خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
حجز "فن الطهو المستدام" له يوماً في أجندة العام، تحديدًا في الثامن عشر من حزيران/ يونيو الماضي، الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2016. وبحسب الخبراء، فإن الطبخ المستدام هو "نهج طهي يُعطي الأولوية لاستخدام المكونات والتقنيات والممارسات التي تقلّل من التأثير البيئي، وتحد من النفايات، وتدعم المجتمعات المحلية، حيث يعد الطبخ من أفضل وسائل إحياء النكهات والأذواق من أجل الحفاظ على النظم البيئية والتنوع البيولوجي للكوكب". وبمعنى آخر "يقدّر الطبخ المستدام مصادر المكونات، من أين تأتي، وكيف تُزرع الأغذية وتصل إلى أسواقنا ومنها إلى أطباقنا". كما أن اختيار وصفاتٍ تستخدم مكوناتٍ محليةً وموسميةً، يدعم ممارسات الزراعة المستدامة التي تستخدم موارد أقل وتُنتج تلوثًا أقل، وهذا بدوره يُساعد في الحفاظ على الموارد الطبيعية الثمينة كالمياه والتربة.
|
 |
| الطاهي -Rodrigo Pacheco - منظمة الأغذية والزراعة |
يدير الطاهي وسفير النوايا الحسنة لدى منظمة الأغذية والزراعة Rodrigo Pacheco مطعمه الخاص في إكوادور، ويحرص على أن يكون مستدامًا قدر الإمكان.
وبالاستناد إلى ما نُشر على لسانه، في موقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، يتحدث عن أسلوبه في الطهي: "إننا نطبخ بطريقة لا نترك فيها بقايا. ونحوّل ما يتبقى إلى سماد عضوي، ونأكل المنتجات الطازجة".
ويضيف قائلًا: "نحن نحصد ونصطاد ونزرع ما نحتاج إليه فقط، وليس لدينا قائمة وجبات مكتوبة، لذلك من السهل أن نتكيّف مع المنتجات الطازجة كل يوم".
ويرى أن الطبخ المستدام يمثّل عاملًا مهمًا يغيّر قواعد اللعبة في عالم اليوم، إذ يساعد السكان على إقامة علاقة صحية مع الطبيعة من جديد.
ويوضح: "يؤدي الطهاة ومنتجو الأغذية دورًا حاسمًا في إقامة روابط بين السكان والبيئة، ومن واجبنا أن نشجّع المنتجات التي تبني علاقة أكثر ذكاء واستدامة مع النباتات الموجودة على كوكب الأرض".

شوربة القرنبيط
مزايا الطبخ المستدام
لقد حجز "فن الطهو المستدام" له يوماً في أجندة العام، تحديدًا في الثامن عشر من حزيران/ يونيو الماضي، الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2016.
وبحسب الخبراء، فإن الطبخ المستدام هو "نهج طهي يُعطي الأولوية لاستخدام المكونات والتقنيات والممارسات التي تقلّل من التأثير البيئي، وتحد من النفايات، وتدعم المجتمعات المحلية، حيث يعد الطبخ من أفضل وسائل إحياء النكهات والأذواق من أجل الحفاظ على النظم البيئية والتنوع البيولوجي للكوكب".
وبمعنى آخر "يقدّر الطبخ المستدام مصادر المكونات، من أين تأتي، وكيف تُزرع الأغذية وتصل إلى أسواقنا ومنها إلى أطباقنا".
كما أن اختيار وصفاتٍ تستخدم مكوناتٍ محليةً وموسميةً، يدعم ممارسات الزراعة المستدامة التي تستخدم موارد أقل وتُنتج تلوثًا أقل، وهذا بدوره يُساعد في الحفاظ على الموارد الطبيعية الثمينة كالمياه والتربة.
أما المقصود بالاستدامة هنا هو "استخدام الموارد الطبيعية استخدامًا مسؤولًا، سواء في الزراعة أم الصيد أم إعداد الطعام، بحيث يمكن استخدامها على أساس قابل للاستمرار مستقبلاً، والحفاظ على البيئة في الوقت ذاته".
ويساعد الطبخ المستدام على استكشاف مكونات جديدة تُضفي نكهة مميزة على الوصفات، وهذا النوع من الطبخ، من شأنه أن يحافظ على الموارد الطبيعية، ويدعم المزارعين والمنتجين المحليين، ويقلّل بصمتنا الكربونية، إضافة إلى تعزيز عادات الأكل الصحية.
ويُمكن لممارسات الطهي المستدامة، مثل تخطيط الوجبات والتخزين السليم للطعام، أن تُساعد على تقليل هدر الطعام، وكذلك انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والحفاظ على الموارد الطبيعية.

مربى قشور الكيوي
ووفقاً لموقع The Balanced Kitchen يمكن للطبخ المستدام أن يوفر المال، حين نستخدم جميع أجزاء المكونات ونعيد استخدام بقايا الطعام بإبداع، وليس بالضرورة أن تكون بقايا الطعام مملة، كما أن اللجوء لتشكيلة متنوعة من الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة يضمن الحصول على مجموعة واسعة من العناصر الغذائية، بما في ذلك الفيتامينات والمعادن والألياف.
