
ترحيل أهالي الأغوار الشمالية
تعد الأغوار الشمالية نظريًا سلة الغذاء الفلسطيني وحارسة الينابيع، والمنطقة التي تستقر فيها عائلات بدوية، والهضاب والسهول والجبال الغنية بالتنوع الحيوي، وحاضنة سوسنة الشفا وموئل غزال الجبل الفلسطيني.
وهي الأراضي الشاسعة الممتدة على ضفاف نهر الأردن، لكنها أصبحت في الواقع شاهدة على ضمٍ احتلالي هادئ وعربدة يومية تسمّم حياة الأهالي، وتسعى إلى اقتلاعهم.
يستعرض مهدي دراغمة رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية حال أكثر من 20 تجمعًا فلسطينيًا يبطش بها الاحتلال وتذوق عدوان مجموعات المستوطنين، الذي يتصاعد منذ نحو 20 شهرًا، ويطال البشر والشجر والحجر والماشية والمرعى والخيمة ونبع الماء والمزرعة والجرار الزراعي وكل شيء.
ويصف الأوضاع الصعبة التي يعيشها المزارعون والرعاة في المناطق الممتدة على مساحات واسعة شرق مدينة طوباس، التي قال إنها أصبحت "قطعة من الجحيم"؛ بسبب الممارسات اليومية لجيش الاحتلال وللاستيطان الرعوي.
وينشط دراغمة في مجموعة الأغوار (بوابة فلسطين الشرقية) المالح والمضارب البدوية، عبر وتساب، التي تنقل تطورات العدوان اليومية على التجمعات البدوية والرعوية لحظة بلحظة.
وفي أحدث نشر صباحي عبر المجموعة، أواسط حزيران الفائت، يُبلّغ مواطنو "خربة سمرا" عن سرقة المستوطنين في جوف الليل 50 خروفًا صغيرًا من حظائر المزارع ذياب دراغمة من الخربة التي تشهد اعتداءات متكررة.
فيما يؤكد رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية أن الأغوار باتت تخسر كل يوم مساحات جديدة وواسعة، فيما تُفرض حقائق قاسية على الأرض، حيث يُمنع أهالي المنطقة من التحرك فيها، مقابل "السماح لمستوطن واحد أو اثنين بفعل ما يريدون".
 |
 |
| المستوطنون يعربدون ليل نهار في الأغوار الشمالية |
تغول المستوطنين على أهالي الأغوار الشمالية وأراضيهم |
المالح: 13 عائلة مُعذبة
يتحدث دراغمة، الذي أبصر النور صيف 1987، عن حمامات المالح، المنطقة التي كانت تعجّ بالحياة قبل الاحتلال، واشتُهرت بينابيعها الساخنة، وتحولت إلى وجهة سياحية، حيث شُيّد فيها فندق في الحقبة العثمانية، وفيها مطحنة رومانية قديمة آيلة للسقوط.
ويقول بحسرة إن 13 عائلة تعيش في وضع لا تحسد عليه في حمامات المالح، والوادي المتاخم لها، إذ أقام مستوطن واحد بؤرة قريبة منها، ووضع قطيعًا صغيرًا من الأغنام فيها، وتحولت بيوت المواطنين إلى هدف يومي للاقتحام والتنكيل والاحتجاز لساعات طويلة.
ووفق دراغمة، فإن الاحتلال أقام سياجًا حول مساكن المواطنين، كما يمارس مضايقات يومية بحق 13 معلمًا يصلون إلى المدرسة الوحيدة في المنطقة، التي تضم نحو 50 طالبًا.
ويؤكد أن أهالي المالح مُنعوا من الوصول إلى المراعي، وأُجبروا على البقاء معظم الوقت داخل بيوتهم وخيامهم، التي تتوالى عليها الاقتحامات.
 |
 |
| عدوان إسرائيلي يومي على بدو الأغوار الشمالية |
عربدة المستوطنين وترحيل الأهالي في الأغوار الشمالية |
الضربات الأخطر لعين الحلوة
وفي مستهل حديثه، يتناول مهدي دراغمة عين الحلوة، وهي نبع ماء وضع المستوطنون يدهم عليه، ومنعوا 8 عائلات فيها من الوصول إليه، كما حرموهم من رعي الأبقار والمواشي أو سقايتها منه، بعد تحويله إلى "منطقة سياحية" للمستوطنين.
