خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
تشهد أسعار معظم الخضراوات تراجعًا حادًا في أسعارها كما كان الحال منذ مطلع العام الحالي، وتكررت مشاهد "إعدام" عديد من المزارعين لمحاصيلهم في كثير من المناطق؛ لتراجع أسعارها إلى حد كبير. يتجول مراسل "آفاق البيئة والتنمية" في حقول جنين: مرج ابن عامر، وبرقين، وعرابة، وقباطية، ويجمع إفادات حية من حراس الأرض. نحاور مسؤولين في وزارة الزراعة وجمعيات واتحادات زراعية أهلية، ونرسم مشهدًا لحال التراجع المتواصل في أسعار الخضراوات، في وقت تواصل مستلزمات الإنتاج التحليق عاليًا، ووسط هذا، تبحث المجلة عن بارقة أمل لتخفيف وطأة الخسائر وفداحتها.
|
 |
| المزارع علي السهمود -يسار |
من جديد، تشهد أسعار معظم الخضراوات تراجعًا حادًا في أسعارها كما كان الحال منذ مطلع العام الحالي، وتكررت مشاهد "إعدام" عديد من المزارعين لمحاصيلهم في كثير من المناطق؛ لتراجع أسعارها إلى حد كبير.
يتجول مراسل "آفاق البيئة والتنمية" في حقول جنين: مرج ابن عامر، وبرقين، وعرابة، وقباطية، ويجمع إفادات حية من حراس الأرض.
نحاور مسؤولين في وزارة الزراعة وجمعيات واتحادات زراعية أهلية، ونرسم مشهدًا لحال التراجع المتواصل في أسعار الخضراوات، في وقت تواصل مستلزمات الإنتاج التحليق عاليًا، وفي وسط هذا، تبحث المجلة عن بارقة أمل لتخفيف وطأة الخسائر وفداحتها.

جفاف وتلف المحاصيل الزراعية بسبب الجفاف في الضفة الغربية
خسائر متلاحقة
يحصي المزارع علي السهمود خسائره المتلاحقة منذ مطلع العام، ويستعرض آخر "الضربات الكبيرة" التي كان عرضة لها في موسم الخيار الربيعي، إذ أُجبر على اقتلاعه، قبل انتهاء موعده بنحو شهر.
ويقول وهو يراقب عمالًا يعدمون مساحات كبيرة من حقله في أطراف مرج ابن عامر، إنه أُجبر على اتخاذ هذا القرار الصعب، بعد توقف تصدير المحصول المعدّ للتخليل في الداخل المحتل، في إثر إغلاق الحواجز، وتوقف مصانع الاحتلال عن استيعاب أي كمية، واعتذار شركات التخليل المحلية عن استقبال الإنتاج.
ويوضح أن خسائره في الخيار ليست الأولى هذا العام، فقد مني بضربات مماثلة في البصل والبطاطا والشومر والملفوف والزهرة (القرنبيط) واللفت.
بدا القلق واضحًا في صوته وهو يشكو لنا كونه ينتقل من خسارة إلى أخرى، لكنه لا يستطيع التوقف عن العمل في الأرض، كما يخبرنا.

مزارعون فلسطينيون
ويؤكد السهمود أنه سلَّم رسالة ونداء عاجلًا من مزارعي محافظة جنين إلى وزير الزراعة عبر رائد أبو خليل مدير عام جنين، تضمنت وصفًا لحال الفلاحين الذين يواجهون منذ سنوات خسائر فادحة، ويخرجون من موسم زراعي صعب إلى موسم ثانٍ أكثر صعوبة.
وتصف الرسالة ما حدث العام الحالي من إجبار المزارعين على إتلاف كثير من محاصيلهم في ذروة إنتاجها؛ بسبب تدني أسعارها وكساد تسويقها مثل الزهرة (القرنبيط)، والملفوف، والشومر، واللفت، وخيار الدفيئات، والكوسا الربيعي، وفي مناسبات عدة كانت تصل أسواق الخضار ولا تُباع، أو تُباع بشواقل معدودة لا تغطي تكلفة قطفها أو نقلها من المزارع.
ويقول السهمود إن الرسالة أشارت إلى "غرق المزارعين في الديون"، ومعاناتهم جراء الارتفاع الحاد في مستلزمات الإنتاج، وإجبارهم على تكرار المحاولة؛ لأن الزراعة هي مهنة الآباء والأجداد، وهي التي تحمي الأرض، وتوفر الغذاء، وتُوجه لها ضربات قاسية بسبب استيعابها في السنتين الأخيرتين للبطالة الناجمة عن منع العمال من الوصول إلى سوق العمل الإسرائيلي.
الرسالة التي وقعّها تناولت تكرار الخسائر من موسم إلى آخر، وعدم وجود دعم حكومي، وكذلك عجز الفلاحين عن سداد ديونهم المتراكمة، معرباً فيها عن خشيته من تسريح مئات العائلات وآلاف الأيدي العاملة التي يوفرون لها مصدر دخل، وفي نهاية المطاف هجرة الأرض.

