يعالج التقرير التالي مخطط الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على بئر المسعودية، ما سيشكل كارثة على محافظة نابلس، فالبئر تغذي شبكة المياه في المدينة والقرى المجاورة، وفي حال الاستيلاء عليها، فإن أمن المياه لمئات آلاف المواطنين سيغدو مهددًا. ما يحدث في بئر المسعودية لا يتصل فقط بعدوان على مورد مائي، بل هو هجوم مباشر على صمود الإنسان الفلسطيني، وقدرته على الزراعة والبقاء والعيش بكرامة، فالماء هنا لم يعد مجرد حاجة يومية، بل عنوان معركة سيادة ومقاومة في وجه منظومة استيطانية، تحرق الحقول لتفرض وجودها بالقوة.
سيارة حارس بئر المسعودية بعد حرقها من قبل المستوطنين
في ظلام ليلة الجمعة، عند تخوم بلدة سبسطية التاريخية، كان كرم نزال، الموظف المناوب ومراقب المياه على بئر المسعودية، يتابع كعادته مراقبة مصدر الماء الوحيد الذي يغذي شمال غرب نابلس، لم يكن يدري أن تلك الليلة ستقلب حياته رأسًا على عقب.
"سمعت صوت انفجار عنيف، نظرت بواسطة الكاميرات، وإذا بأربعة مستوطنين يطلقون قاذفًا على سيارتي". يقول كرم بصوت مرتجف، مستعيدًا لحظة الرعب التي عاشها حين اخترقت القذيفة سور البئر المحصن، واشتعلت سيارته كاملة في أقل من خمس دقائق.
لم يكن هجومًا عاديًا، قذائف حارقة أُطلقت عن بعد، مُصمَّمة للإرهاب أكثر مما هي للهجوم، وكانت الطرق المؤدية إلى الموقع قد سُدت بحواجز من جيش الاحتلال – كما يقول – لمنع وصول سيارات الإطفاء.
حُوصر كرم في قلب النيران، ونجا بمعجزة، لكنه لم ينجُ من آثارها النفسية، ومنها اضطرابات النوم، وفزع ليلي، وعجز تام عن العودة إلى عمله الذي شغله طيلة 18 عامًا.
"من يوم الحادث، حياتي تغيرت، بطلت أقدر أرجع على البير"، يقول الرجل الذي تحوَّل من حارس مخلص إلى ضحية.
لكن الحادث ليس معزولاً، إذ تشهد المنطقة منذ أكثر من عام ونصف تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، وأهمها مصادرة الأراضي، وحرق المحاصيل، وترويع ممنهج للرعاة والمزارعين.
تفقد محافظ نابلس غسان دغلس اثار حرق المستوطنين لسيارة حارس بئر المسعودية أثناء عمله
"المنطقة مش بس مستهدفة، هم رصدوا لها ملايين الشواقل.. بدهم يزرعوا 51 ألف مستوطن من مستوطنة شافي شمرون لصانور"، يقول كرم، مشيرًا إلى مخطط استيطاني واسع النطاق يهدف للسيطرة الكاملة على المنطقة الممتدة من حومش وحتى أراضي سبسطية.
أمام هذا الواقع، يبدو أن بئر المسعودية – الذي يعود إنشاؤه لعام 2010 ويخدم عشرات آلاف السكان – بات في عين العاصفة، فاستهدافه لم يكن فقط لاستهداف منشأة مياه، بل محاولة واضحة لبث الرعب في نفوس العاملين والمزارعين، تمهيدًا لإفراغ المنطقة من أهلها وترك الأرض بلا شهود.
"الهدف من الهجوم على البئر إخراج المواطنين من السهل، وخلق منطقة أمنية مغلقة للمستوطنين"، يقول خالد سالم عضو لجنة إعمار المسعودية، مضيفاً: "بئر المسعودية ليس مجرد مصدر مائي تقليدي، بل هو أكبر بئر مغذٍ للمياه في نابلس، ويقع ضمن حوض مائي حساس وسط سهل خصب تبلغ مساحته نحو 2000 دونم، يربط بين أربع قرى "رامين، سبسطية، برقة، وبزاريا".
يحوي السهل كنوزًا أثرية نادرة، حسب حديث سالم، ومنها بابور البيك، وقوسين السيل، وخربة أوريا، وخربة منحس، والبوبرية، وجميعها عرضة لاعتداءات المستوطنين المتكررة، خاصة بعد أن بدأ نمط جديد من الاستيطان يُعرف بـ"الاستيطان الرعوي"، حيث جلب المستوطنون قطعانهم إلى المنطقة، واستولوا على أراضٍ زراعية ومواقع تراثية، ومنعوا المزارعين من الوصول إليها.
