الذهب الأبيض نعمة لصاحبه.. نقمة للمواطن
|
جزء كبير من مساحة الأراضي بين بلدتي سعير والشيوخ الصالحة للبناء أو الزراعة أخذت تنحسر شيئا فشيئا، خاصة بعد أن قضمت المستوطنات الاحتلالية والطرق الالتفافية جانباً كبيرا منها، وحظرت على مواطني البلدتين البناء فوق آلاف من دونماتها بحجة وجودها في المناطق المصنفة (ج) التي تخضع لسيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية مطلقة بحسب تقسيمات اتفاق أوسلو. لكن هذا ليس كل شيء، فقد أضحت الكسارات والمحاجر الشعرة التي قسمت ظهر البعير. وزادت مقالع الحجر من خوف وقلق وترقب 70 عائلة تسكن المنطقة، وبات الخروج منها والعودة إليها أشبه بمغامرة؛ فمن ينجو من الموت، تلاحقه أكوام الغبار والأتربة المنبعثة ليل نهار من مقالع الحجر. ولا تتعدى نسبة المحاجر المرخصة منها الـ15%. تغيرت حياة الناس هناك وتبدلت بفعل غياب الأنظمة والقوانين التي يمكن أن تردع المخالفين من أصحاب مقالع الحجر، واضطر الكثيرون إلى ترك العمل في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية، بسبب الأضرار الناتجة عن مقالع الحجر، ولم يبقَ بابٌ إلا وطرقه الأهالي وهم يبحثون عن مكان آمن لهم ولأطفالهم وأعمالهم، وسط بيئة آمنة مليئة بالخيرات. وينظم أهالي المناطق المحاذية لمقالع الحجر احتجاجات دورية وإغلاقٍ للطرق المؤدية إليها. مجلة آفاق البيئة والتنمية حاولت الحديث إلى العديد من أصحاب مقالع الحجر، لكنهم رفضوا التعقيب على الموضوع، والإدلاء بأية تصريحات.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| الآثار التخريبية لمقالع الحجر في منطقة الخليل |
يقبض المار على قلبه بمجرد مروره في طريق يزيد ارتفاعها عن ثلاثين متراً ويمتد طولها لمسافة كم، لأنه سيلمح على جانبيها بقايا مقالع حجارة وأخرى يجري العمل عليها، ويزداد حرصه في ضبط مقود مركبته، خوفا من تزحلقها وانزلاقها في المحجر، هذه الطريق تؤدي في نهاية المطاف إلى تجمع سكان واد الريم شرق بلدة سعير في محافظة الخليل.
جزء كبير من مساحة الأراضي بين بلدتي سعير والشيوخ الصالحة للبناء أو الزراعة أخذت تنحسر شيئا فشيئا، خاصة بعد أن قضمت المستوطنات الاحتلالية والطرق الالتفافية جانباً كبيرا منها، وحظرت على مواطني البلدتين البناء فوق آلاف من دونماتها بحجة وجودها في المناطق المصنفة (ج) التي تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية بحسب تقسيمات اتفاق أوسلو، لكن هذا ليس كل شيء، فقد أضحت الكسارات والمحاجر الشعرة التي قسمت ظهر البعير.
زادت مقالع الحجر من خوف وقلق وترقب 70 عائلة تسكن التجمع، وبات الخروج منها، والعودة إليها أشبه بمغامرة قلما كانت نتائجها ايجابية علينا، فمن ينجو من الموت، تلاحقه أكوام الغبار والأتربة المنبعثة ليل نهار من مقالع الحجر، وفق ما يرويه عرفات زايد (37) عاماً لـ آفاق البيئة والتنمية.

مقالع الحجر تجتاح المناطق السكنية شرق الخليل
يقول زايد: "تغيرت حياتنا وتبدلت بفعل غياب الأنظمة والقوانين التي يمكن أن تردع المخالفين من أصحاب مقالع الحجر، واضطررنا إلى ترك العمل في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية، بسبب الأضرار الناتجة عن مقالع الحجر، ولم يبقَ بابٌ إلا وطرقناه ونحن نبحث عن مكان آمن لنا ولأطفالنا وأعمالنا، وسط بيئة آمنة مليئة بالخيرات".
بالرغم من وعودات الجهات المسؤولة بتحسين أوضاعهم، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث، فمنذ أكثر من عقدين ونصف وأهالي الوادي والمناطق المحاذية له يعيشون رهينة معاناة حقيقية، مع تزايد أعداد المحاجر، ما أدى إلى اختفاء معالم المكان، وزاد من وعورة الطرق، وفق تأكيدات العديد من سكانها.
تشير المواطنة فاطمة ياسين (42 عاماً) إلى تعرض أطفالها لالتهابات في المجاري التنفسية والعيون، جراء الغبار المتطاير من مقالع الحجارة التي تلاصق منزلها في منطقة العديسة، فيما يؤكد أخصائي جراحة العيون أكرم مناصرة معاينته لمئات الحالات المصابة بالتلوث الناتج عن غبار مقالع الحجارة في مناطق شمال الخليل.

