حين يتغير الزمان ويبقى المكان... مبادرة لشاب فلسطيني توثّق نوستالجيا فلسطين ما قبل النكبة
|
لقب "حارس الذاكرة" أُطلق على طارق البكري بعد أن نجح في جمع عشرات القصص من اللاجئين الفلسطينيين حول العالم الذين يتواصل معهم في شتاتهم ويوثق منازلهم ويصحبهم إليها أحياناً؛ كل هذه الأفكار بلورها في مشروع "كنا وما زلنا" التوثيقي الذي بادر إلى تنفيذه قبل ست سنوات راصداً عبر عدسته ما آلت إليه البيوت الجميلة والمباني التاريخية التي شيدّت قبل النكبة عام 1948 ، بفضله نعيش حكاياتٍ مليئة بــ عزّ الماضي؛ وألم الحاضر؛ فقد جابت مبادرته الآفاق حين تم استضافته في أكثر من عشرين دولة عربية وأوربية لإلقاء المحاضرات وافتتاح المعارض.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| الحاجة حليمة أمام بحر قريتها قضاء الرملة في فلسطين المحتلة عام 1948 |
ذات مساء مرّ طارق البكري ببيتٍ في قرية عين كارم التي احتلت وهُجِّرَ أهلها عام 1948؛ منقوش على أعلى بابه آية :"لله ملك السماوات والأرض"؛ طرق الباب ثم ألقى التحية على صاحبة الدار وسألها عما تعرفه عن هذا البيت؛ فقالت: "بكل بساطة كان لعائلة عربية وخرجوا في الحرب فسكناه"؛ لم يشأ أن يدخل مع السيدة اليهودية في سجال؛ ليخبرها أن الفلسطينيين هجرّوا بعد ارتكاب مجازر في حقهم و تطهيرهم عرقياً؛ ترك المرأة تتابع الحديث: "جاءت أمي وجدتي من بولونيا وكانتا فقيرتين لا تملكان شيئاً؛ أما أصحاب هذا البيت كانوا أغنياء إلى درجة أنهم امتلكوا راديو قبل عام 48؛ وكانت المفاجأة الصادمة حين قالت: "غيرّنا شيئاً واحداً في البيت؛ فقط براويز الصور الخاصة بالعائلة الفلسطينية استبدلناها بصورنا".

طارق البكري حارس الذاكرة الفلسطينية
هي واحدة من الحكايات التي تعثرّ بها من يليق به لقب "حارس الذاكرة" الذي أُطلق عليه بعد أن نجح في جمع عشرات القصص من اللاجئين الفلسطينيين حول العالم الذين يتواصل معهم في شتاتهم ويوثق منازلهم ويصحبهم إليها أحياناً؛ كل هذه الأفكار بلورها في مشروع "كنا وما زلنا" التوثيقي الذي بادر إلى تنفيذه قبل ست سنوات راصداً عبر عدسته ما آلت إليه البيوت الجميلة والمباني التاريخية التي شيدّت قبل النكبة عام 1948 ، بفضله نعيش حكاياتٍ مليئة بــ عزّ الماضي؛ وألم الحاضر؛ فقد جابت مبادرته الآفاق حين تم استضافته في أكثر من عشرين دولة عربية وأوربية لإلقاء المحاضرات وافتتاح المعارض.
مراسلة مجلة "آفاق البيئة والتنمية" أجرت حواراً شيقاً مع الشاب المقدسي طارق البكري الذي يبلغ من العمر 31 ربيعاً؛ رأينا فيه كل التفاصيل بــ "الأبيض والأسود" وشممنا الياسمين المُدّلى على النوافذ المقوّسة؛ تجولنا معه في القرى المهجرة ودُهشنا أمام عمارة المدن في ذلك الوقت، والتقينا بأناس ما عادوا على قيد الحياة ظهروا في صورٍ أرسلها ذويهم إلى طارق؛ وصورٍ تظهر فيها منازل وعقارات في ذلك الزمن الجميل؛ ليعيد تصويرها من الزاوية نفسها.
