غزة المُحاصَرة.. .مصنع "تدوير النفايات" يُطلِق الصافرة
|
تُوضع حاليا اللمسات الأخيرة استعداداً لتشغيل مصنع "فرز وتدوير النفايات" في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة؛ هذا المصنع الذي من المقرر افتتاحه رسمياً في مطلع العام المقبل يمضي قدماً نحو إيجاد حلول ابتكاريه للتخلص من النفايات ضمن منظور علمي وبيئي وذلك في إطار اتفاقية تم توقيعها بين بلدية غزة وشركة رائدة تدعى "أكنان تِك للحلول التقنية المتكاملة". كميات النفايات الصلبة المجمعة في مكب النفايات في منطقة جحر الديك حوالي 1000 طن يومياً، فيما النفايات الزراعية الناجمة عن القطاع الزراعي تقدر بـ 800 طن يومياً. من المتوقع أن ينجح المشروع في معالجة واسعة للنفايات الصلبة وإنتاج الأسمدة الحيوية، وبالتالي خفض معدلات التلوث الناجمة عن النفايات المتواجدة بمكبات النفايات الصلبة؛ كذلك تقليل مساحات الأراضي اللازمة لتطوير مكبات نفايات جديدة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| انتاج الغاز الحيوي |
روائح كريهة تفوح بشكلٍ مقززٍ يبعث على التقيؤ؛ ولكن لا بأس فتلك الروائح تمهد الطريق لميلاد نجاحٍ جديد في قطاع غزة المحاصر؛ إذ تُوضع اللمسات الأخيرة الآن استعداداً لتشغيل مصنع "فرز وتدوير النفايات" في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة؛ هذا المصنع الذي من المقرر افتتاحه رسمياً في مطلع العام المقبل يمضي قدماً نحو إيجاد حلول ابتكاريه للتخلص من النفايات ضمن منظور علمي وبيئي وذلك في إطار اتفاقية تم توقيعها بين بلدية غزة وشركة رائدة تدعى "أكنان تِك للحلول التقنية المتكاملة"؛ في شهر مارس/ آذار من العام الجاري.

م.د.محمد أبو هيبة
تفاصيل عدة تكتنف هذا المشروع الواعد؛ تتضمن الأسباب التي دفعت باتجاه تنفيذه؛ والصعوبات اللامتناهية التي اعترضت طريقه؛ تضعها بين يديكم "مجلة آفاق البيئة والتنمية" عبر حوارٍ حصري أجرته مع م.د.محمد أبو هيبة مدير عام "أكنان تك"- العقل المدبر - الذي بادر إلى طرح الفكرة الخلاقة لتنفيذها بالشراكة مع "بلدية غزة"؛ ففي قطاع محاصر تفوق "المطبّات" عدد شعر الرأس؛ من تلك التي قد يصطدم بها مشروع كهذا وعلى رأسها مشكلة "الندرة" سواء في المواد الخام أو في المهارة الفنية لدى القوى العاملة وهذا ما حاول د.أبو هيبة تجاوزه مع فريقه بخلق بدائل إبداعية قدر المستطاع.

شركة أكنان للحلول التقنية المتكاملة تدير مصنع فرز وتدوير النفايات في غزة
وتجدر الإشارة أن "ضيفنا" حاصل على درجة الدكتوراة في الهندسة الميكانيكية من جامعة توليدو في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ويعد واحداً من أهم مؤسسي قسم الهندسة الميكانيكية في الجامعة الإسلامية؛ ولفت نجاحه الأنظار قبل عام بإنجاز أول قلب صناعي في قطاع غزة بالتعاون مع الدكتور محمد نصار.
بدايةً ما هي المهام التي كان يؤديها هذا المصنع قبل إبرام الإتفاقية؟
تم إنشاء المصنع الذي تبلغ مساحته نحو أربع دونمات عام 2013 لصالح بلدية غزة، والتي بدورها قامت بتشغيله عدة أشهر؛ ولكن نظراً لعدم مقدرة البلدية على إعادة تدوير منتجات المصنع والمتمثلة بالنفايات المفروزة فإنه لم يتمكن من تغطية المصاريف التشغيلية، مما أدى إلى إيقاف عمليات الفرز، واستغلال المكان كمخزن عام لبلدية غزة؛ وذلك حتى تاريخ توقيع اتفاقية الشراكة مع أكنان.