وبدوره أفاد أن عائلات عين الحلوة أضحت عرضة لعربدة يومية، كما وضع المستوطنون يدهم على الأراضي وأغلقوا المراعي، وأخيراً نصبوا سياجًا حول مساكن المواطنين.
وينتقل إلى تجمع أم الجمال، المجاور لحمامات المالح، والذي شهد في الثمانينيات إقامة ملجأ لجيش الاحتلال.
وكونه مطلعاً عن كثب، يرى أن عين الحلوة هي التي تتلقى الضربات الأكثر خطورة، بعد ترحيل 13 عائلة منها، إذ كانت عرضة لتنكيل يومي عقب إقامة بؤرة استعمارية فيها، ومنع أغنامها من الرعي والوصول إلى عين المياه في المكان، عدا عن مضايقات متواصلة، إلى أن أجبرت الغالبية على تركها.
ويذكر أن المستوطنين أقاموا سياجًا حول العين، كما نصبوا بيوتًا مؤقتة بالقرب من خيام الأهالي.
 |
 |
| عربدة المستوطنين في الأغوار الشمالية |
عربدة وتوحش المستوطنين على أملاك وأهالي الأغوار الشمالية |
نبع غزال والفارسية في عين النار
يقول دراغمة إن 6 أفراد من عائلة زهدي تقيم في تجمع نبع غزال نُكّل بهم، عقب موجات اعتداء يومية من المستوطنين، تشمل غارات ليلية على المساكن، واعتداءات على المقيمين فيها، ومحاولة سرقة للممتلكات، ورفع أعلام الاحتلال على البيوت والجرارات وحظائر الأغنام.
وحول ما لحق بأهالي النبع من ضرر يضيف: "فُكّكت بيوتهم المؤقتة وخيامهم، ومُنعوا من الرعي، وقد صادر الاحتلال جرارًا زراعيًا، وهدم ثلاث خيام وحظائر للمواطن أحمد أبو محسن".
وحال الفارسية إحمير، التجمع المعتمد على الثروة الحيوانية والزراعة، ليس ببعيد عما سبق، إذ طالته- والكلام له- سرقات ومصادرات متكررة للبيوت ولأدوات العمل الزراعي وخطوط المياه، وحتى لبعض المقتنيات الشخصية، والرعي بين منازله، ورفع الاحتلال أعلامه فوقها.
ويزيد بالقول: " 20 عائلة كانت تقيم في المنطقة موسميًا، لكنها تراجعت إلى 7، بعد أن سُرقت خيامها وصارت حياتها جحيمًا".
ويشير دراغمة إلى أن تجمع الفارسية سلة خضر، الذي كان يضم 7 أسر تعيش على الفلاحة، أُجبر أهله على الرحيل.
ويواصل حديثه في السياق ذاته: "كان التجمع شاهدًا على عمليات مصادرة الخيام، والسطو على الممتلكات والمعدات الزراعية، وقطع أشجار الزيتون ووضع مظلات وملاهٍ وطمس مكان البيوت الأصلية".
 |
 |
| عين الحلوة قبل تسييجها |
مسكن في الحمة بالأغوار الشمالية |
سمرا والحمة والدير والساكوت والجوبة
" تصمد أربع عائلات في خربة سمرا، لكنها تتجرع ليلاً ونهاراً أصناف الاعتداءات، وتواجه حصارًا خانقًا، وتُحرم من التنقل بين الحقول والمراعي، كما رفع الاحتلال أعلامه على مدخلها، وهو ما تكرر في المواقع كافة" يقول دراغمة.
ويمضي في سرده: "أما الحمة، وهو التجمع الذي ترابط فيه 13 عائلة يخشون أن تنجح مجموعات المستوطنين في نهب نبع الماء الوحيد، هذا، ويكرر ما يسمى "مجلس المستوطنات" جولاته اليومية لمنع الرعاة والمزارعين من التحرك أو البحث عن أرزاقهم".