 |
 |
| الحاجة حليمة تقف لأول مرة أمام بحر قريتها التي احتلها الصهاينة عام 1948 |
سارة أبو عجيمة تحمل هدية الزعتر من قريتها التي احتلت عام 1948 |
فندق وكأنه "قصر الحمراء"
يبدأ طارق حديثه بروحٍ فيها الكثير من الشغف والانتماء: "حين كنت صغيراً لم يحدث وأن ذهبت إلى القرى الفلسطينية المهجرة؛ إذ لم يكن لدينا معرفة كافية مع الأسف بسبب أن مناهجنا في ذلك الوقت لم تكن تتطرق إلى فلسطين؛ ولكن عائلتي كانت مهتمة بغرس حب الوطن فينا والانتماء لقضيتنا؛ علاوةً على أن جدي كان مقاتلاً في جيش الجهاد المقدس وترك أثراً بالغاً في ولعي بالتوثيق والبحث الذي صار عنوان حياتي لاحقاً؛ كما أني أخذت عن عمي الراحل علاء الدين الكثير من الشغف بالتوثيق؛ عبر مجالسته طويلاً نتجاذب أطراف التاريخ حتى آخر أيامه".
درس "ضيفنا" الهندسة في الأردن؛ وبعد تخرجه قرر تغيير مساره كلياً؛ يقول: "كان قراراً جريئاً أن أترك العمل في تخصصي؛ وأذهب نحو شغفي؛ صحيح أني غير متفرغ للمبادرة لكنها تأخذ كل وقتي وأسافر لأجلها؛ لم أكن أتوقع النجاح حتى أني لم أخطط لأن تصل الفكرة إلى هذا الحد؛ لم يراودني أي هدفٍ يتعلق بــ "بزنس" أو ما شابه؛ كان أقصى طموحي أن أؤثر في دائرة محيطي؛ ولو أني ساعدتُ لاجئاً واحداً لكفاني؛ لكن تجاوز الأمر توقعاتي وكان من الجميل أن تصبح الكاميرا وسيلتي لإيصال رسالتي؛ ولو كان لدي وسيلة أخرى لاستخدمتها".
وأضاف أن تجربة "كنا وما زلنا" قادته إلى آفاقٍ كبيرة حين أثرّت في آلاف الأشخاص بعد انطلاقها إلى الحد الذي دفع بعضهم إلى المجيء من آخر الدنيا مثل الشاب أحمد الخالدي، الذي جاء من استراليا حاملاً وثائقه وصورة، باحثاً عن منزل وبيارة جدّه في حي تل الريش في مدينة يافا؛ ذلك أن مسافة 13 ألف كيلومتر لم تحل بينه وبين حقّه في وطنه؛ وما لاحظه البكري أن هناك الكثيرين في دول أوروبية مثله يربطون حلم حياتهم بالمجيء إلى فلسطين؛ والمدهش أن هذه الأجيال الشابة المغتربة تفوق معرفتها المعلومات السطحية.
يضيع المرء بينما يقلّب صوراً يتجول فيها بين الأزمنة والأمكنة؛ تارة تخونه الدمعة وتارة يجرفه الحنين؛ وتارة يترحمّ على ذلك الجيل الذي كان قادراً على بناء صروحٍ ما كانت في الخيال؛ ومن بينها يستشهد طارق بفندق البالاس في القدس؛ يتحدث عنه بالقول: "هو أفخم فندق فلسطيني بناه المفتي الحاج أمين الحسيني عام 1929، وبعد نحو 11 شهراً فقط شُيّد المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين بالقرب من مقبرة مأمن الله غرب مدينة القدس على الطراز المعماري الأندلسي؛ حتى أن بعضاً من الناس شبّه الفندق بقصر الحمراء في غرناطة؛ وأشرف عليه المهندس التركي النحاس بك؛ وضمّ 200 غرفة، 45 منها تشبه الأجنحة مع حمامات، وخصّصت فيه ثلاثة مصاعد لاستخدام النزلاء، وتمتّعوا بتدفئة الفندق المركزية في أيام الشتاء، وبمطعم فخم، وكلّ هذه المزايا اعتبرت في حينها نوعاً من الرفاهية الفائقة التي ميّزت هذا الفندق العريق؛ واستعمل الفندق كمقر لوزارة التجارة والصناعة الاسرائيلية حتى عام 2003 ، أما الآن فقد تم تجديد الفندق من قبل شركة الفنادق العالمية: وما زال منقوشاً في مدخله بحروف بارزة: "مثلما بنى آباؤنا وفعلوا نبني ونفعل".
