جدل الاستملاك في مدينة البيرة: الأهالي يعترضون والبلدية تبرر بخدمة الثقافة والتراث
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في صباحات البيرة القديمة، كان الهواء يعبق برائحة العنب والتين، وكانت كرومها المترامية تجذب العائلات الفلسطينية وحتى الأجانب الذين يقصدونها صيفاً لجمال طبيعتها. الحواكير والسناسل الحجرية كانت حكايات أجيال متعاقبة، والبيوت العتيقة ذات النوافذ الخشبية كانت شاهدة على طفولات وأفراح وأحزان مرّت بين أزقتها. لكن هذه الصورة الآسرة بدأت تتبدد شيئا فشيئا، مع تزايد الزحف العمراني الذي يحوّل المدينة تدريجيا إلى غابة من الإسمنت. وسط هذا التحول، جاء إعلان بلدية البيرة عن استملاك أراض في البلدة القديمة، ليشكّل صدمة لعائلات ورثت هذه الأراضي عن أجدادها جيلاً بعد جيل، فيما تؤكد البلدية أن توجهها يهدف للحفاظ على تراث المدينة من الاندثار.
|
 |
| حجارة المبنى الذي يعود إلى نحو 100 عام على الأقل |
في صباحات البيرة القديمة، كان الهواء يعبق برائحة العنب والتين، وكانت كرومها المترامية تجذب العائلات الفلسطينية وحتى الأجانب الذين يقصدونها صيفاً لجمال طبيعتها. الحواكير والسناسل الحجرية كانت حكايات أجيال متعاقبة، والبيوت العتيقة ذات النوافذ الخشبية كانت شاهدة على طفولات وأفراح وأحزان مرّت بين أزقتها.
لكن هذه الصورة الآسرة بدأت تتبدد شيئا فشيئا، مع تزايد الزحف العمراني الذي يحوّل المدينة تدريجيا إلى غابة من الإسمنت. وسط هذا التحول، جاء إعلان بلدية البيرة عن استملاك أراض في البلدة القديمة، ليشكّل صدمة لعائلات ورثت هذه الأراضي عن أجدادها جيلاً بعد جيل، فيما تؤكد البلدية أن توجهها يهدف للحفاظ على تراث المدينة من الاندثار.

عائشة مع أصدقاء ومتطوعين في (فزعة) لتنظيف حاكورة عائلتها
ذكريات الطفولة على حجارة الدار القديمة
عائشة منصور، التي تملك مع عائلتها "حاكورة" ومنزلاً قديما قرب مبنى البلدية، عاشت أجمل لحظات طفولتها بين أشجارها وحجارتها. تقول بصوتٍ تختلط فيه الحسرة بالحنين: "هذه الحاكورة إرث عائلتنا وإرث المدينة ككل. ليس الإرث في البناء فقط، بل في الأرض والسناسل والحجارة القديمة التي ميّزت البيرة. بيتنا الذي يريدون ترميمه يعود إلى بدايات القرن الماضي، شهد طفولتي وطفولة أجدادي، وأمي كانت تروي لي كيف كان الأجانب يستأجرون بيوت البيرة صيفا من شدة جمالها وغناها بكروم العنب والتين".
وتتابع: "فوجئت بالاستملاك، لم يبلّغونا رسميا، عرفت بالأمر عبر إعلان في صفحة البلدية على فيسبوك. عندما قدّمت الاعتراض، قالوا لي إنهم يريدون ترميم البيت وتحويله إلى مركز ثقافي والحاكورة إلى موقف سيارات".
اعتراض عائشة ليس على الترميم بحد ذاته، بل على الاستملاك، إذ تؤكد: "لا مانع لدينا من الترميم، لكن لماذا يريدون نزع الملكية؟ يمكنهم الترميم مقابل استفادتهم منها للمصلحة العامة لسنوات طويلة، لكن ليس بطريقة الاستملاك".

