|
يتميز المزارعون في غزة بامتلاكهم الخبرة والمهارة العاليتين، وقد بادر بعضهم مؤخرا إلى زراعة أشجار فاكهة الفيجوا التي يمكن أن تشّكل إضافة نوعية لمحلات العصائر بديلًا عن تلك المصنعة والمليئة بالصبغات، إذ تعتبر تلك الفاكهة عصيرًا طبيعياً يحوي العديد من الفيتامينات والسكريات والأحماض الأمينية ومركبات مضادة للأكسدة. لدى وزارة الزراعة في غزة استراتيجية عامة تتمثل في توسيع زراعة أشجار الفاكهة قليلة الاحتياج للماء والتي تتحمل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف والملوحة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية / غزة
 |
| رعاية فاكهة الفيجوا في غزة |
أرخى الليل سدوله واقترب موعد آذان العشاء، ولمّا يزل مسعود الزين يطوف داخل مشتله الواقع في عزبة عبد ربه شمالي قطاع غزة يتفقد فاكهة الفيجوا الاستوائية، بعد أن نجح في قطف ثمارها لأول مرة منذ زراعتها في عام 2010.
ويشعر الزين (53 عامًا) بسعادة غامرة وهو يتحدث لمجلة "آفاق البيئة والتنمية" عن تجربته الفريدة، بعد أن تكللت جهوده المتواصلة على مدار السنوات الماضية بالنجاح أخيرًا في قطف ثمار هذه الفاكهة التي يصفها بأنها طيبة المذاق وتستخدم كعلاج للأمراض.
وقال مدير عام الإدارة العامة للإرشاد والتنمية الريفية بوزارة الزراعة نزار الوحيدي، إن ثمار الفيجوا شبيهة بالجوافة، ولكن مذاقها الرائع ونكهتها المتميزة تضعها بين الجوافة والأناناس.
ويضيف الوحيدي أن ثمرة الفيجوا زرعت في عام 2007 في أرض غزة وكانت قد وصلت عن طريق نقابة المهندسين الزراعيين في الأردن.
وذكر أن شجرة الفيجوا واسمها العلمي Feijoa Acca sellowiana استوائية المنشأ لكنها تعيش أيضا في الأجواء الدافئة تحت الاستوائية مما سهل نجاح زراعتها في غزة إضافة إلى قدرتها على تحمل البرد. ويبين أن الثمرة قليلة الاحتياج للماء وتتحمل ملوحة التربة ودرجات الحرارة العالية.
والفيجوا واحدة من عشرات التجارب لمزروعات جلبت إلى قطاع غزة من شتى أنحاء العالم لإعادة زراعتها وتطويعها بما يتلاءم والبيئة الفلسطينية.

فاكهة الفيجوا في غزة والتي تشبه الأفوكادو
مذاق طيب
ويتربع مشتل المزارع الزين على مساحة سبعة دونمات مزروعة بأشتال الفيجوا، مشيرًا إلى "تحملها لعوامل الجو الصعبة مثل الصقيع والحرارة، ويكفيها 50% من ضوء الشمس حتى تنمو، فضلًا عن أن أمراضها قليلة".
وبين الزين أن شجرة الفيجوا تزهر في شهر أبريل وتنضج في الخريف، ولون زهرتها حمراء قريبة من لون زهرة الجوري أثناء الإزهار. ويؤكد هذا المزارع، أن ثمرتها ذات مذاق طيب وهي غنية بالفيتامينات.
ويقول المهندس الوحيدي من جانبه، إن فاكهة الفيجوا يمكن أن تشّكل إضافة نوعية لمحلات العصائر بديلًا عن العصائر المصنعّة المحتوية على الصبغات، إذ تعتبر عصيرًا طبيعياً يحتوي على العديد من الفيتامينات والسكريات والأحماض الأمينية ويحتوي على مركبات مضادة للأكسدة.
ويؤكد أن زراعتها تأقلمت في أجواء وتربة قطاع غزة، ناصحًا المزارعين بضرورة تجريبها والتعرف عليها حتى يتوسع انتشارها وبالتالي إنتاجها.
ويذكر المزارع الزين، أن أول تجربة لزراعة أشتال الفيجوا كانت في عام 2010 عندما حصل على أشتال منها، ولا يخفي أن الأمور كانت في البداية صعبة كونها كانت غالية الثمن، إلى أن تمكن في عام 2015 من إنتاج الكثير من أشتالها، وقبل أيام تمكن من قطف أولى ثمارها.
ويتابع أن النبتة تستمر عاميْن في المشتل إلى أن تكون هناك إمكانية لتسويقها وبيعها، مشيرًا إلى أن الشجرة الواحدة من الفيجوا يمكن أن تنتج عشرة كيلوجرامات في السنة الأولى من بداية إنتاجها، ثم تستقر بعد خمسة أعوام ما بين سبعين إلى مائة كيلوجرام.
لكنه ينبه في الوقت ذاته، لضرورة الاهتمام وعدم إهمالها وتزويدها بالماء وضوء الشمس.
ويباع الكيلو الجرام الواحد بما لا يقل عن سبعة شواكل كما يقول أبو السعيد.
ويمكن زراعتها على نطاق واسع لتجميل الحدائق وكأشجار مثمرة، كذلك يمكن زراعتها على سطح المنزل الباطون من خلال برميل 200 لتر لذلك هي نبتة سهلة التعامل، آملًا أن تتوسع القدرة الانتاجية في بستانه كي يتم عرضها بشكل أوسع في السوق المحلية بغرض تحقيق فائدة للناس في تذوق طعمها.