 |
 |
| بناية عائلة طنوس في القدس المحتلة عام 1942 (يمين) بقيت على حالها حتى يومنا هذا (يسار) |
فتيات يحملن جرار الماء من عين عذراء مريم المجاورة لمسجد عمر بن الخطاب في قرية عين كارم قبل احتلالها الإسرائيلي عام 1948 (يسار) وذات الحي كما يبدو اليوم(يمين) |
جولدا مائير سكنت هنا
يُوصف الشاب المليء بالحياة من مقربيه بـ "متلازمة الأرشيف" وذلك من فرط حبه للبحث؛ يعلّق ضاحكاً: "بمرور الوقت والخبرة أصبح لديَّ نظرة فاحصة تكفي لأن أعرف من شكل المباني متى بُنيت هل في نهاية الدولة العثمانية أم بداية الانتداب؛ هل في العشرينات أم الثلاثينيات أم الأربعينيات وفقا لطرازها المعماري من حيث النوافذ والشرفات ونوع الحجر المستخدم؛ وبشكلٍ عام مباني فلسطين في تلك الحقبة اتسمت بالرقي والجمال والبذخ؛ علماً أن المباني في القرى تختلف عن المدن؛ وإن كانت هناك مبانٍ شُيّدت بعناية في القرى".
ويرى أن اختلاف المباني عكسَ التكوين الطبقي للمجتمع؛ مشيراً: "هناك أغنياء تفننوا في بناء بيوتهم حتى أضحت كالقصور؛ تجعلك تندهش أنها تعود لذلك العصر؛ استعانوا غالباً بمهندسين لبنانيين وضعوا لمساتهم السحرية؛ حتى أن ديانة أهل البيت تتضح من خلال نقش صليب أو آية على الواجهة".
ويكمن جمال الفكرة؛ حسب توضيحه : "لدينا العديد من المراجع المهمة لمؤرخين فلسطينيين وثقّوا مختلف النواحي؛ لكن فكرتي فيها أسلوب جديد يرتكز على محتوى بصري قد يشدُّ المتلقي أكثر؛ إن أخذنا في الاعتبار أن الناس مع الأسف لا يميلون كثيراً لقراءة كتاب او بحث؛ لذا أحاول أن أركز على أهم المعلومات بما يضمن أن ترَسخ في ذهن المُشِاهد؛ قد يأتي اللاجئ إلى فلسطين ونذهب معاً للبحث عن البيت ونصوره من نفس الزاوية؛ وقد يكون هناك لاجئ من سوريا أو لبنان لا يستطيع المجيء وهنا يأتي دوري في ربطه بأرضه؛ حين اتفق مع عائلة فلسطينية كأن تكون من طبريا أو قضاء عكا؛ أذهب للقرية وأسير فيها واستخدم "فيديو سكايب"؛ وأتيح الفرصة لكبير العائلة الذي يقطن في بلادٍ بعيدة ويكون قد جمع أولاده واحفاده؛ حينها يشير علي بالمضي قدماً كي يدلني على الطريق؛ بأن أسير مثلاً يمينا أو يساراً أو أبحث عن شجرة أو دليل معين إلى أن يصل لمكان سُكناه؛ وعندما يرى الأحفاد المكان يصبح للأمر وقعٌ لا يُوصف؛ وأحياناً لا يكون لدى اللاجئ صورة قديمة ورغم ذلك آخذه إلى قريته أو مدينته؛ وعلى أي حال أنا أذهب كل أسبوع لمنطقةٍ معينة في فلسطين المحتلة لا يستطيع أهلها زيارتها كي أصورها لهم".
