الزراعة المحوسبة في غزة... زيادة الربح واستغلال الأراضي الحدودية عن بُعد
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
بعد عدة أعوام من القلق بشكل مستمر على محصوله في أرضه الزراعية والتي تقع على الحدود الشمالية من مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، ارتاح قلب المواطن محمود أخليل حيث أصبح يدير مزرعة ومن بينها الدفيئات الزراعية عن بُعد. فمن خلال تركيب شبكات إلكترونية خاصة بالزراعة وبعد ربطها ببرنامج خاص، تمكن من إدارة وتشغيل جميع احتياجات المزرعة عن طريق الإنترنت من أي مكان.
|

بعد عدة أعوام من القلق بشكل مستمر على محصوله في أرضه الزراعية والتي تقع على الحدود الشمالية من مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، ارتاح قلب المواطن محمود أخليل حيث أصبح يدير مزرعة ومن بينها الدفيئات الزراعية عن بُعد.
فمن خلال تركيب شبكات إلكترونية خاصة بالزراعة وبعد ربطها ببرنامج خاص، تمكن من إدارة وتشغيل جميع احتياجات المزرعة عن طريق الإنترنت من أي مكان.
ويقول: "هذه الشبكة والبرنامج وفّر عليّ الكثير من الأمور من بينها الأيدي العاملة، وتحسين جودة المحصول وخاصة أنني لأول مرة أيضا، أزرع الدفيئة الزراعية الخاصة بي بالفراولة المعلّقة، والتي كانت تحتاج لمثل هذه التكنولوجيا لمتابعة نظام الري والتهوية والتبريد والتسخين، فتكلفة إعداد هذه الدفيئة أمر مكلف، لذلك خسارة المنتج ستكون كارثية لي".
ويبين أخليل أن أول إنتاج لهذه الدفيئة كان وفيرا مقارنة مع السنوات الماضية، فالشبكة والبرنامج ساعد على تحسين المنتج وكميته أيضا، فكل الأمور الحيوية تعمل وفق احتياجات المزروعات بدقة والتي من الصعب على الانسان رغم كل ما يتوفر له من خبرة ضبطها.
ويستدرك حديثه: "مزرعتي تقع على الحدود الشمالية وفي كثيرٍ من الأوقات لا استطيع الوصول لها بسبب المحتل، مما يجعلني في حاله قلق على المزروعات التي زرعتها في الأرض، ولكن حاليًا لا أحمل أي هم في حال لم استطع الوصول لها، فمن خلال البرنامج المحوسب أستطيع التحكم في كل ما يخص الأرض والمزروعات من أمور حيوية وذلك عن بعد".
ويشجع أخليل جميع المزارعين على تجربة هذا النظام في الزراعة، فرغم تكلفته المرتفعة إلا أنها تكون في البدايات فقط مع تجهيز الدفيئات، ولكن بعد ذلك لا تكلف شيئاً بجميع الأدوات والأجهزة الموجودة. كذلك، فإن الناتج الوفير من الدفيئات التي استخدمت النظام تعوضُ جزءاً كبيراً من تكلفته.