كما يسلط الضوء على خربة الدير، التجمع الحدودي الملاصق للحدود الأردنية، وتصمد فيه أكثر من 7 عائلات، تقلّصت أراضيهم الزراعية إلى حد كبير، وقطع المستوطنون شبكات مياههم وخربوا مضخاتهم، ونهبوا المعدات الزراعية، وخربوا المزارع.
وتبعاً لحديثه، فإن أراضي الساكوت، القرية التي دمرها الاحتلال عشية حزيران 1967، سُيّج نبع مياهها، وحُرم الأهالي من الوصول إليه، وصار مخصصًا للمستوطنين فقط، وكل من يصل إلى المنطقة من مواطنيها يُعتقل.
ووفق دراغمة، فقد مُنع أهالي الأغوار من الزراعة والتجول والرعي الحر في سهول الساكوت الخصبة، إذ كانت تشتهر بالبطيخ والشمام، وعاد أصحابها إليها بعد حرمان أكثر من 50 عامًا، قبل أن تعود سياسة التهجير مرة أخرى.
ولا ينسى خربة الجوبة، وفيها 4 عائلات، وهي قريبة من الدير، وتشهد العدوان ذاته الذي يلاحق كل متحرك.

مشارف خربة الدير بالأغوار الشمالية
5 تجمعات في قبضة العدوان
ويستمر حديثه حول التجمعات التي أنهكتها الاعتداءات، فهذا "تجمع الحديدة" في أقصى الشرق، تقيم فيه 15 عائلة، تطاله اعتداءات متكررة، وملاحقة لا تتوقف لرعاتها.
فيما يصنف الاحتلال "تجمع الرأس الأحمر" منطقة عسكرية، رغم أن 14 عائلة تقيم فيها، ولا يختلف حال أهلها عن المناطق الأخرى، التي تغيب فيها معظم الخدمات الأساسية والرعاية الصحية، وتعاني العطش.
ويؤكد أن حمصة الفوقة، القريبة من البقعية الشرقية، مصنفة "منطقة عسكرية"، وتعيش فيها 14 عائلة وسط انتهاكات وملاحقات لا تتوقف.
أما "حمصة الفوقا" وتقطنها 25 أسرة تعتمد على الرعي والزراعة، فأيضاً لها حظها من اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين، ولكن بوتيرة أقل.
وحسب دراغمة، فإن تجمع ذراع عواد، القريب من مستوطنة "بقعوت" يضم 9 عائلات تواجه حصارًا بسبب الخندق الترابي، الذي أقيم قبل سنوات، وحرمها من السعي وراء رزقها في الأرض ورعي الأغنام.

مصاب في خربة سمرا من اعتداء المستوطنين في الأغوار الشمالية
وديان وهضاب مستباحة
وصلنا بصحبته إلى "وادي الفاو" ويخبرنا عنه: "تسكنه 18 عائلة، أُجبرت 7 منها على الرحيل، وتحولت أراضيها إلى بؤرة استعمارية، وقد سُيّجت معظم أراضيها، وتُسجل اعتداءات يومية بحق الأهالي الذين يعملون في الزراعة والرعي".
وعن خربة يرزا يلفت إلى أنه يعيش فيها قرابة 15 عائلة، أعلن الاحتلال أراضيهم منطقة عسكرية، ويشن بين الفينة والأخرى حملات مصادرة وهدم وإنذارات بالإخلاء، كما سُلبت الخلايا الشمسية للمواطنين مرارًا، ويُمنع الرعاة من التنقل في أراضيها، وتُصادر صهاريج المياه، كما يقول.
ويشير دراغمة إلى أن منطقة البرج، القريبة من حمامات المالح، تقيم فيها 9 عائلات، تذوق ما يتجرعه أهالي التجمعات المجاورة، وكانت تشهد أعمال تدريب عسكري بالذخيرة الحية، لكنها تراجعت على نحو لافت العام الماضي، فيما ارتفعت وتيرة اعتداءات المستوطنين، ونُفذّت عمليات هدم فيها، ويحرم أهلها من الوصول إلى حقولهم.