ويمكن للمرونة والاستعداد لتغيير المكونات حسب المتاح وفي موسمه، أن يتجاوز تقليل الهدر، ليصبح الأمر أكثر اقتصادًا وصديقًا للبيئة.

قشور الموز
ويقترح موقع The Balanced Kitchen بعض الوجبات الخفيفة الجدير بنا تجربتها، وأولها "رقائق قشر الموز المقرمش" وله طعم فريد وحلو قليلاً، وأيضاً من الأطباق الغنية الدسمة "شوربة أوراق القرنبيط" الذي يُعزز استخدام الخضراوات، إذ يمكن تحويل الخضراوات المطبوخة عموماً إلى حساء أو يخنات أو مقليات.
ويمكنك تحضير مرّبى من قشور الكيوي، وهي واحدة من الوصفات المستدامة لاستخدام أجزاء الفاكهة التي غالبًا ما تُرمى، فقشور الكيوي غنية بالألياف ومضادات الأكسدة.
قشور عشر حبات كيوي كافية، اِغسلها جيدًا، وقطّعها إلى قطع صغيرة، وفي قدر، اِخلط القشور المفرومة مع كوبين من الماء وكوب من السكر، ثم اتركه يغلي على نار هادئة حتى تلين القشور ويصبح الخليط كثيفًا، ويمكن إضافة القليل من عصير الليمون لتعزيز النكهة.
هذا المرّبى مثالي للخبز المحمص، أو الزبادي، أو حتى إضافة للحلويات، وهو من الوصفات التي تقلّل من هدر الطعام، تقول المشرفة على الموقع التي تسرد بعض النصائح اللطيفة، من قبيل "يمكن للأعشاب أن تبقى طازجة لفترة أطول إذا عاملتها كالزهور، قلّم سيقانها وضعها في مرطبان مع قليل من الماء".

الشيف محمد فاروق
تجارب عربية
كانت الأجيال السابقة من الآباء والأجداد يجيدون العيش بمبادئ الاستدامة ولطالما طبقوها في عدد من مجالات الحياة، متمسكين بالترشيد والحفاظ على البيئة، ولم يكن السبب الوحيد لهم هو الجانب المادي، بل هناك دافع أهم من ذلك وهو شعورهم الداخلي بالمسؤولية العالية لحفظ النعم، وفقاً لوصف أحد الطهاة "جميع الأغذية نعمة من الطبيعة".
ويتوافق الطبخ المستدام مع مبدأ الطعام البطيء، والذي يشجع على الاستمتاع بالطعام الجيد والاستهلاك الواعي واحترام الموسمية، بهدف تقليل التأثير السلبي على البيئة.
ويقتضي الأخذ بنهج الطبخ المستدام "دعم المزارعين المحليين، بالشراء من صغار المنتجين أو المزارعين الأسريين، لدعم سبل عيشهم، وكذلك المحافظة على تقاليد فن الطهي، وتجنب هدر الأغذية" تبعاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.
"آفاق البيئة والتنمية" تحدثت مع الطاهي الفلسطيني محمد فاروق، وهو شيف استشاري في مجموعة فيانوفا- الطريق الجديد- في الأردن، الذي أكّد بدوره اهتمام المؤسسات الفندقية العربية بموضوع الاستدامة، والتي تتسابق للحصول على المفتاح الأخضر، حيث تفتخر بنشر هذا بين ضيوفها، تبعاً لحديثه.
وكونه يعمل استشاريًا في مجال الطعام والشراب، فإنه يسعى لنشر التوعية والتدريب، وتقليل الهدر في عدد من الجوانب، لتحقيق فوائد جمة على الصعيد الاجتماعي والبيئي والأخلاقي تجاه الأسر الاقل حظًا في المجتمع المحلي.
وحول تقييمه لوعي الناس بمفهوم الاستدامة في الطبخ، يرى فاروق أن موضوع الاستدامة بحاجة لمزيد من التوعية، خاصة مع حياة تقوم عموماً على السرعة والتكنولوجيا وعدم توفر الوقت عند كثيرين.
ويضيف في حديثه: "أما المطاعم والفنادق العربية، بات موضوع الاستدامة أكثر حضورًا، وتتنافس فيما بينها، لتُصنّف "فنادق خضراء" وهي علامة بيئية تُمنح للمنشآت السياحية التي تعنى بالاستدامة، بهدف المساهمة في نشر هذه الثقافة، وتشجيع أفضل الممارسات والتغيير الإيجابي في سلوك جميع الأطراف، موظفين ونزلاء، من أجل المشاركة في حماية البيئة".
