خاص بآفاق البيئة والتنمية
"الحياة شعلة متقدة بالجمال والحب والأمل بالرغم من الألم والجروح، فلا تَدعوها تخفت كي لا تعيشوا في حلكة الظلام الدامس وبرود الروح، اِجعلوا منها وردة؛ من عبير أطيابها رائحة الايمان والتحدي تفوح"، كلمات اقتبستها مما كتبه الصديق إبراهيم زعرور أسفل فيديو من تصويره عن مسارنا البيئي في محافظة بيت لحم من قرية أم عسلا إلى دير "مار سابا" في بلدة العبيدية.
في صباح خريفي بارد، وكعادتهم، بدأ المشاركون من فريق "امشِ وتعرّف على بلدك" والبالغ عددهم 55 مشاركاً في التجمع عند دوار المنارة، استعداداً للانطلاق بالحافلة صوب الجنوب، تحديداً نحو محافظة بيت لحم، وهذه المرة انضم لنا قدامى المشاركين، وعلى رأسهم الصديق ريمون عواد، الذي سبق أن غاب عنا لانشغاله في تحسين وتسييج أرضه في عين عريك، وكذلك رافقنا الصديق علاء أبو قطيش الذي غاب عنا ما يزيد على العام أي منذ اندلاع الحرب الغاشمة.
كنا في انتظارهم أنا و م. حاتم النجار وأسامة عبوشي عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة، وبالقرب من دوار فلسطين القريب من "محطة الهدى للمحروقات" الذي توجهه عبارة من حروف نافرة مضيئة "البيرة بوابة القدس".
يقول دليلنا عبد الفتاح: "سيبدأ مسارنا من قرية أم عسلا القريبة من بلدة "دار صلاح" سيراً على الأقدام في وادي العلاندة حيث مُغر أبو عسلا، والاستمرار في السير في طريق ترابية تمر عليها سيارات الدفع الرباعي حتى وادي الكرادية، ومن ثم نمر على وادي عليا، وبعدها وادي أم سراج وصولًا إلى منطقة الهرمة، وهي منطقة مطلة على وادي النار، ومن ثم النزول إلى وادي الربوض ومغاير الربوض، ثم الاستمرار في السير في وادي قدرون وصولاً إلى دير القديس سابا المتقدس بالقرب من بلدة العبيدية، شرق مدينة بيت لحم، ويبلغ طول المسار 13 كم."
من أجل الوصول لهذا المسار الممتع، الذي يمتاز بطبيعته الصحراوية وبسبب ظروف الحرب الغاشمة التي فرضها الاحتلال، توجهت بنا الحافلة شمالاً مروراً بمخيم الجلزون ودورا القرع وعين سينيا، ومنها إلى عيون الحرامية، ومن ثم عدنا جنوباً في الشارع رقم 60 باتجاه قرية جبع القريبة من القدس، ومنها إلى بلدة حزما، ومن ثم بلدة عناتا والزعيم ومنها إلى العيزرية، وصعدنا في طريق وادي النار إلى بلدة العبيدية، بعد أن مررنا على الحاجز الاحتلالي المعروف بالكونتينر، وبحكم الإجراء التعسفي أوقف جنود الحاجز الحافلة ودقّقوا في هوياتنا، من أجل تعكير صفو الفلسطينيين، انتقاماً منهم، بعد هزيمتهم في السابع من أكتوبر.
دخلنا العبيدية وتوقفنا لحظات عند دير هناك، لنقل بعض المشاركين، وكم كانت لحظات جميلة شاهدنا فيها من بعيد قبة الصخرة المشرفة تلوح وسط أشجار أحراش القدس، ترسل لمعانها مع انعكاس أشعة شمس الصباح عليها، وكأنها ترحب بنا أو تذّكرنا بأنها ما زالت ترزح تحت الاحتلال.
وصلنا بلدة دار صلاح، ومنها انعطفنا يساراً وتوقفت بنا الحافلة في قرية صغيرة تُدعى "أم عسلا" حيث بداية مسارنا، توجهنا شرقاً وبدأنا النزول في طريق ترابية عريضة يستخدمها هواة سياقة سيارات الدفع الرباعي للمتعة أو للسباق. مررنا على تجمعات بدوية ومنتجعات سياحية في أثناء مرورنا بوادي العلاندة، وصلنا إلى مُغر عسلا على يسارنا، وهي كبيرة بعض الشيء ومنحوتة في الصخر، وللوصول إليها نزلنا على حافة الطريق، وأخذنا قسطاً من الراحة قبل متابعة المسير والمرور بوادي الكرادية.