المحاصيل الزراعية في الدفيئة المحوسبة بشمال قطاع غزة
ليست التجربة الأولى
ولا يعتبر المهندس الزراعي نزار الوحيدي مدير عام التربة والري في وزارة الزراعة بغزة أن هذا النظام هو تجربة أولى، ففي عام 1980 كان للمهندس علي الوحيدي تجربة مماثلة في مزرعته حيث قام بعمل شبكة وأوصلها بحاسوب خاص كانت تشرف على العمليات الحيوية في مزرعته، واستمرت حتى عام 1989 إلى حين علم الاحتلال بوجودها، وساوموه على شراء جهاز من إحدى شركاتهم وعندما رفض ذلك تم تجريف أرضه وخسر في ذلك الوقت ما يقارب المليون دولار .
ويضيف :" تأخرنا كثيرًا في إعادة ما جربه المهندس علي الوحيدي، كما كان هناك فكرة مقدمة لوزارة الزراعة لتجربتها في دفيئة زراعية عام 2000 وقد تأخر في تنفيذها لما يمر به القطاع من ظروف، ولكن في نهاية المطاف نفذنا هذه التجربة في دفيئة بمساعدة مهندسين زراعيين من الأردن وبمشاركة الكلية الجامعية وعن طريق شبكة الإنترنت أيضا، ومن ثم تم تطبيقها لدي بعض المزارعين وخاصة في المناطق الحدودية، وقد نجح الأمر بشكل ممتاز".
ويتحدث الوحيدي عن أهم عنصر في إنجاح هذه العملية ألا وهو وجود مؤشرات محددة ومعروفة يتم تزويد البرنامج بها مثل الرطوبة في التربة ودرجة الحرارة وشدة الإضاءة وكمية الهواء داخل الدفيئة، ويتم التعرف على هذه المؤشرات عن طريق المستشعرات خاصة التي يتم زراعتها داخل الدفيئة، والتي تتلقى إشارات من الدفيئة وترسلها إلى الحاسوب، والأخير بدوره يترجمها إلى أوامر تعود إلى أجهزة تشغيل الانظمة السابقة حسب الحاجة ووفق المؤشرات.
ويبين الوحيدي أن المزارع يمكنه التحكم في تغيير هذه المؤشرات أو حتى الأوامر ومن أي مكان في العالم، ليس فقط في القطاع فالبرنامج الذي يعمل على هذه النظام متصل بشبكة الانترنت، والتي تمكّن المزارع من التحكم بها.

دفيئة زراعية متاخمة لمواقع قوات الاحتلال شمال غزة تدار عن بعد باستخدام نظم المعلومات الجغرافية
النظام يعوض التكلفة بسرعة
ومن جهته أشار المهندس الزراعي عيد صيام مدير دائرة التخطيط الإدارية والعامة والإرشاد وهو المسئول بشكل مباشر عن الدفيئات الزراعية والتي تعمل عن طريق الحاسوب، إلى أن الدفيئات الزراعية المحوسبة كما العادية، تمكّن المزارعين من زراعة مختلف أنواع الخضروات والفواكه والزهور في كافة المواسم، وعلى وجه الخصوص المحصول ذي السعر المرتفع لتعويض التكلفة واسترداد رأس المال في فترة قياسية.
وتابع حديثه:" هي ذات فائدة مهمة لمعرفة فسيولوجيا النبات حتى نتعرف على خصائصه والظروف الملائمة لإنباته في فلسطين من خلال التجارب المختلفة فيها، فالدفيئة المحوسبة يمكن معها إدارة كل عملياتها الزراعية بأوامر من "الجوال" أو "اللوح الذكي " وذلك بربطها بنظام "أندرويد"، وهنا اختلافها الأساسي عن الدفيئة العادية، كما تفرض على الجميع معرفة خصائص كل نبتة على حدى" .
ويسعى المهندس صيام للوصول إلى إدارة إلكترونية أو محوسبة لأكبر عدد ممكن من الدفيئات في القطاع خلال الفترة القادمة، عن طريق المنح من قبل المؤسسات الداعمة للزراعة في غزة، حتى يتمكنوا من مواكبة التطور الحاصل حول العالم، وأن كانت هناك الكثير من العقبات لتنفيذ ذلك بسبب صعوبة الحصول على المستشعِرات، وكذلك انقطاع التيار الكهربائي المتواصل وأن فوائدها تفوق هذه العراقيل، وأهمها إلغاء الخطأ الشخصي بقدر كبير وتقليل الاعتماد على الخبرة الشخصية.