فرز النفايات في مصنع تدوير النفايات في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة
من أين ولدت فكرة إعادة تشغيل مصنع فرز وتدوير النفايات في قطاع غزة.. وكيف تبلورت في صورتها الحالية؟
"أكنان تك" هي شركة فلسطينية نشأت قبل ثلاث سنوات؛ تعمل في مجال تنفيذ وتشغيل وتطوير المشاريع الاستثمارية التي تساهم في حل العديد من المشاكل المجتمعية ذات العلاقة بمجالات الزراعة والبيئة والطاقة المتجددة والتصميم وتطوير الأعمال على أساس البحث العلمي.
وكانت فكرة إنشاء وحدة إنتاج الغاز الحيوي هي واحدة من مجموعة أفكار استثمارية وبحثية تبنتها الشركة؛ ونتيجةً لحاجة قطاع غزة لحلولٍ إبداعية لسد حاجة قطاع غزة من الغاز نتيجة الحصار الغاشم المفروض عليه منذ عدة سنوات، وإنتاج قطاع غزة لما يقارب من 2000 طن يوميا من النفايات البلدية والزراعية التي تشكل عبئاً بيئياً على كاهل البلديات، وبالإضافة لحاجة القطاع الماسة من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يستخدم في مجال صناعة المشروبات الغازية وأعمال الحدادة وأنظمة إطفاء الحرائق، من هنا تبلورت فكرة انشاء المشروع.
وكحصيلة لساعات عمل طويلة تجاوزت 15000 ساعة، ومن خلال فريق عملٍ ضم العديد من الخبراء والمهندسين في مجالات الهندسة الميكانيكية والهندسة الكهربائية والهندسة الصناعية والهندسة الزراعية وهندسة التحكم والكهرباء والكيمياء وغيرها؛ تكلل المشروع بالنجاح، حيث تم إنشاء أول وحدة أبحاث نمطية محوسبة لإنتاج الغاز الحيوي؛ وعليه تم تشغيل الوحدة وإجراء التجارب البحثية إلى أن تمكنت الشركة من تملك التقنية الكاملة للإنتاج وتطوير الوحدة، ومن ثم كان لا بد من الإنتاج الغزير والانتقال إلى مرحلة الاستثمار من خلال شركاء محليين أو إقليمين أو دوليين.
وعليه؛ تم عرض نتائج المشروع على العديد من الجهات المحلية والدولية، والتي من خلالها تم التعاقد وبناء شراكة مع بلدية غزة لتشغيل مصنع فرز النفايات كونه مصدراً أساسياً لتوفير المواد الأولية لعمليات الإنتاج وقربه من مكب النفايات الرئيس لمدينة غزة.

مصنع تدوير النفايات في غزة
ما هو الدور الملقى على عاتقكم في هذا الجانب؟
شركتنا تعمل بدورها على إدارة و تشغيل وتطوير خطوط الإنتاج وإيجاد حلول إبداعية لإعادة تدوير مخرجات عملة الفرز من النفايات الصلبة والعضوية؛ فيما بلدية غزة ستقدم لنا تسهيلات العمل اللازمة؛ فحسب الإحصاءات الأخيرة قاربت كميات النفايات الصلبة المجمعة في مكب النفايات في منطقة جحر الديك الـ 1000 طن يومياً، فيما النفايات الزراعية الناجمة عن القطاع الزراعي تقدر بـ 800 طن يومياً.
وحسب الخطة الاستراتيجية قصيرة وطويلة الأمد للشركة، تم مراعاة مجموعة من العوامل والظروف التي تتطلبها عملية التشغيل والتطوير على مراحل، والتي في مجملها تؤول إلى الاستفادة المثلى من مخرجات عملية الفرز.

مصنع فرز وتدوير النفايات في غزة والذي تديره شركة أكنان
لو نتحدث عن الصعوبات التي واجهتكم خلال الشهور الماضية؟
صعوبات و تحديات لا يستهان بها واجهتنا خلال الفترة الماضية، ويمكن إيجازها بالنقاط التالية:
-الحصار الغاشم المفروض على قطاع غزة حال دون توفير احتياجات المصنع للتشغيل والتطوير بالشكل المطلوب، مما استدعى الاعتماد على الحلول الإبداعية لفريق عمل الشركة، والعمل على تصميم وتنفيذ بدائل حسب الإمكانات المتاحة.
- عدم توفر الإمكانات الفنية والهندسية المطلوبة لدى الورش والمخارط في قطاع غزة أدى إلى خلق العديد من المشاكل المباشرة وغير المباشرة مثل ارتفاع التكاليف؛ وقلة جودة المخرج؛ و الخلل في تقدير الفترة الزمنية لإنجاز المهام.
- انقطاع التيار الكهربائي أدى إلى الاعتماد المباشر على مولدات الكهرباء الذاتية، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل بشكل كبير.
- عدم وجود لوائح وإجراءات واضحة ومكتوبة لدى بعض المؤسسات الحكومية أدت إلى تأخر الحصول على التراخيص اللازمة، وأدت إلى تأخير انجاز المهام في العديد من الأحيان.