استمررنا في النزول كي نلتقي بـ "وادي عليا" ونمر على تجمعات بدوية، ووصلنا إلى "بئر عليا" لتجميع المياه التي يستخدمها الرعاة لسقاية مواشيهم، حصلنا على استراحة في المكان، التقطنا الصور واحتسينا القهوة، ومن ثم عُدنا أدراجنا صعوداً لمسافة حوالي 2 كيلومتر في وادي السراج، ووصلنا إلى منطقة لها إطلالة رائعة على وادي النار وتُدعى "منطقة الهرمة"، ومنها رأينا المغر التي كان يحتمي الرهبان فيها هرباً من بطش الرومان، كما رأينا بوضوح أحد مباني دير مار سابا، وهنا حرارة الشمس بدأت في الارتفاع، فالمنطقة صحراوية، ولا يُوجد أي نوع من الأشجار لتقينا حر الشمس.
نزلنا إلى وادٍ يُطلق عليه "الربوض" وتُلّوثه مياه الصرف الصحي القادمة من المستعمرات المجاورة لبيت لحم، ومن ثم بدأنا في الصعود إلى الطريق الترابية، كان الأمر متعباً، رأينا على يميننا "مُغر الربوض" والتي كان يحتمي ويتعبد الرهبان فيها، ثم انعطفنا نحو اليمين، ووصلنا إلى منطقة لها إطلالة على الوادي أسفلنا، واحتمينا بظل القاطع الصخري قبل أن نتابع المسير.
نزلنا مرة أخرى للوصول لطريق ترابية، ورأينا من هناك الصوامع التي كان يتعبّد فيها الرهبان، ومن ثم صعدنا إلى قناة خرسانية تمر فيها المياه القادمة من الجبال المجاورة في موسم المطر، لتصبّ في آبار دير مار سابا، وهذه القناة تؤدي إلى أحد مباني الدير، وهو مخصص للنساء، ذلك أن المبنى الرئيس للدير مُحرّم على النساء دخوله، بدأنا نرى المبنى الكنسي الرائع من الجهة الشرقية والذي يرفرف فوق قبته العَلم اليوناني، وقد اعتدنا مشاهدة هيئته الكاملة من الجهة الشمالية والنزول إلى قاع الوادي، ومن ثم نصعد له مرة أخرى.
قضينا بعض الوقت في استراحة الإفطار، نستمتع بمشاهدة هذا الصرح المعماري وتخليده بالصور، ولم نستطع حينها دخول الدير، إذ كان بابه مغلقًا ربما بسبب الصلاة أو لسبب آخر.
دير مار سابا
عندما تكون في حرمة هذا الصرح المقدس فلا بد من بعض المعلومات عنه للمعرفة والإفادة، فدير مار سابا هو دير للروم الأرثوذكس يُطل على وادي الجوز(القدرون) في بلدة العبيدية (عرب ابن عبيد) شرقي بيت لحم في فلسطين.
بُني بين عامي (478 م - 484 م) على يد الراهب سابا بمشاركة 5000 راهب، وهو بهذا يُعد واحدًا من أقدم الأديرة المأهولة في العالم.
بُني الدير بطريقة هندسية جزءًا فوق جزء، على سفح أحد الجبال المتصلة بالسلسلة الجبلية الممتدة في جنوب الضفة الغربية.
ويكاد يكون البناء منحوتًا في بطن هذه الجبال، ويذهب كثيرون إليه من أجل التنزه، وليس فقط ليصلي المسيحيون هناك.
تنسجم عمارة الدير مع الطبيعة التي حوله ويتداخل فيها، مُشكّلًا مُجمّعاً ضخمًا يشبه القلعة، وقد بنُي من الحجارة بطريقة تتناسب مع الانحدار الموجود على حافة الوادي، وبالتالي يحقق تناغماً مع البيئة المحيطة.
واجهة الدير الشرقية تُظهر طبقات عدة تتلو بعضها بعضًا، بُنيت بناءً متدرجًا ويعلوها قباب وأسقف جملونية أو مسطحة.
ترتكز جوانب الدير على دعامات ضخمة ثُبّتت على الصخر، وتميل إلى الداخل لإضفاء القوة والمتانة للمبنى، ولتقليل آثار الزلازل أو التصدعات، وذلك له علاقة بالخبرة التي اكتسبها مصممو المبنى عبر العصور.
وتميزت الشبابيك في بنايات الدير بالحجم الصغير، وتمت إضافة المصاطب والشرفات والساحات وبعض الأدراج لتسهيل الحركة في أقسام الدير.