محمود فطافطة الناطق الإعلامي باسم وزارة الزراعة
"الزراعة": فرض سقف سعري ليس مسؤوليتنا
بدوره، يؤكد محمود فطافطة، الناطق الإعلامي باسم وزارة الزراعة، أن أزمة التسويق، برزت خلال 12 يومًا من المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، وانعكست سلبًا على عدم قدرة مزارعي جنين على تسويق منتجاتهم، خاصة في الزراعات التعاقدية، وتوقف المصانع عن استلام المحاصيل في إثر إغلاق المعابر.
ويشير إلى أن حجم مزارع الخيار في جنين وصل إلى 6 آلاف دونم، بينما يحتاج السوق المحلي إلى ألفي دونم فقط، ومع ذلك بحثت الوزارة عن حل للأزمة مع المصانع المحلية، وقد حُلّت في حينه.
ويهيب فطافطة بالمزارعين التوجه إلى مقر الوزارة في المحافظات؛ للاستفسار عن أنسب المحاصيل والأوقات، لتجنب الخسائر بسبب الكميات الفائضة، وللتخلص من العشوائية في اتخاذ القرار.
ويصرّح أن "الوزارة ليست المسؤولة عن مهام تحديد سقف سعري للمنتجات"، بل تسعى إلى تحقيق المزارعين لأعلى الأرباح من أجل الاستمرار وتشغيل الأيدي العامة، وتطوير عجلة الإنتاج، والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي.
ووفق فطافطة، فإن الوزارة تصنع آفاقًا تصديرية للتمور والعنب وزيت الزيتون والمانجا والجوافة والليتشي، عبر شراكات مثل الشركة الفلسطينية الأردنية لتسويق المنتجات الزراعية، التي ساهمت في السنوات الأخيرة في أخذ حصة تصديرية للأسواق الخارجية.

جفاف وتلف المحاصيل وخسائر كبيرة للمزارعين الفلسطينيين
ويوضح أن تأسيس أسواق خضار مركزية ليست من مهام "الزراعة" بل منوطة بـ"الحكم المحلي"، ومع هذا، فقد ساهمت في إنشاء أسواق مركزية في الخليل وقباطية، ويجري الاستعداد لتطوير أسواق أخرى بالشراكة مع منظمة "الفاو".
تُراجع "آفاق" قائمة أسعار رسمية للخضراوات، وصلتها في 8 تموز الماضي، وتغطي 3 أشهر.
ويُلاحظ في القائمة أن أعلى ثلاثة أسعار بالكيلو كانت لورق العنب (20-28 شيقلًا)، ولعنب المائدة بـ(10-13 شيقلًا)، وللفول الأخضر (9-10 شواقل).
أما أقل الأسعار فكانت للبصل الأخضر (1-1.5 شيقل)، وللخس (1-1.25 شيقل)، وللخيار (1.65-2.5 شيقل).

جمال خورشيد الأمين العام المساعد لاتحاد الفلاحين العرب
قوة شرائية ضعيفة
ومن جانبه، يؤكد جمال خورشيد، عضو الأمانة العامة لاتحاد الفلاحين والتعاونيين الفلسطينيين، والأمين العام المساعد لاتحاد الفلاحين العرب، أن ما تشهده الأسواق حاليًا من انخفاض حاد في الأسعار لا يقتصر على بعض أصناف الخضراوات بل يصل إلى الدواجن، وهو أمر مفاجئ يستمر فترة، قبل أن يعاود الارتفاع.
ويعزو أسباب تراجع الأسعار إلى إغلاق الاحتلال للأسواق مع قطاع غزة، بسبب العدوان المتواصل منذ خريف 2023.
ويشير إلى أن المزارعين كانوا يستعدون لتصدير منتجاتهم إلى القطاع، وينتظرون هدنة بين الاحتلال والفصائل الفلسطينية، وهو ما لم يحدث.
وحسب خورشيد، فإن ضعف القوة الشرائية للمستهلكين، بسبب عدم توفر سيولة نقدية لغياب رواتب كاملة للموظفين، وانقطاع عمال الداخل منذ نحو 22 شهرًا، وانضمام فقراء جدد، أضعفَ الطلب وأجَّج الانخفاض المتواصل في الأسعار.
ويبين أن إغلاق الاحتلال لأسواقه خلال 12 يومًا من المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، فاقمَ كساد الخضراوات، مع زيادة الإنتاج بكميات كبيرة كما في البطاطا التي أنتجَ الدونم الواحد منها كمية تراوح بين 5 و6 أطنان.

