خاص بآفاق البيئة والتنمية
تضحك لك الدنيا أحياناً دون سابق إنذار حين تفاجئك بهطول المطر، لم نكن مستعدين لنزول الغيث في مسارنا من بلدة كفر قدوم في محافظة قلقيلية إلى بلدة كور في محافظة طولكرم، فمسارنا كان عابرًا للمحافظات.
تحرَّكَ فريق "امشِ وتعرّف على بلدك" كعادته في مساره البيئي الأسبوعي من محافظة رام الله والبيرة في اتجاه محافظات الشمال، في آخر أسبوع من عام 2024، وقبل قدوم العام الجديد؛ مودعين عاماً بما حمله من ويلات، ومستقبلين آخر، علّه يكون حاملاً بشائر النصر والفرح.
كعادته، مرَّ علي صديقي حاتم بصحبة ابنته حنين وصديقتها، ليقلّني بسيارته إلى المنارة في رام الله، حيث ملتقى الفريق للانطلاق شمالاً نحو مسارنا في كفر قدوم في أجواء شتوية مع بداية "المربعانية"، لكن المطر شحيح على ما يبدو والبرد شديد خصوصاً في الليل، وصفير الريح بارد وجاف.
تحركت الحافلة حوالي الساعة السادسة والربع صباحاً، جلست إلى جانب صديقي أبو كرم، تحدثنا في أمور عدة، لا سيما أن أمامنا "ساعة سفر" على الأقل.
سارت الحافلة في شارع الإرسال ثم انعطفت يمينًا، وسلكت شارع المبعدين إلى شارع نابلس، مررنا على مخيم الجلزون يليه دورا القرع، ومن ثم عين سينيا، وصلنا إلى تقاطع الطرق قرب عيون الحرامية، ومن ثم اتجهنا شمالاً باتجاه سنجل وترمسعيا واللبن الشرقية والساوية، حتى وصلنا إلى مفترق زعترة، ثم اتجهنا يساراً نحو الشارع المؤدي إلى جماعين، ووصلنا إلى المفترق الذي يؤدي لمجموعة قرى مثل بديا، وكفر ثلث، ودير استيا.
سرنا في الشارع المعروف بــ "وادي قانا"، ومررنا على بلدة جينصافوت، ومن ثم وصلنا إلى بلدة حجة، ومنها اتجهنا صوب كفر قدوم، حيث بداية مسارنا.
وفي طريقنا انضم لنا أبو غيث وإبراهيم زعرور، فيما قدّم لنا دليلنا عبد الفتاح شرحاً عن المسار، مع تذكيره بشروط وقواعد المشاركة، وأخبرنا أن رئيس مجلس قروي كفر قدوم اعتذر عن استقبالنا بسبب ارتقاء شهيد من القرية.
مشاهد مذهلة في المسار
متوسط الصعوبة ومعظمه سهلٌ مسارنا، وقد بدأ من بلدة كفر قدوم في محافظة قلقيلية نزولاً لوادي أبو جاموس، إذ استمررنا في السير في الوادي بين أشجار الزيتون وصولاً لوادي القاضي، وبعدها وادي أبو يعقوب، ومن ثم انعطفنا يساراً صعوداً إلى قرية كور في محافظة طولكرم، وصلنا إلى القرية وبعدها أجرينا جولة في البلدة القديمة.
تقدمت المسار بصحبة محمد سمامرة ود. صبحي كايد، وحطّت بنا الحافلة على جانب الطريق في كفر قدوم، كان أهل القرية يغطّون في نوم عميق، فالأجواء شتوية والسماء ملبدة بالغيوم، ودرجات الحرارة منخفضة، ونسائم ريح باردة هبّت علينا.
سِرنا في طريق أسفلتية تحفها أشجار الزيتون على الجانبين، بينما براعم العشب الأخضر بدأت في النمو تحت الأشجار، ويا له من مشهد بديع.
صعدنا للأعلى وسرنا غرباً في طريق ترابية، وإذ ببلدة بيت ليد تلوح لنا، ولو أن الجو كان صافياً لشاهدنا الساحل الفلسطيني.