شبكة إلكترونية خاصة بالزراعة مربوطة ببرنامج خاص يمكن من خلاله إدارة وتشغيل جميع احتياجات هذه المزرعة في شمال قطاع غزة بواسطة الإنترنت
و"فسيولوجيا النبات" هو فرع من علم النبات یُعنى بدراسة وظائف الأعضاء المختلفة للنبات وشرح طرق قيام تلك الأعضاء بوظائفها، ويتضمن كيفية قيام النباتات بإنتاج الغذاء واستغلاله، وكيفية مساعدة الخلايا المتنوعة للنباتات في نموها وتكاثرها وكيفية استجابة نبات ما إلى العالم الخارجي.
وأكد صيام أن هناك تطبيق لهذا النظام لأكثر من دفيئة في القطاع، ففي محصول الفراولة فقط، يوجد أكثر 13 دفيئة تطبق ذلك، وهناك أيضا توجه لتطبيق الأنظمة على المزارع بشكل عام لميزة العائد الجيد الكفيل بتشجيع المزارعين على التجربة، لذلك يوجد توجه حقيقي من قبل المزارعين لمواكبة هذا التطور في الزراعة.
أما الدفيئة فهي مصنوعة من مادة النايلون الشفاف المُنفذ لأشعة الشمس، وتكون ذات هيكل معدني أو خشبي تزرع بداخلها النباتات في درجات حرارة ورطوبة يمكن تنظيمها، وذلك لتوفير مناخ دافئ بداخلها بغرض زراعة أنواع من النباتات التي تحتاج إلى مثل هذا المناخ، وهي تحتوي على شبابيك يمكن التحكم عبرها بدرجة الهواء والرطوبة من خلال فتحها وإغلاقها.
ويرجع ازدهار الدفيئات في القطاع إلى قدرة أصحابها على زراعة مُختلف أنواع الخضروات في غير موسمها، كما ساهمت الدفيئات في توفر الخضروات على مدار العام، فهي تعد ركيزة أساسية في الزراعة؛ لاختصارها الوقت في عملية النضوج، وضمان سلامة الإنتاج عبر توفير الجو الملائم لزراعته.

دفيئة زراعية محوسبة في شمال قطاع غزة
المزرعة الذكية
ومن بين من استشار المهندس صيام في هذا النظام، كانت "شركة فلسطين لتقنية الاتصالات والتكنولوجيا" والتي تعمل على إنشاء نظام مراقبة للأراضي الزراعيّة وعمليات ري وتسميد عن بُعد أيضاً، ضمن "المزرعة الذكيّة" وهي فكرة من عدة مشاريع يتم العمل عليها في القطاع لتطبيق وتحسين هذه الأنظمة، بما يخدمُ المزارعين القانطين على الحدود بشكل خاص والمزارعين عموماً.
ويهدف المشروع وفق المهندس نوح قاعود رئيس قسم التحكم في شركة فلسطين للتقنيات والاتصالات إلى تنبيه المزارع لمدى احتياج الأرض للري والتسميد، تحديداً المناطق الشرقية والشماليّة من القطاع، والتي لا يستطيع المزارع الوصول إليها في أغلب الأحيان، بسبب الاحتلال الإسرائيلي بحيث توفر له الوقت والمال.
ويتكون الجهاز من برميل لخلط الأسمدة مع بعضها البعض، ومضختيّن لضخ المياه الجوفيّة، وأربعة براميل مياه وصمامات إلكترونيّة، ومستشعرات للحرارة والرطوبة، ويتم ربطها بالهواتف الذكيّة ومتابعة عمليات التحكم من خلال الرسائل القصيرة.
وعن أهم ما يميز هذا البرنامج عن سابقيه، فوفق قاعود فإن النظام يعمل على أرض زراعية وليس دفيئات وأن المنتج سيخرج بالنهاية بشكل الزراعة الآمنة، من خلال ضبط المزارع بعدم نزول المنتج إلى السوق، إلا بتحقيق كافة الشروط المتعلقة بفترة أمان المبيدات وفق نظام التسميد الآلي.
وأضاف: "المزارعُ في غزة يخلط السماد بالمياه بدون عملية مدروسة ما يتسبب في مخاطر كثيرة على المنتج والتربة أيضاً، وهنا يحدد النظام الكمية المطلوبة للسماد في الأرض، كذلك فإن ثمنها أرخص مقارنة بغيره من الأنظمة، كون هذا النظام يكون حسب الاحتياجات اللازمة لكل مزرعة على حدىً، ويتراوح ما بين 300 دولار إلى 450 دولار".
وختم قاعود مشيراً إلى أن النجاح الذي تحقق من دخول "نظام الحوسبة" إلى الدفيئات الزراعية وحتى الأراضي الزراعية، ساعد بشكل أساسي في التحكم بكل العمليات الزراعية اللازمة، وفي ذلك تحقيق نتائج مهمة منها تحسين عائد المزرعة وزيادة الربح، وأيضاً الاستخدام الأمثل لموارد الطبيعة وحماية البيئة، والأهم ربط المزارع بأرضة وخاصة المتاخمة للحدود.