أثناء اخماد الحريق الذي نشب في الحقول جانب بئر المسعودية من قبل المستوطن الرعوي
هجمات متكررة وشقّ طرق التفافية
يقول سالم إن المستوطنين حاولوا أكثر من مرة سقي أغنامهم من بئر المسعودية، وعندما رفض العامل المسؤول السماح بذلك، هاجموا البئر ورشقوه بالحجارة، بهدف إرهاب الموظفين وطردهم، معتبراً أن اعتداءاتهم جزء من خطة إسرائيلية شاملة للسيطرة على المياه والمكان.
وأخطر ما كشفه عضو لجنة إعمار المسعودية، هو أن هناك مخططات رسمية إسرائيلية لشق طريق التفافي جديد، صادرَ بموجبه جيش الاحتلال نحو 1000 دونم من أراضي دير شرف، ورامين، والناقورة، وسبسطية، هذا الطريق، يربط مستوطنة "شافي شمرون" بشبكة المستوطنات في شمال الضفة، ويمر بمحاذاة البئر، ويعزل سهل سبسطية عن قراه الأصلية.
ويوضح سالم: "الخطة تسعى إلى تحويل السهل إلى منطقة عسكرية مغلقة، ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه، على مستوى الزراعة والاستفادة من المياه، المخطط لا يترك شيئًا للمصادفة، كل شيء مدروس، حتى الراعي الذي يُطلق أغنامه هنا جزء من هذه الإستراتيجية".
ويعرب عن قلقه من عواقب سيطرة الاحتلال على بئر المسعودية، مبينًا: "حينها ستحل كارثة على محافظة نابلس، فالبئر تغذي شبكة المياه في المدينة والقرى المجاورة، وفي حال الاستيلاء عليها، فإن أمن المياه لمئات آلاف المواطنين سيغدو مُهددًا".
حوض مائي غزير ومستهدف
من جانبه، يحذر أنس البرق مدير دائرة المياه في بلدية نابلس، من خطورة فقدان السيطرة على بئر المسعودية غرب المدينة، معللاً: "نحن نتحدث عن بئر تُنتج نحو 280 مترًا مكعبًا من المياه في الساعة، أي ما يمثل 25% من إجمالي إنتاج نابلس المائي في فصل الصيف، وأكثر من 30% في بعض الأوقات".
وتقع البئر في المنطقة B وفق تصنيفات اتفاق أوسلو، لكن محيطها يقع في المنطقة C الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ما يجعلها عرضة للاقتحامات وتهديدات المستوطنين.
يؤكد البرق أن الموقع الذي تقع فيه البئر يعد واحدًا من أغزر الأحواض المائية في شمال الضفة الغربية، ولم تظهر عليه حتى الآن مؤشرات تراجع أو نضوب، وقد حصلت بلدية نابلس على ترخيص تشغيل البئر عام 2009، وبدأ تشغيلها عام 2010.
لكنه يلفت إلى أن منع سلطات الاحتلال حفر آبار جديدة في المنطقة يعقّد أي محاولة لتعويض البئر في حال فقدانها.
"يمنع الاحتلال تنفيذ مشاريع المياه في تلك المنطقة بسبب أهميتها الهيدرولوجية، ما يجعل من الصعب تعويض أي مصدر يُستولى عليه" يقول البرق.
المشروع المعطَّل: ري الأراضي بمياه معالجة
وتطرق في حديثه إلى مشروع حيوي طورته بلدية نابلس بالتعاون مع وكالة GIZ الألمانية، ويهدف إلى استخدام المياه المعالجة من محطة تنقية دير شرف، إلى المنطقة المستهدفة، وقد أُنشئ خزان رئيس لهذا الغرض، وكان من المتوقع إنشاء شبكة توزيع للمزارعين، إلا أن المشروع توقف أخيراً بسبب تدخل المستوطنين.
"المستوطنون تعمدوا تعطيل المشروع، واعتدوا على خطوط المياه، ومنعوا الطواقم من استكمال أعمال التركيب، في محاولة لإفشال أي تطوير فلسطيني في المنطقة".
وشمل المشروع شبكة ري وخزان مياه لخدمة نحو 3000 دونم من الأراضي الزراعية، من أجل تعزيز صمود المزارعين، غير أن تكرار الاعتداءات حال دون استمراره.