أرسلت الشمس خيوطها لتبعث الدفء في أجسادنا، ورأينا سهولًا واسعة مغطاة بأشجار الزيتون الرومي، وأراضٍ اُستصلحت لزراعتها بالزيتون، وجدران بُنيت من القلاع الحجرية كي تحيطها.
وفي أثناء نزولنا مرَّ رئيس مجلس قروي كفر قدوم مرحبًا بنا، في تلك الأثناء سمعنا انفجار الصواريخ البالستية "الفرط صوتية"، التي أطلقتها اليمن نحو مطار بن غوريون تضامناً مع فلسطين ومقاومتها الباسلة، مما رفع معنوياتنا وأشعرنا بالنشوة والسرور، خصوصاً بعد معاناة لا توصف ما زال يعيشها أهلنا في غزة، وكان آخرها تدمير وحرق مستشفى كمال عدوان، أمام صمت عربي ودولي مؤلم.
تابعنا الصعود في الطريق المعبدة، ثم انعطفنا يسارًا، وأخذنا ننزل في وادي أبو جاموس، وبعد أن قطعنا حوالي ستة كيلومترات تلبدت الأجواء وبدأت أمطار خفيفة في الهطول، ولا شيء يشبه جمال المشي تحت المطر إلا لقاء حبيبين بعد فراق، وهنا ثقلت أرجلنا من الطين الذي لصق بأحذيتنا، وأصبح المشي صعباً على الأرض الطينية.
اشتد هطول المطر وكان لا بد من الاحتماء منه تحت أشجار البلوط على جانب الطريق، انتظرنا قليلاً وبعدها تابعنا سيرنا، وانعطفنا يسارًا، ثم صعدنا تجاه بلدة كور فانعطفنا نحو اليمين، مررنا على منطقة أثرية محفورة في الصخر، ويبدو أنها معاصر عنب كانت تُستخدم لصنع النبيذ، كما قال لي "أبو كرم".
وصلنا إلى شجرة كينا ضخمة واسترحنا تحتها، وبعدها اتجهنا يساراً في طريق ترابية صاعدة، المشهد من هنا بدا مذهلًا، ما أن رأينا بلدة كفر قدوم على يسارنا، متربعةً فوق الجبل، وهي قرية فلسطينية تتبع محافظة قلقيلية، تقع على بعد 18 كم شرق المدينة، في اتجاه نابلس.
التسمية:
كلمة (قدوم) تحريف لكلمة (قداما) السريانية بمعنى السبَاق أو المتقدم، فيكون المعنى "القرية السباقة" أو "القرية المتقدمة"، وفيها مقام يُعرف بـ (مقام الخليل) في البلدة القديمة، وبعض أهلها يقولون إن النبي إبراهيم الخليل قد مر عليها، وختنَ نفسه فيها بواسطة (القدّوم) وهي أداة كالشاكوش أحد طرفي مطرقتها مسطّح، والآخر حاد.
صحيح أننا لم نزر هذه الأماكن، ولكن لا بد أن نشير إلى أنه يقع بجوار كفر قدوم مواقع أثرية، وهي:
خربة بيزين: في الشمال الشرقي من القرية. وهي قرية بيزين التي اقتطعها الظاهر بيبرس عام 663 هـ- 1265 م، مناصفة لقائديه، وهما الأمير جمال الدين آيد غدي الحاجي الناصري والأمير بدر الدين بيليك الإيدمري الصالحي، وتحتوي هذه الخربة على "شقف فخار" على وجه الأرض، وصهاريج، ومغر، ومحرس.
بيت سلوم: تقع إلى الشمال الشرقي من كفر قدوم، وتحتوي على أساسات وأكوام حجارة، وفي شمالها مدافن وصهاريج منقورة في الصخر.
خربة الدالية: تقع شمال القرية.
مقام إبراهيم: مقام في القرية يُعرف بـهذا الاسم.
الوصول إلى كور
تحت زخات المطر المتقطعة، وصلنا إلى ضواحي بلدة كور، ورأينا آثار بناء متهدم من جهة اليسار، صعدنا إليه، وإذ به غرفة لها بقايا أقواس من النواحي الأربعة، وتتوسط مقبرة إسلامية، ولربما كانت مقاماً في هذا المكان المرتفع، تتمتع بإطلالة فريدة، وفيها قبور بلا شواهد.