ويوجد في الدير مغارة منحوتة في الصخر الطبيعي في الجبل، عاش فيها القديس سابا 50 عامًا، وبُني قبر له في ساحة الدير الرئيسة يعلوه مبنى مثّمن وله قبة، وفي أسفل الساحة مقبرة للرهبان.
يحتوي الدير أيضاً على كنيسة الدير الأولى وهي مكرسّة للقديس نيقولاوس، التي بُنيت عام 491 م، ويوجد داخلها رفات مقدّسة وكنيسة صغيرة للآباء الذين اُستشهدوا على يد الفرس والبرابرة، وكُشف عن هذه الكنيسة عندما كان القديس سابا يعيش مع تلاميذه داخل الكهوف، على الجانب الآخر للممر الصخري، وكان يبحث عن مكان مناسب يستطيع أن يبني عليه كنيسة، فوجدَ عمود نور ينتصب أمامه من الأرض إلى السماء، واعتبر ذلك "إشارة إلهية"، فعثر على مغارة واسعة عجيبة، لها شكل كنيسة بتفاصيلها، ولها حَنِيَّة (قنطرة) في الجهة الشرقية.
ومن المَعالم المهمة في الدير مُصلّى يوحنا الدمشقي، وفي الساحة الواقع فيها قبر سابا وكنيسة البشارة يُوجد سرداب يصل إلى مقبرة تحت الدير، تُوضع فيها الجثث على حجارة كبيرة دون دفن حتى تتحلّل، ويبقى منها العظام فقط ويُحتفظ بها في غرف خاصة.
تُوفي الراهب سابا عام 532 م، وبعد سنوات حمل الصليبيون جثمانه إلى الغرب ثم أعادوه إلى مكانه، وحُفظ رفاته بعد تحنيطه في صندوق زجاجي، وما يزال الدير يحتفظ بعديد من تقاليده العريقة، من أهمها فرض قيود على دخول النساء إلى المجمع الرئيس، ويُعد "برج المرأة" أو "دير البنات" المبنى الوحيد الذي يمكن للمرأة أن تدخله، ويقع بالقرب من المدخل الرئيس.
والدير كان عرضة للتدمير على يد الفرس بعد أن احتلوا فلسطين، كما كان موطناً للقديس يوحنا الدمشقي (676-749م)، وهو شخصية دينية أثارت الجدل في وقته.
يُقيم في هذا الدير حالياً خمسة عشر راهباً يونانياً يقومون على خدمته ويعتزلون مظاهر الحياة المدنية كافة، من كهرباء وهواتف، ويستخدمون الوسائل البدائية لتسيير أمورهم.
عن يوحنا الدمشقي
يقول صديقي ريمون عواد: "يوحنا الدمشقي والملقب بدفاق الذهب نظراً لفصاحة لسانه، وُلد باسم "يوحنا منصور بن سرجون" عام 676 م في دمشق، إبان حكم الدولة الأموية، من عائلة مسيحية نافذة، إذ كان والده يعمل وزيرًا في بلاط الخلافة الأموية، وجدّه عملَ رئيسًا لديوان الجباية المالية فيها".
وتبعاً لحديثه، شغلَ يوحنا الدمشقي نفسه هذه الوظيفة فترة من الزمن، ومن ثم دخل إلى دير القديس سابا قرب القدس في فلسطين، بعد بداية خلافة هشام بن عبد الملك، وقد جمعته صداقة معه ومع عدد من الخلفاء قبله.
وتميَّز بمؤلفاته اللاهوتية الفلسفية ودفاعه المستميت عن العقائد المسيحية وردّه على "الهرطقات المختلفة خصوصًا فيما يتعلق بتكريم الأيقونات"؛ كما ألَّف عدداً من الترانيم الكنسية التي لا تزال مستخدمة في طقوس الكنيسة البيزنطية حتى اليوم.
ويُوصف يوحنا الدمشقي بالعالِم اللاهوتي، والخطيب الديني، والمدافع الكنسي، والمجادل العقائدي، ومنظم الفن البيزنطي، والموسيقا البيزنطية، ووصفه فيليب حتي بأنه "أبرز مفاخر الكنيسة السورية في ظل الدولة الأموية".
كان مسارنا صحراويًا بامتياز وممتعاً لدرجة كبيرة، قطعنا فيه مسافة أربعة عشر كيلومتراً، وعدنا أدراجنا لرام الله، ولكن من خلال قلنديا وكفر عقب، ودخلنا مدينة البيرة من مدخلها الجنوبي، وفي كل مرة نتيقن أن معرفتنا بالوطن تتعزز بهذه المسارات البيئية التي لا تعطينا المتعة فقط، بل أيضًا المعرفة، وتزيدنا التصاقاً ببلادنا.