ويشير إلى الصعوبات التي تحول دون تحقيق الاستدامة في الطبخ، بقوله: "المصاريف التشغيلية وعدم توفر الأيدي العاملة سببان رئيسان، ليس كل المؤسسات لديها الإمكانية لشراء أو زراعة النباتات العضوية، وذلك لارتفاع تكلفتها حالياً، مع أن اعتماد السوق المحلي وبعض الأسر المنتجة لأصناف كهذه من الممكن أن يساهم إيجاباً، وزد على ذلك أن الأمر يستدعي تعيين أيدي عاملة أكثر لتحضير الطعام من نقطة الصفر، ومن العوائق أيضاً الاعتماد على الحلول الغذائية والمواد الجاهزة للطبخ، التي اختصرت الوقت وقللّت النفقات، والأمر في نهاية المطاف يتوقف على مدى الوعي والاهتمام بالجانب البيئي الاجتماعي عند المؤسسات المعنية، عدا عن ميل الجيل الحالي للوجبات السريعة".
"نجحتَ في الوصول إلى مرحلة "صفر نفايات في المطبخ".. كيف حققت هدفًا كهذا؟.. يجيبني عن سؤالي: "كانت الشركة التي أعمل بها تهتم بهذا التوجه، فمن متطلباتها أن يكون جميع الطعام المعدّ من إنتاج المؤسسة، على أن تكون المواد المستخدمة عضوية، علماً أننا كنا نزرع 60% من الخضار والفواكه في مزارع الفندق، ونرّبي المواشي والدواجن، وننتج الألبان والأجبان، ونستخدم مخلفات الطعام كاملة بإعادة تدويرها أو استخدامها سمادًا طبيعيًا".
ويخبرنا أن هذه التجربة استغرقت منه ستة شهور للوصول لنسبة صفر نفايات، وكان من الإجراءات عدم استخدام أي عبوة بلاستيكية، حتى المياه كانت تعبّأ من نهر قريب".
خاضَ محمد فاروق قبل سنوات تجربة تدريبية في إحدى المحميات الطبيعية لتدريب السكان المحليين كانت في وادي رم، وكان موضوع التدريب حول الطبخ المستدام واحتساب كُلف الطعام، وشعر حينها بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية تجاه من يعملون في قطاع السياحة وخدمات الطعام والشراب، كما يقول، وبعدها انطلق ينظّم الدورات لربات البيوت ليحذرهم من إهدار المكونات في المطبخ، وقد وجدن فائدة عظيمة خصوصاً من يعملن في البيوت.
ومما تناوله في تلك الدورات استخدام الموارد بالشكل الصحيح وبالكميات الصحيحة، وطرق الطهي المناسبة، وقد تمكنت بعض السيدات من تقليص المصاريف بنسبة تتجاوز 30% عن السابق، كما لمس من المشاركات تفاعلاً رائعًا، حسب قوله.
ويبدو ممتنًا من تلك التجربة: "كنت أتلقى كثيراً من الاتصالات للاستفسار عن طريقة توزيع الحصص الغذائية والكميات المناسبة وطرق الطهي، وإعادة التدوير لبعض المواد".
ومن الطرق البسيطة لتحويل نفايات المطبخ إلى ثروة أو فائدة، ويمكن لأي ربة بيت الاستعانة بها، يذكر البطاطا المستخدمة في الطهي أو المسلوقة يمكن بواسطتها إعداد الخبز أو الكعك أو الحلويات، وبواقي القهوة المغلية يمكن بها أن نعدّ "الكوكيز"، والرز المطبوخ وأيضاً العدس يمكن إعداد الخبز منه، وقشور البيض وقشور الفواكه والخضار كلها يمكن تحويلها لسماد طبيعي.
ومن المواقف التي أثارت لديه الاستغراب في أثناء عمله، يقول: "ذات عام كنا نحتفل باليوم العالمي للطهاة الذي يصادف 20 أكتوبر/ تشرين أول، وكان الشعار حينها "نحو مستقبل صحي"، وقد وجهنا دعوة للأطفال وطلاب المدارس، وذات مرة طلبت من الأطفال رسم الطعام الصحي من وجهة نظرهم، فرسموا وجبات سريعة، ما كان منا إلا أن نشرح لهم وللأهالي عن فوائد الغذاء الصحي في بناء جيل سليم".
وبخصوص انطباع الطاهي فاروق عن المنتجعات العريقة في شرق آسيا التي يُعرف عنها الالتزام بمبادئ الطبخ المستدام، خاصة أنه سبق له العمل في شركات من هذا الطراز، يوضح: "هناك عدد من الشركات مثل مجموعة الحواس الست، أو مجموعة أمان، أو مجموعة سونيفا فوشي وايفاسون، ومجموعة فيا نوفا، وقد عملتُ في "مجموعة الحواس الست" التي تتمسك بمعايير الاستدامة والطعام العضوي، والمعدّ محليًا، وتخضع الطواقم العاملة فيها لتدريب صارم ومكثف وملزم حتى في أدق التفاصيل، كما أنها تهتم بفكرة النهج البطيء للطعام والحياة إجمالاً".