اعتراض عايشة منصور على إعلان البلدية
عائشة ليست وحدها في رفضها؛ فهي اليوم تتواصل مع أقاربها داخل فلسطين وخارجها لإبلاغهم بما جرى، بعدما اكتفت البلدية بنشر إعلان إلكتروني، دون مراعاة أن كثيراً من المالكين مغتربون خارج البلاد.
مازن عوض الله، الذي يملك مع أشقائه الستة قطعة أرض فارغة قرب مبنى البلدية، يتذكر طفولته فيها بحنين بالغ: "هذه الأرض ليست مجرد مترات مربعة. هنا لعبت مع أصدقائي، هنا حكايات طفولتي وإرث أجدادي. نعم، نحن مع مصلحة البلد، لكن هناك طرق أفضل، كان يمكن للبلدية أن تشرح طبيعة الاستخدام، أن تستمع لنا، وأن تعوّضنا بشكل عادل إذا كانت هناك ضرورة حقيقية."
قدّم مازن اعتراضا للبلدية، لكنه يشعر أن أسلوب الاستملاك يفتقر إلى الشفافية والحوار مع الأهالي. يقول بأسف: "كان يمكن أن نخدم مدينتنا ونحافظ على إرثنا في الوقت ذاته، لكننا لم نجد من يشرح لنا بصدق أين تكمن المصلحة العامة".
تعترض العائلات على أن الهدف المعلن لتحويل "الحواكير" إلى مواقف سيارات أو طرقات يناقض رؤية البلدية ذاتها التي تتحدث عن حماية المساحات الخضراء. بل إن عائشة نفسها تتساءل: "أين المصلحة العامة في تحويل الحاكورة إلى موقف سيارات بينما هناك موقف كبير آخر مقابل مبنى البلدية؟ لماذا تُزال آخر ما تبقى من الأماكن الخضراء؟"
 |
 |
| في زقاق البيرة |
واجهة المبنى من زاوية أخرى |
البلدية: "الاستملاك لحماية التراث"
قالت المديرة العامة لبلدية البيرة، ديما جودة وحيدي، إن الهدف من إعلان الاستملاك هو الحفاظ على المباني القديمة من التآكل والإهمال وحماية هوية المدينة من الاندثار، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي ضمن مشروع البلدية للحفاظ على التراث المادي والمعماري للمدينة.
وأوضحت في حديثها لآفاق البيئة والتنمية، أن العديد من المباني المستهدفة بالاستملاك تتميز بخصائص معمارية لافتة، مثل الأقواس والأعمدة الحجرية، وهي عناصر تشكل ملامح أصيلة لهوية البيرة المعمارية.
وعند سؤالها عن سبب عدم لجوء البلدية إلى توقيع اتفاقيات "حق منفعة" مع المالكين بدلاً من الاستملاك، قالت جودة وحيدي، إن أحد المباني المشمولة في الإعلان يضم 19 وريثاً، بعضهم غير مقيمين في فلسطين، الأمر الذي يجعل الوصول إليهم جميعاً والحصول على موافقتهم مسألة معقدة وصعبة، وبالتالي كان خيار الاستملاك هو الأنسب في هذه الحالة.

مبنى عائلة عائشة منصور البيراوية
وأضافت" :في حال وجود إمكانية للوصول إلى جميع المالكين والورثة، يمكن توقيع اتفاقية حق منفعة، بحيث تقوم البلدية بترميم المبنى واستخدامه لفترة زمنية محددة للمصلحة العامة، على أن يُعاد إلى مالكيه بعد انتهاء هذه الفترة."
وبخصوص المبنى الذي تعود ملكيته لعائلة عائشة منصور، أوضحت جودة وحيدي أنه يقع في حوش دار عابد في البلدة القديمة، وأن قطعة الأرض المستهدفة تشكل منفذاً مهماً للمبنى من حيث توفير الطرق ومواقف السيارات، لافتة إلى أن هذه القطعة مهملة ويوجد لها عدد كبير من الورثة يصعب التواصل معهم جميعاً.
أما عن أوجه المنفعة العامة، فأشارت المديرة العامة للبلدية إلى أن تشغيل المباني المستملكة سيتم لصالح مؤسسات ثقافية وتراثية، موضحة: "نحتاج إلى مقرات لمؤسسات تُعنى بالثقافة، مثل إحياء الخط العربي، إضافة إلى مساحات لتنظيم النشاطات التي تعزز الهوية التراثية للمدينة."
وفيما يتعلق بالاعتراضات المقدمة من الأهالي، أكدت جودة وحيدي أنه سيتم دراستها بعناية قبل رفعها إلى وزارات الحكم المحلي والمالية ومجلس الوزراء ومكتب الرئيس، مضيفة: "نلتزم بالحياد والعدالة في التعامل مع الاعتراضات، ونتخذ قراراتنا بما يحقق المصلحة العامة."
أما بشأن آلية التعويض في حال المضي قدماً في الاستملاك، فأوضحت أن القانون ينص على تشكيل لجنة من وزارات الحكم المحلي والأشغال والمالية وسلطة الأراضي، إضافة إلى مخمّنين خارجيين، لتقدير قيمة الأرض حسب أسعارها الحالية، ومن ثم تعويض المالكين بقيمة عادلة.