بالمختصر، مشهد السهول والجبال والغيوم كان ساحراً، بينما أشعة الشمس تتخللّها لتكمل اللوحة.
تابعنا السير حتى بلغنا بلدة كور وقد اشتد هطول المطر، واستقبلنا آدم الجيوسي وهو من أهل البلدة، ثم توجهنا بصحبته إلى قصر الشيخ يوسف الجيوسي.
تقع قرية كور إلى الجنوب الشرقي من مدينة طولكرم، وترتفع عن سطح البحر370 م، وتطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهي تبعد عنها 12 كيلومتر فقط، وتحيط بالقرية من الشمال قريتي شوفة وسفارين، ومن الجنوب أراضي كفر زيباد، ومن الشرق كفر قدوم، ومن الغرب أراضي قرية كفر صور.
وإذا ما ذهبت من طولكرم إلى كور ستمر بقرية فرعون، وقرية جبارة "واد التين"، وقرية "الراس"، وعند وصولك إلى مشارف كور صعوداً أيضاً، ستطلُّ عليكَ مبانيها القديمة، وتشاهد في جهتها الشمالية آثارًا تعود للدولة العثمانية، وفي جهتها الجنوبية آثاراً تعود للعصر المملوكي.
هناك حيث يلتقي الإبداع العمراني بجمال الطبيعة النقي، قرية صغيرة على أرضها أحد عشر قصراً، يسكنها 350 نسمة، يعودون بنسبهم جميعاً إلى جدهم حرب الجيوسي الذي أسس القرية قبل 600 عام، وتُعد كور إحدى قرى الكراسي في عصر الإقطاع، زمن الأتراك العثمانيين.
وكور قرية أثرية متكاملة، وأنموذج للحضارات المتعاقبة بدءاً من الرومانية وانتهاء بالعثمانية، لاحتوائها على آثار شامخة حتى اللحظة؛ تدلل على عصر المماليك والعثمانيين، كما تحوي أيضًا معالم أثرية ومقامات من العصور البيزنطية والرومانية.
دخلنا قصر يوسف الجيوسي عبر بوابة معدنية مثبتة على أحد أقواس حجرية مقنطرة، ومنها دلفنا إلى فناء محاط بأروقة ذات أقواس مدبّبة (والمعروفة بالخُمس) حوله، بعضٌ منها أُغلق والأخرى بقيت على حالها.
لاحظنا أعمال ترميم في المكان، ويحق للزائر أن ينتابه الذهول من فخامة وأبهة القصر، كانت الساعة العاشرة صباحاً حين دخلنا إحدى الغرف لتناول وجبة الفطور واحتساء الشاي، الذي أعدّه لنا شادي قواسمي.
التقينا بالسيد بسام الجيوسي، الذي أعطانا نبذة عن قصر يوسف الجيوسي، وحسب روايته أنه بُني قبل حوالي 300 عام، وأما القصر المجاور وهو لعبد الله الجيوسي، فهو أقدم وأفخم من الأول.
قصور كور، تلك اللوحة العمرانية التي تعود إلى عهد المماليك، ومنها ما يعود إلى الحقبة العثمانية، اكتسبت أهميتها من ضخامتها وعمارة بنائها، فجدرانها تزدان بالزخارف المنقوشة على الحجر، وبنوافذها الضيقة، فضلاً عن قطع الفخار الممزوجة في هيكلها وأدراجها الصاعدة المتعرجة.
حقاً مثل هذه القصور، تُدخل إلى القلب شعور العظمة والمجد، لنستشعر أصالة ذلك الزمان الذي بُنيت فيه، لتؤكد إبداع وصبر الرجال في الماضي.
إذ صُممت قصور القرية تصميماً متينًا من الناحية العمرانية، وقد ساعد الدور التاريخي والجغرافي على بقائها.
وبحسب الرواة وبعض كبار السن فقد كانت تلك القصور مركزاً لشيوخ الجياسة من بني صعب الذين حكموا المنطقة قديماً، وقد كانت أيضاً في حقبة العثمانيين مركزاً للحكم والقيادة، حتى باتت كل زاوية من زوايا المكان تروي قصصاً شتى، لقصور بُنيت للحياة وقلاع عسكرية وحربية جُهزّت للحروب والاعتداءات.