وعن أفاعيل المستوطنين، يخبرنا أنهم ترددوا حول البئر في مرات سابقة، وقاموا بتشغيل سماعات، وإطلاق أصوات، ورشق الحجارة، مستدركاً حديثه: "لكن الهجوم الأخير كان هو الأعنف والأخطر، حيث اشتعلت النيران في الموقع، ومُنعت طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى البئر لإطفاء الحريق، ما كشف مستوى التنسيق بين المستوطنين وجيش الاحتلال".
المؤسسات الدولية تصمت
سألنا مدير دائرة المياه في بلدية نابلس عن موقفهم من هذا الاعتداء السافر، وكان جوابه: "تحركنا فورًا بعدها، وتم رفع مستوى الحماية، وركّبت البلدية حينها شبكًا حديديًا متينًا حول البئر في مطلع حزيران 2025، كما بدأت في تركيب كرفان دائم للحراسة، وكاميرات مراقبة، ونظام إنذار مبكر".
وبدوره أشاد البرق بتعاون أهالي القرى المحيطة بالبئر، من سبسطية ورامين وبرقة، ووصفه بـاللافت، "حيث يهبّ السكان فور أي طارئ لحماية الموقع، ما يشكل رديفًا مجتمعيًا مهمًا أمام غياب الحماية الرسمية".
وفي إجراء آخر، وجهت البلدية بلاغًا رسميًا عبر دائرتها القانونية، إلى الجهات الرسمية مثل المحافظة، والارتباط الفلسطيني، وسلطة المياه، كما أُبلغت بعض الجهات الدولية والصليب الأحمر، دون أن يصدر حتى الآن موقف واضح منها، مع أن مؤسسات دولية زارت الموقع بعد الاعتداء، وأجرت لقاءات مع الموظفين العاملين هناك، تبعاً لقوله.
ويختم حديثه مع مراسلتنا: "نأمل ألا يكون صمت المجتمع الدولي مقدمة لصمت أطول على جريمة تطال موردًا حيويًا لأكثر من مئة ألف إنسان".
اعتداءات تجاوزت كل الخطوط
يحمل الناشط ذياب حجة، عضو لجنة إعمار المسعودية، في جعبته تفاصيل عن واحد من أكبر الآبار في أراضي السلطة الفلسطينية، يقول: "في قلب سهل خصب يتوسط قريتي برقة وسبسطية شمال غرب نابلس، تقع منطقة "المسعودية"، أراضٍ زراعية شاسعة تتقاسمها عدة قرى مثل برقة، دير شرف، رامين وسبسطية، هذه المنطقة التاريخية التي كانت يومًا محطة قطار في عهد الدولة العثمانية، أصبحت اليوم خط تماس حقيقي مع أطماع الاستيطان ومخاطر فقدان السيادة على أحد أهم مصادر المياه في شمال الضفة الغربية، إنه بئر المسعودية".
ويخشى حجة من محاولات السيطرة الإسرائيلية المستمرة على المنطقة، والتهديد الذي يمثله المستوطنون، وخاصة مستوطن رعوي جديد يتمركز على بعد أقل من كيلومتر عن البئر.
ويوضح: "عمقها نحو 700 متر، وتصل كمية المياه المستخرجة منها إلى مستويات ضخمة، وإذا عُطّلت أو سُيطر عليها، فإن كارثة مائية ستحل بالمنطقة كلها".
بهذه الكلمات يحذر الناشط حجة من خطورة الموقف، مشيرًا إلى أن المنطقة أضحت عرضة لاعتداءات متكررة منذ سنوات، وقد بدأت أولى المحاولات الاستيطانية عام 1975 عندما حاولت جماعات إسرائيلية إقامة مستوطنة سُميت آنذاك "مستوطنة المسعودية"، ورغم فشل المشروع بسبب المقاومة الشعبية والمظاهرات الحاشدة، لم تتوقف محاولات السيطرة.
ويدلي بمزيد من التفاصيل: "في عام 1998، عادوا من جديد، نصبوا الكرفانات، وادعوا أن الهدف سياحي، وفي المقابل انبثقت عن مجموعة من الأهالي "لجنة إعمار المسعودية"، وبدأنا ننظم مهرجانات وأنشطة سنوية، كما أنشأنا وحدة صحية ومرافق خدمية، لكن جيش الاحتلال هدم الوحدة الصحية بدعوى أنها تقع في منطقة سياحية حسب تعريفهم الإسرائيلي".
ضم المسعودية لـ"الحديقة الوطنية"
المستوطنون، كما يفيد حجة، يقتحمون الحقول باستمرار، ويقطعون الأسلاك، ويهاجمون المزارعين والرعاة، بل حرقوا أخيراً سيارة حارس البئر، كما دمرت مجموعاتهم السياج الزراعي، وأطلقوا أغنامهم في الحقول المزروعة بالقمح والشعير، ما ألحق خسائر جسيمة بالفلاحين.
