في المقابل يقل الاستهلاك في أخرى، وبالتالي لو أخذنا المجمل يكون مصروفنا في رمضان على الطعام كما هو في باقي الأشهر بل وأقل، ولكن هذا الولائم تضاعف المصروف بشكل كبير.

ذكريات
واستذكر الثمانيني أحمد سليمان صبح تفاصيل شهر الصوم في قريته الريحانية بقضاء حيفا، التي دمرتها العصابات الصهيونية عام 1948، وقال: كان أهالي بلدتنا يتناولون ما ينتجونه من أرضهم وماشيتهم ودواجنهن، فقد كانوا يعتمدون على أرضهم بكل شيء، وحرصوا على تناول الطعام وقت الإفطار بشكل جماعي، وكانوا يلتقون في (الحوطة)، وفيها يجلس الرجال والنساء على انفراد، ومن كان يذبح الماشية يوزع معظمها على الجيران والأقارب.
وقال: اشتهرت الريحانية بأطباق( المفتول والبرغل)، وكنا نذهب إلى عيون الريحانية؛ طلبًا للماء البارد أيام الصيف. كما شاعت في القرية أكلة ( بنات العيد)، وفيها تلف الفتيات الصغيرات على البيوت لجمع البرغل والسمن، ويخترن ثلاث نساء ليطبخن الطعام ويوزعنه يوم العيد على البلدة كلها.
وروى أحمد دغمان المولود في الكفرين المجاورة لحيفا عام 1936: أتذكر أمي وقريباتي ونساء بلدنا حين كن يصنعن على (الجاروشة المنزلية) البرغل خلال نهار رمضان، ويجهزن الشعيرية من الطحين في البيوت. وكان الرجال والنساء يجمعون الخضروات من أراضي سهل الروحة قبل الإفطار، ثم يجتمعون قبيل الغروب في مجموعات لتناول الطعام مع بعضهم.
تكافل
ووفق روضة جوابرة ابنة بعلين قضاء غزة، فقد كان الأهالي يجتمعون في مجالس تسمى "حوزات"، ويحضرون الحمام والدجاج البلدي المحشي للإفطار، ويتسحرون على المهلبية (النشا المستخرج من القمح يدويًا والمخلوط بالحليب).
واستردت وطفة سوالمة، ما جمعته من أمها عن مدينتها يافا: كان الأهالي يذهبون إلى البحر في شهر الصوم هرباً من الحر، وبعضهم حرص على تناول فطوره قبالة البحر أو على الشاطئ. أما جدي محمود الأفندي فكان يجلس في ديوانه، ويجتمع عنده الأقارب والأصحاب لتناول السحور والإفطار والسمر. واشتهرت الحاجة زينب المصرية ببيع العوامة، وانتشر بيع دبس الرمان، والطحينية والسمنة والسكر بالأوقية.
واستعرض الثمانيني محمد العرجا أجواء رمضان ببلدته الفالوجة قضاء غزة، فقد تمسك مواطنوها بتقليد رمضاني يومي أسموه (الخروج)، وفيه يحمل كل واحد منهم طبقاً من الطعام، ويجتمعون في مجالس الأحياء والحارات ويأكلون معاً. وكانت البلدية تشعل الشوارع بفوانيس الكاز من بعد العصر حتى ينفذ وقودها بعد السحور.
وتابع: كان لكل حارة في بلدنا مسحراتي، وكنا نستمع إلى خليل الراعي وهو يقرع الطبل ويوقظ الناس من نومهم، ولا تغادر ذاكرتنا الأكلة الشعبية في رمضان (المفتول)، والمنسف الذي كان يُصنع بلا أرز، أما الحلويات الرمضانية فأشهرها المطبّق، وكان التجار القادمون من غزة يحضرون لأسواقنا (النمّورة)، الحلوى الشهيرة عندهم.
aabdkh@yahoo.com