فائض كبير من الفلفل الفلسطيني في الضفة الغربية لا يجد له أسواقا
ويفيد أن تذبذب الأسعار الكبير في الأسواق الزراعية، ليس "ظاهرة صحية"، خاصة أن الفلاح لا يستطيع الإنفاق على النباتات التي تعاني هبوطًا، فيجبر على التخلص منها قبل انتهاء موسمها، لوقف نزيف الخسائر اليومية، ثم يعود لزراعة محصول جديد على أمل تعويض خسائره.
والمفارقة، تبعًا لخورشيد، فإنه في فترات الارتفاع في الأسعار، وهي قصيرة غالبًا، يُفتح باب الاستيراد خاصة من تركيا لمنافسة المنتج الوطني، وحينما تنخفض يُترك المزارع وحده.
ويطالب بوجود ما أسماه "توازن عادل" بين المنتج والمستهلك، وذلك يعني المحافظة على أسعار معتدلة، دون هزات وتذبذب.
ويرى أن انخفاض أسعار الخضراوات يرُافق بارتفاع دائم لمدخلات الإنتاج، التي تتميز بوجود سعر محدد لها.
وبدوره يحث على تنظيم الدورة الزراعية، وتكريس ثقافة تحديد المساحات والأصناف والمناطق المزروعة، والعروات المختلفة.

خيار تالف في حقل فلسطيني
وفي السياق نفسه يتابع حديثه: "الزراعات التعاقدية" البعيدة عن الهزات يمكنها التخفيف من حدة الأزمة، كما فعلت في مواسم عديدة، مقارنة بالأصناف التقليدية، عبر مساهمة الحكومة في تعاقدات خارجية منظمة.
ويُشدد خورشيد على ضرورة المحافظة على المحاصيل الإستراتيجية المهمة للأمن الغذائي، ووضع لائحة أسعار استرشادية من وزارة الاقتصاد الوطني، كما تفعل مع المواد التموينية، وعدم ترك أسعار الخضراوات في مهب الريح.
وفي رأيه، مسؤولية الحل جماعية، موضحاً: "وزارة الزراعة تحدد الأصناف ومنح التراخيص ووضع المساحات والمناطق، فيما تحدد وزارة "الاقتصاد الوطني" الأسعار، وتتولى "الضابطة الجمركية" مراقبة الحدود والمعابر، بينما يقع على عاتق المستهلك الانحياز للمنتج الزراعي الوطني".
ويحذر خورشيد، من أن انهيار القطاع الزراعي يعني انهيار نصف الاقتصاد الفلسطيني، كون 40% منه يعتمد على الاقتصاد الزراعي، ويمسّ بالأمن الغذائي، ويضرب عصب الزراعة التي تشكل مهربًا وملاذًا للهزات الاقتصادية، لكن صموده أيضًا يتطلب مسؤولية وطنية.

علام خلوف مدير عام شركة المحصول الوفير
ترحيل أزمات
يصف علام خلوف مدير عام شركة المحصول الوفير في جنين، ما يجري في القطاع الزراعي منذ سنوات بـ"ترحيل للأزمات من موسم إلى آخر"، إذ تغيب الحلول الجذريةـ ليس في محصول الخيار وحده، بل في الفلفل الحار والبطاطا وغيرها.
ويقول إن المشكلة تكمن في إنتاج كميات كبيرة لمصانع الداخل التي أقفلت أبوابها، كما سد الاحتلال الحواجز ونجم عن ذلك، العجز في توفير مستلزمات الإنتاج والصيانة للمصنع، وعدم القدرة على تلقي الكميات المزروعة لحساب مصانع ووسطاء آخرين.
ويؤكد خلوف أن قدرته اليومية تستوعب نحو 120 طنًا من حقول برقين، حيث أُقيم المصنع الموسم الماضي، فيما تصله كميات مضاعفة من مناطق أخرى يتعذر عليه استقبالها.