مقالع الحجر تدمر البنية البيئية شرق الخليل
النداء لإنقاذ البيئة وما عليها
وناشد زايد رئاسة الوزراء وكافة المؤسسات العاملة في مجالي الصحة والبيئة لإيجاد الحلول العلمية، لمعالجة الغبار والأتربة المتصاعدة، والنفايات الصلبة، والربو المستخرج الناتج عن عمل المحاجر، وتحسين الطرق التي تسلكها الشاحنات، وردم المحاجر التي انتهى العمل فيها.
وينصُّ قانون البيئة الفلسطيني رقم 7 لسنة 1999، على أن يبعد مقلع الحجر مسافة لا تقل عن 200 متر عن أي شارع رئيسي أو فرعي، و 20 متراً عن الطرق الزراعية، وعن منبع المياه 500 متراً، فيما يلاحظ أن نسبة كبيرة منها لا تمتثل لنصوص القانون، وقواعد التنمية المستدامة.

مقالع الحجر تشوه الطوبوغرافيا الطبيعية شرق الخليل
تراجع القدرة الإنتاجية للأفراد
وأدى خطر انتشار مقالع الحجر بشكل عشوائي إلى تلويث المياه الجوفية، والإضرار بخصوبة التربة وعناصرها الغنية بالمواد العضوية في تلك المناطق، وهو ما دفع المزارعين إلى ترك أراضيهم، وتراجع أعداد الثروة الحيوانية، وفق دراسة أجراها الباحث جهاد مصطفى على المخاطر المحتملة من التوزيع العشوائي للمحاجر في العام(2014).
وتوصل الباحث مصطفى إلى أن الضجيج يؤثر على العاملين والسكان القريبين من مقالع الحجر من الناحية الفسيولوجية والنفسية، كما تترك أثرا في سلوكهم الاجتماعي، وهو ما يؤدي إلى تراجع القدرة الإنتاجية للأفراد، كما ساهمت المحاجر في هجرة أنواع مختلفة من الطيور والحيوانات البرية من المناطق التي تقام عليها تلك المحاجر.

مقالع الحجر تعيث فسادا وخرابا بيئيا شرق الخليل
أرقام وإحصائيات
يسهم قطاع صناعة الحجر والرخام في فلسطين بحسب بيانات اتحاد صناعة الحجر والرخام، بما نسبته 4.5% من إجمالي الناتج القومي، و25% من إجمالي عائدات القطاع الصناعي، وتعتبر الخليل مخزونا استراتيجيا للمادة الخام في هذه الصناعة، وتتركز في مناطق: سعير، الشيوخ، بني نعيم، يطا، والسموع وتفوح.
ويقدر عدد المحاجر العاملة في الخليل بـ 130 محجرا، تشغل حوالي 27 ألف عامل، و 250 مصنعاً (منشاراً) للحجر والرخام، تشغل حوالي 12 ألف عامل، بالإضافة لوجود المخارط الصغيرة المنتشرة في كافة أرجاء المحافظة، والتي تتسبب بمضاعفة تلويث الهواء وإلحاق أضرار صحية بالمواطنين، وفق أرقام اتحاد الحجر والرخام، ولا تتعدى نسبة المحاجر المرخصة منها الـ15%، بحسب سلطة جودة البيئة.

مقالع الحجر تهدد تماسك وثبات البنية التحتية شرق الخليل
محاولات سلطة جودة البيئة
وبحسب سلطة البيئة وعلى لسان مدير مكتبها في الخليل بهجت جبارين، فإن من شروط ترخيص مقلاع الحجر أن يتم تقييم الأثر البيئي له، وتقديم خطة توضح مصيره عقب الانتهاء من العمل فيه، ففي بلدة بني نعيم تم إعادة تأهيل محجر واحد لأغراض زراعية، وإغلاق مقلعين للحجارة وسط المناطق المأهولة بالمواطنين.
وأشار جبارين إلى تشكيل لجنة مشتركة من وزارات عدة منها البيئة، والصحة، والحكم المحلي، والاقتصاد الوطني، بالتعاون مع النيابة العامة، لبحث تداعيات تعديات أصحاب مقالع الحجر على الحق البيئي، والتسبب بخلق أزمات صحية على المواطنين، وهو ما دفع إلى تحويل 8 مقالع للحجر في سعير إلى النيابة العامة للبت في تعدياتهم.
وطالب جبارين بتكاتف جهود أصحاب مقالع الحجر مع المجتمع المحلي، من أجل إنجاح المساعي الرامية إلى إعادة ردم المقالع التي انتهى العمل فيها، وخلق ثقافة بيئية لدى المواطن تقتضي ضرورة تبليغ جهات الاختصاص بمقالع الحجر الحديثة التي لا تلتزم بالمعايير البيئية التي أقرتها سلطة جودة البيئة الفلسطينية.
وتهدف عملية التقييم البيئي لتحقيق تنمية مستدامة إلى تحسين جودة البيئة، والمحافظة على نوعيتها من خلال توفير وسائل فعالة، تعمل على دمج العوامل البيئية، عبر تطبيق إجراءات تضمن تنمية اقتصادية واجتماعية، من خلال تسهيل استشارة الجهات التي ينبغي لها المشاركة في عملية التقييم البيئي، وتمكين الجمهور من الوصول للمعلومات البيئية.