- عدم دعم المؤسسات الحكومية بالشكل المطلوب للمشاريع البيئية والزراعية الاستراتيجية التي تساهم في إيجاد حلول مناسبة.
- عدم توفير دعم مالي من قبل المؤسسات المانحة للقطاع الخاص، واقتصار ذلك على المؤسسات والجمعيات غير الربحية.

مصنع فرز وتدوير النفايات في منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة
بعد هذا العمل المضني.. إلى أي مدى ترفعون سقف النتائج لصالح بقعةٍ تتعطش لتحسين الحياة؟
على الصعيد البيئي نتطلع إلى تخفيف الآثار الجانبية والسلبية للمخلفات الصلبة المُجمعة على الأرض والمياه والتربة والهواء؛ ونأمل أن ينجح المشروع في خفض معدلات التلوث الناجمة عن النفايات المتواجدة بمكبات النفايات الصلبة؛ وكذلك من المهم تقليل مساحات الأراضي اللازمة لتطوير مكبات نفايات جديدة؛ مع العلم أن أسعار الأراضي مرتفعة جدا، وليس من الحكمة أن نضاعف استهلاكنا لهذه الأراضي الثمينة والنادرة.
أما على الصعيد الاقتصادي فإننا نسعى إلى خلق العديد من الفرص الاستثمارية مثل معالجة النفايات الصلبة وإنتاج الأسمدة الحيوية، والزراعة الحيوية وغيره؛ علاوةً على المساهمة في تخفيف مشكلة البطالة في قطاع غزة، حيث من الممكن أن يعمل 25 شخص بشكل مباشر في المصنع وآخرين بشكل غير مباشر.
ومن منطلق اقتناعنا بأهمية الاستثمار في الطاقة البشرية عامة والشبابية منها على وجه الخصوص، فإن لدينا العشرات من الخريجين المتميزين غير المستغلين مهنياً ومجتمعياً في قطاع غزة، نعمل على تبنيهم وتوجيههم وتدريبهم وتطويرهم وخلق فرص عمل حقيقية لاستغلال طاقاتهم اللا محدودة، وعدم تركهم فريسة سهلة للفشل أو البحث عن الذات في الدول الغربية.
وبالانتقال إلى المستوى الاجتماعي فإن هذا المشروع سيساعد على حل العديد من المشاكل التي تواجه المجتمعات الحضرية المحلية مثل النظافة ورفع معايير الصحة العامة، فضلاً عن التنسيق مع العديد من القطاعات المجتمعية مثل الجمهور، والهيئات الحكومية، والبلديات.
وبالانتقال إلى الصعيد العلمي.. هل من علامةً فارقة؟
المشروع يعد أول منشأة في قطاع غزة تقوم على البحث العلمي المكثف والتطوير المسبق التي تهدف إلى تحسين عملية إنتاج السماد الحيوي مع مراعاة معايير البيئة المحيطة؛ إذ استعانت شركة أكنان بخبرات علمية وصناعية متعددة بهدف إنجاز هذا المشروع على أكمل وجه؛ ونطمح إلى التوثيق محليا لعملية إنتاج السماد الحيوي بحيث تتناسب مع تكوين الكتلة الحيوية الموجودة في قطاع غزة على النحو الأمثل.
لاقى خبر استخدام شركتكم للنفايات العضوية في إنتاج غاز الميثان وثاني أكسيد الكربون صدى واسع.. أين وصلتم في هذا الجانب؟
انتهت "أكنان تك" من إنشاء وتشغيل أول هاضم لإنتاج الغاز الحيوي، ولقد بدأنا فعلياً بأعمال إنشاء فصل وتنقية الغازات الحيوية. كما وانتهينا من تصميم وحدة انتاج الكهرباء والحرارة وبدأت فعلياً بأعمال التنفيذ والتجريب؛ إلا أننا أرجأنا العمل على إنتاج وفصل غاز ثاني أكسيد الكربون لحين استقرار وضع المعابر.
مشروع حيوي كهذا من الممكن أن يسهم في حل مشكلة الكهرباء ما هي أبرز العقبات التي تقف في وجهه؟
المشروع سيساهم في حل مشكلة الكهرباء في قطاع غزة بشكل جزئي، و بوسعه تغطية 10% فقط من حاجة قطاع غزة من الغاز في حال تم استغلال وتدوير 100% من النفايات الصلبة والعضوية التي تنتج يومياً، وذلك صعب جداً لوجود العديد من المشاكل الفنية والمالية ومستوى الوعي المساعد للمواطنين في قطاع غزة.