ويتطرق إلى ما تتطلبه مسألة البحث منه قائلاً: "هي مهمة ليست سهلة على الإطلاق؛ ذلك أنه ليس كل بيت بوسعي أن أجده؛ البحث يستغرق مني وقتاً طويلاً وجهداً جباراً؛ أحياناً أشعر بخيبة أمل حين يتواصل معي لاجئ ويدلني على مكان البيت، ثم أتمكن من تحديد المنطقة؛ وبعد بحثٍ مضنٍ يتبين أنه ما عاد على الخارطة؛ نعم أحزنُ حين لا أعثر على العقار المطلوب لكن لا يخفتُ حماسي؛ أما بطل الحكاية يبقى متشبثاً بأرضه لا سيما إن كان مغترباً؛ ولا شك أن الشعور يكون ساحراً حين أهتف بفرحة: وجـــــــــدتــــــــــــــه".
 |
 |
| شرطي فلسطيني ينظم حركة السير في أحد شوارع القدس(قبل احتلال 1948) - (الصورة السفلى) وذات الشارع كما يبدو اليوم (الصورة العليا) |
طارق البكري يصطحب الحاجة حليمة إلى قريتها التي احتلت عام 1948 |
حتماً عزيزي القارئ سيتألم قلبك إذا ما رأيت صورةَ بيتٍ فاخر تقف قبالته عائلة من الرجال والنساء يحملون أبناءهم الرضع؛ وتتفاجأ أن "جولدا مئير" التي تعد واحدة من أهم قادة الصهيونية قد سكنت هذا البيت؛ يعلّق طارق بسخرية مُرّة: "هي التي قالت أن فلسطين كانت أرضاً فارغة عندما جاؤوا اليها، بل وأنكرت وجود شعب اسمه شعب فلسطين سكن هذه الأرض لقرون؛ هذه الأرض التي وُجدت فيها العديد من المؤسسات الثقافية والفنية العريقة وزارها كبار الفنانين العرب؛ هذا المنزل الذي سكنته جولدا مائير كان يطلق عليه (هارون الرشيد) لفخامته في "حي الطالبية" بالقدس الغربية المحتلّة وتعود مِلكيته إلى الفلسطيني حنّا بشارات الذي يظهر في الصورة مع عائلته أمام منزلهم المسلوب".
قد يخطر تساؤل مهم: "لماذا بقيت بعض البيوت كما هي؟.. أما جواب طارق لمجلة "آفاق البيئة والتنمية" هو: "في مدن مثل يافا وعكا وحيفا والقدس رأينا أن الزمان تغير أما بيوت كثيرة بقيت على حالها؛ وذلك بسبب جمال بنائها ناهيك عن موقعها المتميز في المدينة؛ وهناك بيوت تم هدمها؛ فيما هناك بيوت رائعة في عكا تركوها كما هي لكن أفرغوها، وها هم يهدمونها شيئاً فشيئاً ليبنوا مرافق أخرى؛ ولو انتقلنا إلى القرى فإن هناك قرية مثل "عين كارم" فقد أخرجوا أهلها من بيوتهم وسكنوا مكانهم؛ وفي أماكن أخرى هدموا نصف البيوت؛ وعلينا أن نضع في الاعتبار وقت التهجير؛ لأن الهجرة لم تحدث في آن واحد في كل القرى أي في منتصف أيار؛ هناك من هجّروا في شهر ابريل/ نيسان؛ وفي شهر تشرين أول/ اكتوبر؛ أو في أواخر عقد الأربعينيات من القرن الماضي؛ كما أن الأمر يعتمد على أي فصيل صهيوني تولى عملية التهجير لأن كلاً منها له أسلوبه؛ وفي كل مرة أسأل السكان الجدد عن البيوت التي يسكنونها تكون الإجابة: "نحن شعب الله المختار؛ وهذا البيت هدية الله لنا؛ هم من هربُوا"؛ أما أنا أتساءل في نفسي: "كيف يطاوعهم ضميرهم أن يناموا في بيت أو قرية أو مدينة لاجئ يعلم الله وحده أي بؤس يعيشه في المخيمات؛ وهذا كله يزيدني إصراراً أن استمر".