ومن أخطر التطورات حسب رأيه، ظهور مستوطن رعوي جديد في أراضي رامين، جلب معه نحو عشرة أفراد إضافة إلى خيمتهم وقطيع من الأغنام، وباتوا يعتدون يوميًا على الشبكات المائية، ويحرقون المحاصيل، ويخربون العدّادات والأنابيب التابعة لجمعية وادي الشعير التي حوّلت المياه المعالجة من محطة دير شرف إلى أراضي المسعودية.
ومن جهة أخرى، تحدث الناشط عن محاولة إسرائيل دمج منطقة المسعودية، وخاصة المناطق التي تضم منازل قديمة، ضمن ما يُسمى "الحديقة الوطنية لسبسطية"، وهو مشروع تهويدي واسع النطاق.
"إذا تم ذلك، فإن الربط الجغرافي بين مستوطنة شافي شمرون (تبعد 3 كم)، والمستوطنة الرعوية، والمسعودية سيصبح واقعًا، بما يشبه حزامًا استيطانيًا يلتهم المنطقة" يظهر القلق مجدداً في حديثه.
والمساحة المهددة، وفقاً له، تُقدّر بـنحو 5000 دونم، وتضم عشرات الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون وحقول القمح، والسيطرة عليها "ستكون بمثابة ضربة إستراتيجية للأمن المائي والزراعي في المنطقة".
بلاغات بلا استجابة
رغم التوثيق المتكرر، وتقديم البلاغات للصليب الأحمر والإغاثة الدولية والسلطة الفلسطينية، فإن الردود، والكلام لحجة، "غير كافية".
وعن الجهد الذي يبذلونه في هذا الملف: "أبلغنا الصليب الأحمر، قدمنا صورًا وتوثيقات، طلبنا من المواطنين رفع شكاوى للارتباط المدني الفلسطيني لتقديمها للشرطة الإسرائيلية، لكن دون جدوى، لا يعطون حتى رقمًا للقضية، رغم أن موقع المستوطن معروف، وخيامه وكرفاناته واضحة، لكن الاحتلال يتعمّد التسويف".
مستطردًا في السياق ذاته: "حتى زيارات السفارة الأميركية والألمانية إلى الموقع لم تغير شيئًا، الاعتداءات ما زالت مستمرة، والمستوطن ما زال هناك، والاحتلال يدير ظهره لكل القوانين الدولية، ويمنح للمستوطنين حماية كاملة لتدمير ما تبقى لنا من سيادة".
استهداف المياه سلاح الاحتلال الجديد
في تعليقه على الاعتداءات الأخيرة التي طالت بئر المسعودية، عدَّها غسان دغلس محافظ نابلس؛ أنها ليست بحادثة عابرة، بل جزء من سياسة مُبيتّة تستهدف أعمدة الحياة الفلسطينية.
"هذا اعتداء خطِر على الأمن المائي للشعب الفلسطيني، وليس فقط على منشأة مائية، نحن نرى تحريضًا مستمرًا يستهدف كل مصادر الحياة في الضفة الغربية، وفي نابلس خصوصاً."
ودغلس مقتنع تماماً بأن استهداف البئر جزء من أدوات الحرب غير التقليدية التي ينتهجها الاحتلال، مؤكداً:"نعم، المياه أصبحت سلاحًا بيد الاحتلال، وهذه ليست أول مرة، ولن تكون الأخيرة، هم لا يريدون لنا البقاء على أرضنا، ويسعون إلى طردنا بكل الوسائل."
وعن احتمالات الربط بين بئر المسعودية والمشروع الاستيطاني في سبسطية وبرقة، قال: "كل شبر في الضفة الغربية مستهدف، الاحتلال يربط أطماعه بالمكان والزمان المناسبين له، اليوم في المسعودية، وغدًا في مكان آخر."
ويوجه محافظ نابلس رسالة تحدٍ: "نحن أصحاب الأرض، لا نخضع ولا نغادر، لن تُفرغ هذه الأرض من أهلها، إنها الحقيقة التي يعرفها الاحتلال جيدًا، لكنه يصرّ على تجاهلها".
ما يحدث في بئر المسعودية لا يتصل فقط بعدوان على مورد مائي، بل هو هجوم مباشر على صمود الإنسان الفلسطيني، وقدرته على الزراعة والبقاء والعيش بكرامة، فالماء هنا لم يعد مجرد حاجة يومية، بل عنوان معركة سيادة ومقاومة في وجه منظومة استيطانية، تحرق الحقول لتفرض وجودها بالقوة.