فائض كبير في ثمار الكوسا بالضفة الغربية لا تجد أسواقا بينما الأهالي في قطاع غزة يتضورون جوعا
ووفق كلامه، فقد تراجع إنتاج الموسم الحالي إلى قرابة النصف جراء الأحوال الجوية المتقلبة خلال الربيع وشح الأمطار، مستدركاً: "لكن أزمات الخيار تكررت على نحو أعنف في 4 حزيران عام 2003، عندما أُتلف المحصول في منتصفه، وبكميات كبيرة".
ويشير إلى أن الطفرة في إنشاء الدفيئات الزراعية أضحت عقب منع عمال الداخل من الوصول، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الإنتاج، انعكست سلبًا على الأسعار، فالعام الماضي كان صندوق الفلفل الحلو بـ 70 شيقلًا، لكنه لا يجد أسواقًا ويُباع بمبالغ زهيدة.
ويعزو خلوف تفاقم أزمة كساد الخضراوات إلى تدهور القوة الشرائية للمواطنين، وزيادة العرض في الأصناف، وغياب التسويق الخارجي، والأهم عدم التخطيط للمساحات المزروعة، ودخول أعداد جديدة من المزارعين، ومنافسة الأصناف المستوردة للمحلية بأسعار أقل.
ويعقّب على مشكلة تسويق الفلفل الحار المعدّ للتخليل: "اتخذ مزارعون قرارات ارتجالية بزارعة هذا الصنف، دون التعاقد مع المصانع المحلية أو مصانع الداخل، ما أدى إلى انخفاض حاد في الأسعار، ما قد يجبر المزارعين على اقتلاع المحصول في بدايات الموسم".

مدير جمعية الإغاثة الزراعية
الحل تنظيم المساحات
يربط عاهد زنابيط مدير جمعية الإغاثة الزراعية، بين الكساد في الأسعار وغياب التنظيم للقطاع الزراعي، وإنتاج كميات كبيرة من المحاصيل، كما في حالة الخيار الذي بِيع الصندوق الواحد منه بشيقل واحد، بينما بِيعت البطاطا بمبلغ يتفاوت من 7 إلى 10 شواقل في بعض الأوقات، وهي أسعار أقل من التكلفة، أجبرت المزارعين على إتلاف كميات كبيرة من المحصول، في ظل عدم وجود تسويق في السوق الإسرائيلي.
ومن وجهة نظره، يتمثل الحل في تدخل "الزراعة" و"الاقتصاد الوطني" و"الغرف التجارية الصناعية الزراعية" لتنظيم المساحات والكميات، ووقف الزراعات العشوائية، وتحديد السقف السعري للخضراوات ليكون منصفًا للمزارع والمستهلك، ويبعده عن الهزات والتذبذب الكبير.
ويشير إلى أن "الإغاثة الزراعية" أطلقت مبادرة رمزية للقطف والشراء المباشر من مزارعي عتيل ودير الغصون، عبر متطوعين، وتقديم الخضراوات للنازحين في مخيمي طولكرم ونور شمس.
ويلفت زنابيط إلى أن العراقيل أمام التنقل بين المحافظات تسببت في تكدس البضائع، ومنعت تبادل الأصناف بين المحافظات التي فيها الكساد، كتسويق عنب الخليل في طولكرم، ونقل الخضراوات إلى الخليل.

صالح العيسة مدير الإغاثة الزراعية في جنين
تزامن الإنتاج معضلة
بالانتقال إلى صالح العيسة مدير "الإغاثة الزراعية" في جنين، يبين أن الجمعية وزعت 104 أطنان من تقاوي البطاطا الهولندية والفرنسية على 26 تجمعًا في جنين وطوباس، وأنتجت نحو 416 طنًا.
ويدافع عن قرار التوزيع وزيادة الإنتاج، بالإشارة إلى أن المعضلة ليست زيادة الإنتاج، بل في تزامن تسويقها في وقت واحد، والحل في تخزينها للمواسم التي تفتقر لهذا الصنف، تبعاً لقوله.
ويشير العيسة إلى أن ضعف القوة الشرائية يعزز الكساد، الذي يمكن السيطرة عليه بـ "روزنامة زراعية" تجدول الأصناف والمساحات التي يستوعبها السوق المحلي، ومن الممكن تصديرها الفعلي.
جدير بالذكر أن جمعية الإغاثة الزراعية سبق أن نظمت ورشتي عمل استهدفتا المزارعين؛ لإقناعهم بتنظيم صفوفهم وتحديد المساحات والأصناف المطلوبة وإدخال أنواع جديدة، وتطوير البنية التحتية الزراعية لتخزين الأنواع التي تعاني الكساد.