 |
 |
| شكري الجمل مع أسرته أمام منزله في حي الطالبية في القدس قبل عام 1948(يسار) وذات المنزل كما يبدو اليوم (يمين) |
عائلة الدقاق أمام منزلها الذي احتله الصهاينة عام 1948-كما يبدو اليوم (يمين) وذات المنزل قبل عام 1948(يسار) |
أرفض أي دعم
مما يلفت الانتباه – حسب طارق- أن التراب هو ما يأخذه اللاجىء عند زيارة بلدته؛ ويستذكر هنا السيدة سارة أبو عجمية والمقيمة في الأردن عندما اصطحبها إلى قريتها "مغلس" الواقعة على خط الرملة – الخليل – غزة، والمطهّرة عرقياً عام 1948؛ يقول عنها: "ربما أصبنا بخيبة أملٍ لعدم تمكننا من تحديد منزل العائلة بسبب الدمار الكبير الذي لحق بالقرية، لكن زعتر البلاد كان كفيلاً بإدخال السرور الى قلبها؛ ولم ترَ أفضل من هذه الهدية لتحملها معها الى عمّان لتوزيعها على أفراد العائلة".
ويبتسم وهو يتابع: "هناك من يأخذون حفنةً من تراب؛ وآخرين يأتون بالزيتون ليزرعوه في قريتهم؛ حتى إذا ما عادوا يجدونها شجرة باسقة؛ وإن لم يكن مقدراً للكبار أن يعودوا سيرعاها أولادهم حينها".
ولا يملّ أبداً من سرد المواقف العميقة ومن بينها هذه الحكاية: "اصطحبت مرةً فتاة جاءت من الأردن إلى قريتها المهجرة "السوافير"؛ كانت أول مرة تزور فيها فلسطين؛ ولاحظت أثناء الرحلة أنها تحمل شيئاً في حقيبتها؛ خجلت ان اسألها لكن حين وصلنا فإذ بها تخرج ثوبَ جدتها المطرز وترتديه؛ إنه نفس الثوب الذي كانت تلبسه الجدة إبان الهجرة؛ واتصلت على جدتها لتخبرها أنها حققت لها الأمنية".
وعن التخطيط للرحلات الاستكشافية للقرى المهجرة التي تزيد عن 500 قرية ولم يتسنَ له زيارتها جميعاً؛ يقول:"أثناء تجوالي في المناطق المحتلة دائماً أرى كل شيء بالأبيض والأسود؛ وأحياناً من شدة غرقي في التفاصيل والكتب القديمة والأرشيفات أنسى أن الاحتلال موجود؛ لم يتسنَ لي زيارة كل القرى المهجرة بطبيعة الحال؛ مثلاً زرتُ بعض القرى القريبة من قطاع غزة والرملة؛ أما قرى القدس التي تبلغ 39 قرية فقد زرت معظمها؛ وكذلك قرى صفد ويافا وحيفا وعكا؛ هذه الرحلات الاستكشافية تلقي على عاتقي مسؤولية كبيرة ذلك أني ألمّ بدايةً بتفاصيل طبيعة القرية؛ كأن يكون فيها معالم معينة مثل بئر ماء أو آثار رومانية؛ لأن هذا يساعدني في توثيق القرية بناءً على ما يتوفر من معلومات؛ وهناك الكثير من المراجع التي اعتمد عليها من أهمها بالنسبة لي كتاب "كي لا ننسى" للمؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي؛ أحب أن أعرف مثلاً معظم أهالي القرية إلى أين تم تهجيرهم؛ وهناك مرحلتين للبحث؛ قبل الذهاب وبعد الرجوع".
 |
 |
| قبر أحد شهداء الجيش الأردني عام 48 |
منزل الأديب خليل السكاكيني قبل احتلاله عام 1948 (الصورة السفلى) وكما يبدو اليوم (الصورة العليا) |
مبادرة مستقلة
لعل الغريب في حكاية هذا الشاب، أنه يرفض تلقي أي دعم مؤسساتي لمبادرته؛ ويفضل أن تبقى في إطارها الشخصي بالرغم من صعوبة الأمر؛ يوضح السبب بالقول: "أحرص على التنفيذ بشكل مستقل؛ مع أن العديد من المؤسسات طرحت فكرة الدعم؛ لكن أرى أن استقلالية المبادرة هي سر نجاحها؛ هي بالنسبة لي مبادرة إنسانية توثيقية أنقل خلالها الرواية الفلسطينية؛ أما المؤسسات على الأغلب فتجلب مواردها المالية من جهات مانحة أوروبية؛ الأخيرة التي ترى فلسطين تقتصر على الضفة وغزة وشرق القدس؛ وإن أردنا توثيق الأراضي المحتلة عام 48 فإن المجتمع الدولي لا يعترف بأنها "فلسطين" الحقيقية؛ لذا أفضل أن أبقى بمفردي؛ وأسعى قريباً لتدريب أشخاصٍ شغوفين بالفكرة حتى تتوسع أكثر ويكبر الإنجاز على الأرض؛ كما أن تواصل فلسطينيّ الشتات معي سيلعبُ دوراً في تشجيعي لأستمر بأن أبقى عينهم في فلسطين".