ويبين أن منطقة الميتة، المتاخمة للبرج، تقيم فيها 26 عائلة تواجه الإجراءات والعربدة ذاتها.

مهدي دراغمة رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية
تجمعات صغيرة ونار قادمة
ولا يتوقف رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية عن الحديث في هذا الصدد، فتجمع إبزيق، الذي تقيم فيه قرابة 20 عائلة، يشهد عدوانًا محمومًا، وملاحقة للرعاة.
وبشأن قرية جباريس، التي هجَّر الاحتلال أهلها إبان نكسة 1967، وتبعد نحو 14 كم شرق طوباس، وتفصلها طرق وعرة وممرات في حواف التلال، يؤكد أنها أيضاً تواجه عدوانًا من مستوطن واحد سيطر عليها، وصار يطارد الرعاة والمواطنين الذين يصلون إليها.
وبخصوص خربتي السويدة وقطوة، وهما تجمعّان قرب مستوطنة "أم زوقح"، هجَّر الاحتلال منها العائلات الستة التي كانت تقطنها قبل نحو 16 عامًا، واشتهرت بامتلاكها قطعانًا كبيرة من الأبقار.
ويزعم الاحتلال أن "أم زوقح" محمية طبيعية، ومع ذلك يطلق اليد للاستعمار الرعوي في مساحات ممتدة منها، ويلاحق الرعاة من أهلها.
ويعيد دراغمة التذكير بالتجمعات التي كانت تعجّ بالحياة والقريبة من الحدود الفلسطينية الأردنية وحتى قرية الزبيدات، كمناطق أم العبر وشجرات خلة النعجة، التي وضع مستوطنون أسلاكًا شائكة حولها وحرموا أهلها منها نهائيًا.
ويوضح أن سهل قاعون صار وجهة جديدة للاعتداءات، إذ كانت حقول المُزارع محمد صوافطة المزروعة بالبطيخ والقمح عُرضة لعربدة المستوطنين، الذين استباحوا كل شيء، وأتلفوا أقسامًا من المحاصيل.
ثلاث قرى وترحيل بالتدريج
ومن جهة أخرى، يفيد دراغمة أن قرى بردلة وكردلة وعين البيضاء، وهي الوحيدة في الأغوار الشمالية، لم تسلم من إجراءات الاحتلال وعربدة مجموعات المستوطنين، فــ بردلة وكردلة عُرضة لحصار وهجمات دائمة، ونصبَ الاحتلال بوابات في محيطها، وأقام بؤرة استعمارية قرب عين البيضاء، إضافة إلى اعتراضه صهاريج المياه والمركبات، وتخريب المَزارع، والسيطرة على ينابيع المياه.
والقاسم المشترك في الاعتداءات اليومية، وفق دراغمة، إقامة الاحتلال ومجموعات قليلة من المستوطنين أسلاكاً شائكة حول التجمعات كلها، ورفع أعلام الاحتلال فوق الخيام والحظائر والمعدّات الزراعية ومنع إزالتها، والرعي بين الخيام، والاقتحامات المتكررة للخيام والبيوت ليل نهار، ونهب كل ما تصل إليه أيديهم، ومنع الوصول إلى المراعي، والعربدة بين البيوت، ورعي المحاصيل، وسرقة المعدات الزراعية والآليات، وفرض غرامات باهظة على الأبقار والأغنام وسرقتها، وتدمير الخلايا الشمسية، ومصادرة الهواتف النقالة، والتلويح بمصادرة المركبات والصهاريج، ونهب مصادر المياه، وتعطيش الأهالي، والاعتداء على المواطنين وتوقيفهم، ومنع إسعاف المصابين منهم، كما حدث مع ثلاثة من عائلة أبو كباش في البرج وحمصة قبل أيام.
ويختم حديثه بألم: "ينفذ الاحتلال ضمّ الأغوار الشمالية دون إعلان صريح بذلك، ويحوّل حياة الناس إلى جحيم لا يُحتمل".