وعندما تقف بين جدران هذه المباني التاريخية العملاقة، حتماً ستنبهر بجمالها وفن عمارتها الذي يفوح منه عبق الماضي وأصالته، كيف لا وقد تعاقبت عليها حضارات مختلفة، تركت كل حضارة منها بصمة تاريخية لا تزال حتى يومنا هذا.
سبب التسمية
دُعيت كور بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة عربية من جرم طيء نزلتها في العصور الوسطى، أما كلمة كور فتعني في اللغة -مجمرة الحدّاد-.
وكور عبارة عن قرية أثرية متكاملة، تشتمل مبانيها التي تكثر فيها الأبواب والنوافذ ذات الأقواس على صور زخرفية هندسية وأرابيسك، وتعلوها عشرات القباب، ويلتصق المسجد الأثري للقرية بمسجدها الجديد، في صورة تجمع بين الماضي والحاضر.
كما تختلط البيوت القديمة بالبيوت الحديثة، وتحوي بقايا حصن وبرج من حجر، ويغلب عليها الطابع الأثري تماماً، حيث أن السكان ما زالوا يعيشون في البيوت القديمة التي شُيّدت منذ مئات السنين.

هذه البيوت الأثرية مقبّبة بقباب كبيرة وذات زخارف هندسية داخلها، وعموماً البيوت جميعها مكونة من طابقين، وهي ضخمة وذات أهمية وهيبة، ومبنية من الحجارة، وتزينها من الداخل أطباق من الخزف وزخارف حجرية على بوابات ونوافذ هذه العمائر الأثرية.
كما يوجد على بعض منها زخرفة أرابيسك من الفخار، وهذه الزخرفة الإسلامية على شرفات العمائر، لمنع الرجال من رؤية النساء داخلها، بينما تتمكن النساء من رؤية الداخل إلى المنزل أو القصر؛ دون أن يراها الرجال.
ولا شك أن الحفاظ على هذه الآثار من قصور وقلاع يبقى واجباً وطنياً، وله الأولوية المطلقة، نظراً لكونها إرثاً معمارياً وحضارياً لفترة زمنية؛ تمتعت فيه البلدة بالقوة والجبروت.
ومن المؤكد أن إعادة إحياء هذه القصور وترميمها وزيادة السياحة الداخلية إليها، يحييها من جديد، ولا بد من سعي وزارة السياحة والآثار لإدراج قرية كور على لائحة التراث العالمي.
ولعلك في ساعة واحدة لا يمكنك الإلمام بهذا الإرث العظيم، بل تحتاج ربما لنهار كامل، لتتمكن من التقاط وتوثيق كل زاوية فيها ليتسنى وصفها بدقة، ويمضي الوقت سريعاً وما يلبث أن يأتي صوت دليلنا عبد الفتاح يحثنا على مغادرة المكان؛ فالحافلة تنتظر.
نتحرك على عجل، وعين لنا في الخلف والأخرى تنظر إلى الأمام، ورأسنا تدور فيه كثير من الأفكار والهواجس حول كيفية إعادة الحياة لمكان مهجور، كان يعجّ سابقاً بالحياة والناس.
تحديات لا تنتهي من الاستيلاء والتهجير والاستيطان، فيما نحن نستمر في الحلم بأن تأتي اللحظة التي سنتنفس فيها هواءً نقيًا خاليًا من الاحتلال، ونبني مستقبلاً زاهراً للأجيال القادمة، وذلك السؤال يلّح علينا "هل سنشهد ميلاد دولتنا في العام الجديد؟" وليس بيدنا إلا التفاؤل.
نعود أدراجنا إلى رام الله حوالي الساعة الواحدة ظهراً، بعد أن قطعنا أحد عشر كيلومتراً، كانت ثيابنا مبللة من الأمطار المنهمرة، لكننا استمتعنا حقاً بهذا المسار الذي مشينا فيه لأول مرة، ولا بد من شكر دليلنا "أبو محمد" على اختياره لمكان من أهم الأماكن حضارة وتاريخاً وجمالاً في بلادنا فلسطين، مهد الحضارات والديانات.