ويلفت النظر أن العصف الذهني مع اللاجئين يتيح له تنفيذ الأفكار بشكل مختلف؛ مؤكداً أن حلاوة مشهد "الحجة حليمة" يساوي الدنيا؛ وهي المرأة التي رافقها من مخيم الجلزون متجهاً بها إلى قريتها "بيت نبالا"- قضاء الرملة- ؛ ومن ثم إلى بحرها؛ كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها حليمة وصويحباتها البحر منذ عقود طويلة بسبب الهجرة؛ وبالكاد أقنعها بمغادرة المكان"- قالها بضحكة من القلب- .
 |
 |
| محل الأفغاني للتذكارات في منشية يافا صار الآن خرابا |
منزل لعائلة عويضة في البقعة بالقدس أقامت فيه الفنانة أسمهان وصار مؤسسة اسرائيلية |
مفاجأة من العيار الثقيل
محطة أخرى كانت في قصة نجاح الشاب المقدسي؛ وهي عثوره على شواهد قبور الشهداء الثمانية للجنود الأردنيين الذين شاركوا في حرب فلسطين أثناء النكبة؛ والذين كان اكتشافهم بمثابة فرحة كبيرة لأبنائهم وأسرهم رافضين نقل رفاتهم إلى الأردن، مقررين بنفس وحدوي جميل بقاءهم في "الأرض المباركة"؛ يتحدث عن ذلك: "في قريةٍ تم تطهيرها عرقياً تماماً وبمحض الصدفة عثرت على شواهد القبور وبعد التقصي اكتشفت انهم لجنود استشهدوا عام 48 وكانوا في عداد المفقودين؛ وكان الصليب الأحمر قد أبلغ ذوي أحدهم أنه تم دفنه في شعفاط شمال القدس؛ لكن القبر في حقيقة الأمر يقع في أحراش عمواس بين يافا والقدس؛ أي يبعد اكثر من 40 كيلو متراً من المكان الذي اعتقدوا أن مثواه فيه".
 |
 |
| منزل حنا بشارات الذي سكنته جولدا مائير- قبل احتلاله عام 1948 (الصورة العليا) وكما يبدو اليوم (الصورة السفلى) |
منزل عائلة برامكي تم تحويله لمتحف إسرائيلي (الصورة العليا قبل عام 1948 والسفلى اليوم) |
تحدثُ بعض المواقف العجيبة ومن بينها، يضيف البكري، قصة منزل عائلة الدقاق المبني سنة 1890 تقريباً في حي البقعة الفوقا بالقدس المحتلة والذي أصابه بصدمة وذهول، ويقول: "أرسل لي رجل فلسطيني يدعى ناصر الدقاق يحمل الجنسية الأمريكية صورة لبيت أبيه في القدس؛ وحين جاء مع أبنائه؛ وجدنا البيت في شارع فرعي مظلل بالشجر، عبارة عن مبنى ضخم من ثلاثة طوابق، وحديقة جميلة فيها شجر عمره أكثر من 100 سنة؛ وراح أبناؤه بعربية مكسّرة يقولون لأبيهم: "نيال سيدي اللي كان عايش بهالبيت، والله في بيوت بالقدس احلى من اميركا"؛ وبعد دقائق ظهر لنا رجلٌ يهوديٌ يحمل أغراضاً وصناديق؛ وقال بابتسامة: "لقد اشتريت جزءاً من البيت وهذه ليلتي الأولى فيه"؛ وكانت مفاجأة من العيار الثقيل حين أخبرته أنا أن ناصر هو صاحب البيت؛ وأريته الصورة القديمة وأخبرته: "شايف هالصورة؛ هون انولد واتربى والده لناصر وبنكبة فلسطين تهجروا من البيت".