لا بد وأنكم طرحتم الفكرة على جهات رسمية سابقاً ما مدى التجاوب.. أليس كذلك ؟
واجهت الشركة مشاكل كثيرة في بادئ الأمر لبناء شراكات والتشبيك مع القطاعات والمؤسسات الأهلية والبلدية كونها شركة خاصة؛ ولكن بإصرار فريق عمل الشركة والتحدي المبني على الوعي والفهم الصحيح لاحتياج القطاعات الحيوية الزراعية والبيئية والصحية، ومن خلال تحويل أفكار المشاريع إلى نماذج محاكاةٍ إنتاجية مصممة على تقنيات عالية من التكنولوجيا، تم إقناع القطاع العام والبلديات ومؤسسات المجتمع المحلي بأهمية بناء شراكات وبلورة اتفاقيات مع مؤسسات القطاع الخاص.
واليوم بلورنا شراكة مع بلدية غزة لتشغيل وإدارة مصنع فرز النفايات الصلبة وإعادة تدوير بعض مخرجاته، بالإضافة للشراكة مع الإغاثة الزراعية التي تهدف إلى إنتاج "الكومبوست"- و هو السماد العضوي الذي يمكن الحصول عليه من تخمير البقايا النباتية- بطرق متقدمة.
من موقعك.. وفي ظل تغيرات سياسية مرتقبة ما الدور الذي تدعو الحكومة الجديدة للقيام به في هذا المشروع؟
برأيي يقع على عاتق الحكومة مسئولية كبيرة في دعم وتطوير المشاريع التنموية بشكل عام، والمشاريع التي تساهم في حل المشاكل المجتمعية بوجه خاص مثل المشاريع الزراعية والبيئية والصحية؛ عبر توفير بعض الامتيازات لها مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية، وتوفير الدعم المالي واللوجيستي لها، بالإضافة لحمايتها من غزو المنتجات المنافسة الأجنبية والإسرائيلية ضمن ضوابط عادلة تضمن مصلحة المواطن بشكل عام.
كما يجب مراعاة التشريعات والقوانين والإجراءات الداعمة للإنتاج المحلي لمثل تلك المشاريع، وتطوير مناهج التدريس لرفع مستوى الوعي لدى المواطنين بأهمية تلك المشاريع والمساهمة في انجاحها مجتمعياً.
قطاع غزة ما الذي يحتاجه برأيك من مشروعات لتلبية حق المواطن في بيئة خالية من التلوث؟
جميع المشاريع مهمة لقطاع غزة؛ وذلك لتوفير الاكتفاء الذاتي له في جميع المجالات والحد من معدلات البطالة بشكل عام، ولا أتحدث هنا عن الاستثمار في القطاع الزراعي أو البيئي فقط؛ فقطاع غزة يحتاج إلى الحرية وفتح المعابر وانشاء الميناء والمعابر التي تعد القلب النابض لإنجاح المشاريع بأنواعها. وبالتالي توفير المقدرة الشرائية الذاتية للمواطنين بشكل عام.
أما فيما يخص المشاريع الزراعية والبيئية؛ فبلا شك أنه بحاجة إلى مشاريع متعلقة بالزراعة الآمنة التي ترتبط بشكل مباشر بصحة المواطنين، وكذلك مشاريع إنتاجية خاصة بتحلية مياه البحر والعمل على استغلال الفاقد في مياه الأمطار ومحاولة حقنها في الآبار الارتوازية في باطن الأرض؛ هذا بالإضافة لمشاريع إعادة التدوير لمخلفات المعادن والورق والبلاستيك والطاقة وغيرها من المشاريع؛ بالإضافة للمشاريع الإنشائية التنموية التي تراعي الزيادة الطردية للكثافة السكانية والزحف العمراني والتصحر.
في ختام هذا الحوار د.محمد نتقدم بجزيل الشكر لك ونأمل أن يؤتي مشروعكم أكله.
أشكر اهتمامكم؛ وفي النهاية أرغب بتوجيه سؤال للجميع: من يتحمل مسئولية النجاح ومسئولية الفشل على حدٍ سواء؛ حسناً الإجابة "جميعنا يتحمل المسئولية..المواطن والمجتمع والمؤسسة والحكومة والمصنع والمدرسة؛ نعم جميعنا يتحمل المسئولية، ولكن كلٌ حسب طاقته ومكانته في المجتمع.
لكن ما أريد التركيز عليه هو ضرورة تفعيل مبدأ المساءلة ومحاسبة ومكافأة الجميع على الانجازات والاخفاقات من أجل تحقيق العدالة المجتمعية.
للاستزادة بالصوت والصورة الرجاء النقر على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=dK-OOJHb7EM