مبنى عائلة عائشة منصور في البيرة
خبير قانوني: الإعلان يفتقر للوضوح ويتجاهل القيمة التاريخية
قال الخبير القانوني فراس كراجة لآفاق البيئة والتنمية، إنه بعد استيضاحه من سكان المنطقة تبيّن أن الأراضي المستهدفة، بما عليها من بيوت وحواكير، تحمل قيمة تاريخية وأثرية كبيرة في وجدان أهالي البيرة، حتى وإن لم تكن مصنفة رسميا كمواقع أثرية في سجلات وزارة السياحة والآثار.
وأوضح كراجة أن الإرث لا يُقاس فقط بالتصنيف القانوني، بل بقيمته المعنوية والثقافية وارتباط الناس به عبر الأجيال، مشيرًا إلى أن الحواكير القديمة والسناسل الحجرية في البيرة جزء أصيل من تاريخ المدينة وذاكرتها، وهو ما يستدعي احترام هذه القيمة عند اتخاذ أي قرارات تتعلق بمصيرها.
وعبّر كراجة عن استهجانه لإعلان البلدية، معتبرا أنه جاء مبهما ولم يوضّح طبيعة المشاريع المزمعة أو أوجه المنفعة العامة التي تبرر نزع الملكية، وهو ما زاد من حالة الاستياء والرفض لدى الأهالي.
وقال: "الموقف الذي عبّر عنه الأهالي مبرّر تماما، ليس فقط لغياب الوضوح في الإعلان، بل لأن الإجراء نفسه يتجاهل البعد التاريخي والإنساني للأراضي. حتى لو لم تكن مصنفة كأثرية، فإن قيمتها الحقيقية لا يمكن إنكارها، وهذا وحده كافٍ للنظر إليها بخصوصية واحترام."
وأضاف كراجة أنه يشجع المتضررين على تقديم اعتراضات رسمية باعتبارها حقا قانونيا مكفولا لهم، بل ويحثّهم على الطعن في القرار أمام المحاكم المختصة في حال أصرّت البلدية على الاستملاك دون توضيح المنفعة العامة بشكل مقنع أو تقديم تعويض عادل يتناسب مع القيمة المعنوية والتاريخية للأرض.

مبنى عائلة عائشة منصور
وأكد أن أي استملاك للأراضي الخاصة يجب أن يكون مبررا بشكل واضح ويحقق مصلحة عامة حقيقية ومحددة، مع التزام الجهة المستملكة بتقديم تعويض منصف وعادل، لافتا إلى أن إغفال هذه الشروط يضعف قانونية القرار ويعطي للمتضررين الحق الكامل في اللجوء إلى القضاء للطعن فيه.
وختم كراجة حديثه بالتأكيد على أن هذه الأراضي ليست مجرد "مترات من الأرض"، بل جزء من هوية البيرة وذاكرة أهلها، وأن المساس بها دون مبررات واضحة يمثل مساسا بالإرث الثقافي والاجتماعي للمدينة.
وبينما تتمسك عائلات البيرة بحقها في أراض وبيوت ورثتها، وترى فيها جزءا من ذاكرتها وإرثها الثقافي، تؤكد بلدية البيرة أن هدفها من الاستملاك هو حماية هذه المباني من الإهمال والحفاظ على هوية المدينة المهددة بالاندثار.
الجدل القائم يعكس تصادم رؤيتين مختلفتين للمصلحة العامة؛ رؤية الأهالي الذين يخشون فقدان ملكيتهم لصالح مشاريع قد تغيب التاريخ والذاكرة، ورؤية البلدية التي ترى في الاستملاك حلا عمليا أمام صعوبة الوصول إلى جميع الورثة والملاك.

إعلان الاستملاك الصادر عن بلدية البيرة