 |
 |
| منزل فلسطيني في القدس المحتلة منقوش عليه لله ملك السموات والأرض |
نعمة شقديح على أنقاض قريتها المحتلة عام 1948 |
تطورت لدى البكري أداة البحث إلى درجة أنه أحياناً يبحث في معلومة صغيرة لا تتعدى السطر وتأخذه إلى أماكن أخرى؛ ويستشهد بهذا المثال: "ذات مرة رأيت صورة لبيت في حي المصرارة يدّعي الاحتلال أنه يعود لأثيوبي بناه لحبيبته قبل أكثر من 100 عام؛ صورة جرتني لصورة أخرى اعتمدت فيها على جريدة في عام 1925؛ وفي النهاية اثبتُ أنها لعائلة فلسطينية؛ ذلك أنه في عام 1925 زار آرثر بلفور فلسطين لأول مرة بعد إعطائه الوعد المشؤوم بثماني سنوات، فعمّت احتجاجات واسعة بين عرب فلسطين، وخرج الأهالي في مظاهرات وأعلنوا اضراباً شاملاً وقاموا بتعليق الأعلام السود في الشوارع والحارات وفوق المنازل كما على شرفة المنزل الفلسطيني في المصرارة التي يقف فيها المالك الحقيقي للبيت".
وهذه قصة أخرى تؤكد أن "الأصل" يكشف كل زيف؛ راوياً: "بعد أن أنهى شكري الجمل بناء منزله أواخر العشرينيات في حي الطالبية غربي القدس المحتلة، جمع عائلته لالتقاط صورة تذكارية أمام المنزل تجمع زوجته وأخواته وبناته كي تبقى ذكرى للأحفاد؛ وبعد النكبة وتحديداً في الستينيات تم تشييد ثلاثة طوابق فوق المبنى الأصلي، استخدم فيه باطون أبيض حاولوا تقريب شكله من الحجر الأصلي ولكنهم فشلوا وأدت هذه المحاولات والإضافات إلى تشويه التصميم الأساسي، ففي ذلك الوقت كانت المحاجر والبنّاؤون المهرة في الشطر الشرقي من المدينة والضفة الغربية التي احتُلّت لاحقاً".
 |
 |
| منزل فلسطيني في حي المصرارة بالقدس قبل احتلاله عام1948- الصورة العليا، وذات المنزل كما يبدو اليوم-الصورة السفلى |
منير الصيفي لاجىء يعود لقريته- الولجة المحتلة |
ذاكرة لا تنضب
ويختم حديثه بــ الحاجة نعمة شقديح، التي جاءت من الأردن إلى قريتها "بيت نبالا" المُهجرة قضاء الرملة؛ يبتسم وهو يتذكر هذه السيدة حين اصطحبها فقالت له: "كل ما تشوف صبر بتعرف انه هون كان في بيوت وهدّوها"؛ لقد تم مسح قريتها؛ توقعت أن تحزن ولكنها حين مرت من شجر "الدوم"؛ صارت تغني موّالها: عالدوم خيا عالدوم .. شو جاب امبارح لليوم
امبارح باقت شاريد .. واليوم مطر وغيوم
عالدوم خيا عالدوم .. عالدوم دمي ودمك يجمع شملي مع شملك
ولا ينسى أبداً تلك المرأة العجوز التي صادفها في مخيم عين الحلوة في لبنان خلال رحلة للتوثيق الشفوي؛ كانت ترتدي الثوب الفلسطيني وتجلس على قارعة الطريق وكل ملامح البؤس في وجهها؛ يلوح الحزن في صوته وهو يقول: "حين قالوا لها: "يا حجّة هذا الشاب جاء من فلسطين"؛ فهبّت واقفة لتحتضنني وقالت: "خليني أشم فيك ريحة فلسطين"؛ ثم أخبروها أني من القدس؛ حينها قالت لي جملة أربكتني بصوت هرِم: "إذا كان تراب فلسطين على "سباطك"- حذاءئك- أعطينا إياه". صدقاً أني في أي وقت أشعر فيه بالتكاسل والتعب أتذكر جملتها التي حمّلتني مسؤولية عظيمة.. سأواصل التوثيق حتى تعود الحقوق لأصحابها".