مقالع الحجر شرق الخليل تزحف نحو الأراضي الزراعية والأحياء السكنية دون رحمة
غياب التخطيط
وتغيب مشاريع تأهيل واستصلاح ما أفسدته مقالع الحجارة عن مخططات وزارة الحكم المحلي، وهو ما يؤكده وكيل الوزارة محمد جبارين، الأمر الذي يوسع من دائرة توسيع الإهمال وتردي الأوضاع البيئية وما ينجم عنها من انعكاسات صحية ونفسية على حياة المواطنين، ويفاقم من تردي أوضاعهم الاقتصادية بسبب انحسار الأراضي الصالحة للزراعة.
أثار هذا الموضوع حفيظة رئيس بلدية سعير فهمي شلالدة، ولدى سؤالنا له عن مخططات مجلسه البلدي حول مقالع الحجر التي انتهى العمل فيها، أجاب أنه: "على الرغم من أهمية استصلاح وردم مقالع الحجر، إلا أننا لم نفكر في ذلك، ولكن من المهم أخد هذا الموضوع على محمل الجد والمسؤولية"."
ولا يخفي شلالدة حالة الخوف وشد الأعصاب الذي يرافقه أثناء زيارته للمناطق تلك، كونه يمر من فوق طرق معلّقة، ترتفع عن مستوى الطريق الرئيسي مسافة لا تقل عن 40 متراً في بعض الأحيان، مؤكداً: "سنقوم بعقد اجتماع مع أصحاب مقالع الحجر لبحث وسائل ردمها واستصلاحها".
وتشكل مقالع الحجر التي انتهى العمل فيها خطراً بيئياً على الإنسان والحيوان والنبات، بالإضافة إلى تشويهها الشكل الطبيعي للأرض، وهو ما يستدعي الإسراع في إيجاد الحلول السريعة لهذه المشكلة، عبر إجراء الدراسات العلمية من أجل استغلال واستثمار هذا المورد بشكل سليم ومستدام.

مقالع الحجر شرق الخليل ملاصقة للمساكن
من للمواطن؟
يقوم أهالي المناطق المحاذية لمقالع الحجر بشكل دوري بتنظيم احتجاجات وإغلاقٍ للطرق المؤدية إليها، وتحت تأثير وعودات أصحاب المقالع والجهات المسؤولة، يشرع المواطنون في فتح الطرق من جديد، لتواصل الأيدي البشرية من انتهاكاتها بحق البيئة وحق المواطن في العيش فيها بأمن وسلام.
يقول الناشط الشبابي بهاء الفروخ من بلدة سعير: قمنا بتنظيم عشراتٍ من حملات الضغط والمناصرة، وجمعنا العرائض ورفعنا الاحتجاجات بالتعاون مع أهالي المنطقة للمجلس البلدي بهدف الحث على اتخاذ إجراءات تكفل وقف كل أشكال التعديات على البيئة، ولكن لا حول ولا قوة لنا أمام زحف رأس المال على بيئتنا وحياتنا.
يشير الفروخ إلى أنه في حال تم تنظيم عمل المقالع، وردم المنتهي منها، وبناء طرق آمنة، سيؤدي إلى إعادة إحياء آلاف الدونمات من أراضي بلدتي سعير والشيوخ، الممتدة حتى مدينة أريحا، مطالباً بإنشاء مشاريع اقتصادية في منطقة برية سعير، لإرغام أصحاب المقالع على التقيّد بالقانون الذي يجبرهم على وقف تغولهم بحق البيئة.
حاولت آفاق البيئة والتنمية الحديث إلى العديد من أصحاب مقالع الحجر، لكنهم رفضوا التعقيب على الموضوع، والإدلاء بأية تصريحات... تكررت المحاولة مرات عديدة دون جدوى!