لذلك يؤكد أنه دائم الإصرار لدى أصدقائه على ضرورة أخذ هذه الشتلة وزراعتها في بيوتهم فهي نبتة لذيذة الطعم.

فاكهة الفيجوا في غزة
نجاحات سابقة
يذكر أن وزارة الزراعة أجرت سلسلة من التجارب العلمية عبر محطات التجارب التابعة لها في قطاع غزة، وتعمل من أجل رفع الكفاءة الإنتاجية للأراضي الزراعية.
وتسعى الوزارة كما تفيد عبر موقعها الالكتروني إلى جلب بذور وأشتال لنباتات وأصناف نادرة ومميزة، وذلك بهدف التجربة والإكثار وانتاج محاصيل زراعية تعود بالفائدة على المزارعين والمواطنين على حد سواء.
وفي هذا السياق، يؤكد المهندس الوحيدي أن لدى وزارة الزراعة في غزة استراتيجية عامة تتمثل في توسيع زراعة أشجار الفاكهة قليلة الاحتياج للماء، وفي نفس الوقت كثيرة التحمل لدرجات الحرارة والجفاف والملوحة.
ويضيف أن الوزارة تقدم الدعم اللازم لكل من يساهم في زراعة نبتة جديدة في قطاع غزة.
ويفتخر الوحيدي بنجاح طواقم وزارة الزراعة خلال السنوات الماضية في زراعة أشتال لأصناف جديدة مثل البولونيا والمورينجا والأناناس، ولربما قريبا يمكن أن تعلن الوزارة عن نبات جديد.
وذكر في هذا السياق، أن شجرة Jack fruit وهي شجرة استوائية ثمرتها شبيهة بالقشطة من داخلها، وهي طيبة الطعم والمذاق، وتزرع في غزة منذ ثلاثة أعوام.
لكنه يشير إلى أنها لم تدخل للآن طور الإزهار والإثمار بانتظار حدوث هذا بعد ثلاث إلى أربع سنوات.
وينبه الوحيدي، إلى أن وزير الزراعة سفيان سلطان وأثناء زيارته لغزة عقب توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة الشهر الماضي، أبدى إعجابه بما رآه من تطور في غزة خلال السنوات الماضية، بخلاف اعتقاد الكثير من الناس عن غياب أي تقدم بسبب الحصار.
ويؤكد الوحيدي، أن طواقم وزارة الزراعة تعمل بهمة عالية رغم الحصار الإسرائيلي وتقاضي الموظفين في غزة لنصف راتب منذ منتصف عام 2013.
وبحسب وزارة الزراعة فقد تم إحصاء مساحة الفواكه في كافة محافظات قطاع غزة وبلغت المساحة حوالي 90 ألف دونم منها 62 ألف دونم مثمرة، وحوالي 28 ألف دونم زراعات جديدة ستدخل طور الإنتاج في الأعوام القادمة.
وتقدر كمية الفواكه التي تم إنتاجها حوالي 84 ألف طن تشمل الزيتون، وتشمل أيضا الفواكه المزروعة في الحدائق المنزلية "الزراعة الحضرية وشبه الحضرية" بزيادة عامة تقدر بحوالي 30 ألف طن، تعود لدخول مساحات جيدة العام الحالي في دائرة الإنتاج بسبب اهتمام المزارعين بالفاكهة بعد فتح باب التصدير، وقد بلغت تقديرات وزارة الزراعة للفجوة في إنتاج الفاكهة حوالي 35 % وهي تتركز في محاصيل التفاح والموز والمانجو.
موقع متميز
وأشار المهندس الزراعي محمد أبو عودة إلى أن مجاورة قطاع غزة للبحر الأبيض المتوسط جعل أرض القطاع مميزة لنجاح زراعة أصناف فاكهة متعددة.
ونبه أبو عودة، إلى أن قطاع الفاكهة في غزة ممتد، فهناك أصناف تحتاج إلى درجات حرارة معتدلة أو دافئة فتنجح زراعتها بشكل كبير، في حين تتباين فرص نجاح أصناف فواكه أخرى كالتفاح مثلا.
وذكر أن أصناف الفواكه التي تحتاج إلى ساعات برودة متوسطة أو قليلة تنجح في غزة كاللوزيات مثلا، بينما تلك التي تحتاج الى ساعات برودة عالية لا تنجح.
ووصف أبو عودة المزارعين في غزة بأنهم مميزون يمتلكون خبرة عالية اكتسبوها من عملهم داخل الأراضي المحتلة الـ"48"، أو من احتكاكهم بالمؤسسات والوفود الأجنبية التي كانت تأتي بالمهندسين الزراعيين المبتكرين الموجودين في غزة سواء في وزارة الزراعة أو في المؤسسات الأخرى.
وأكد على أهمية التنوع في أصناف وأنواع الفواكه مثلًا وعدم اقتصارها على صنف واحد، والتوجه إلى إيجاد حلول لإنتاج أصناف ترضي أذواق المستهلكين.
والمسؤولية من وجهة نظره ليست مقتصرة في تحقيق هذا الهدف على وزارة الزراعة، فهي مسؤولية وطنية كاملة تبدأ بوزارة الزراعة والجامعات والكليات الزراعية والمؤسسات العاملة في القطاع الزراعي لتتحمل مسؤولياتها في إنجاح نماذج إنتاج فواكه جديدة.
ويأمل أن تتكاتف كل الجهود لتحقيق النجاح في هذا الصعيد، مقترحًا تخصيص جوائز ذهبية للبحث العلمي تستهدف المزارعين والمهندسين المميزين والمبتكرين.