خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
نحن لا نزال في مستنقع الجائحة الفيروسية، وقد يبدو أن التحدي الأهم في هذه المرحلة هو طبي وصحي بشكل أساسي. الهزات الارتدادية وأمواج تسونامي تعقب بالعادة الزلزال الرئيسي؛ ويمكننا بالفعل رؤية العلامات الواعدة للموجة الثانية من الجائحة: الأزمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي أخذت تفتك بالعديد من المواطنين؛ إذ نجد ارتفاعا هائلا في نسبة الشرائح السكانية التي فتكت أو ستفتك بها جائحة الفقر والجوع. كشفت الجائحة زيف "التنمية" التي طالما أتقن كثير من رموز السلطة والناشطون في أوساط الأكاديميين والمنظمات غير الحكومية الترويج لها، تلك "التنمية" السطحية-المظهرية والطفيلية والريعية التي دأبنا، منذ أوائل التسعينيات، على التحذير من خطورتها الوجودية على شعبنا، والتي تجسدت في تضخيم الاستثمارات والنفقات في القطاعات الخدماتية والترفيهية والمالية؛ وفي المقابل هشاشة وضحالة الاستثمارات الفعلية في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية. كما أن الاستثمار في القطاعات الاجتماعية والصحية والتعليمية والعلمية-البحثية هزيل، بالمقارنة مع الموازنات السلطوية الأمنية المتضخمة.
|
 |
| حياة الرفاهية المظهرية في رام الله تخفي تحتها بؤسا اجتماعيا واقتصاديا مريعا |
يشكل الإغلاق المطول الذي فرضته جائحة كورونا على الفلسطينيين، معاناةً كبيرة للأفراد الذين يحتاجون إلى شبكة أمان اجتماعية-معيشية واسعة، علما أن المشهد الاجتماعي-الاقتصادي-المعيشي الحالي الناجم عن الجائحة ليس سوى البداية. ففي حال عدم تعزيز خدمات الصحة النفسية الآن، إلى جانب توفير البدائل الاقتصادية والمعيشية لأعداد كبيرة من الناس الذين خسروا مصادر رزقهم كليا، لن تتمكن المؤسسة الفلسطينية الرسمية من مواجهة الأزمة الرهيبة التي ستصيبنا بعد العودة إلى الحياة "الطبيعية" أو شبه الطبيعية.
نحن لا نزال في مستنقع الجائحة، وقد يبدو أن التحدي الأهم في هذه المرحلة هو طبي وصحي بشكل أساسي. الهزات الارتدادية وأمواج تسونامي تعقب بالعادة الزلزال الرئيسي؛ ويمكننا بالفعل رؤية العلامات الواعدة للموجة الثانية من الجائحة: الأزمات النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي أخذت تفتك بالعديد من المواطنين.
أسباب ذلك كثيرة وتراكمية. أولاً، جميعنا يعيش في حالة ممتدة من القلق وعدم اليقين النابعين من المعلومات الطبية الملتبسة وغير الحاسمة، والخطر الحقيقي القائم من الإصابة بالعدوى والمرض وربما الوفاة. يوجد للأزمة أيضًا جانب نفسي فريد من نوعه يتعلق بأفراد الأسرة الواحدة الذين قد ينقلون العدوى لبعضهم البعض؛ فمثل هذا الواقع يزيد من حدة القلق ويفكك الشعور بالانتماء والأمان.
أدت العزلة الاجتماعية المستمرة أيضًا إلى قطع الروابط الاجتماعية، كما بترت صلة العديدين بأنظمتهم المعيشية والاجتماعية اليومية. العزلة صعبة بشكل خاص على كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة وذوي الإعاقات الجسدية والعقلية- تلك الفئات الضعيفة والهشة حتى خلال الأيام العادية. أشخاص كثيرون يعتمدون على العلاج الطبي والمساعدة التمريضية اليومية (منذ ما قبل الجائحة) تُركوا وحيدين في المعركة، دون مساعدة حيوية لوجودهم، فأصبحوا غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الجسدية.
الأزمة الكبرى التي يواجهها مئات آلاف الفلسطينيين هي ارتفاع معدلات البطالة التي تفاقمت بسبب إغلاق و/أو إفلاس العديد من الشركات والمنشآت والمصالح الاقتصادية-التجارية المستقلة، وبالتالي، الانخفاض الكبير في العمالة، وفصل العمال أو منحهم عطلاً غير مدفوعة الراتب.
وهنا، كشفت الجائحة زيف "التنمية" التي طالما أتقن كثيرٌ من رموز السلطة والناشطون في أوساط الأكاديميين والمنظمات غير الحكومية الترويج لها، تلك "التنمية" السطحية والمظهرية والطفيلية والريعية التي دأبنا، منذ أوائل التسعينيات، على التحذير من خطورتها الوجودية على شعبنا، والتي تجسدت في تضخيم الاستثمارات والنفقات في القطاعات الخدماتية والترفيهية والمالية؛ وفي المقابل هشاشة وضحالة الاستثمارات الفعلية في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والتصنيع الزراعي-الغذائي المعتمدين على الذات، وبالتالي تم تعزيز تحكم وتفنن الاحتلال في عملية إطعامنا وتجويعنا. كما أن الاستثمار في القطاعات الاجتماعية والصحية والتعليمية والعلمية-البحثية هزيل، بالمقارنة مع الموازنات السلطوية الأمنية المتضخمة (لخدمة من؟)؛ ومن أسطع تجليات هذا المشهد أن المرضى من كبار المسؤولين وأبناء الذوات اعتادوا على تلقي العلاج في المشافي الأميركية والأوروبية؛ كما أن العديد من الأخيرين يرتبون تعليم أبنائهم في الجامعات الغربية. وفي المحصلة، نجد في أعقاب الجائحة الفيروسية، ارتفاعاً هائلا في نسبة الشرائح السكانية التي فتكت أو ستفتك بها جائحة الفقر والجوع.

الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية أخذت تفتك بالعديد من المواطنين إثر جائحة كورونا
عواقب الجائحة الفيروسية
خلال الأشهر القادمة، سيواجه مجتمعنا عواقب الجائحة الفيروسية والصدمات المؤلمة الناتجة عنها؛ إذ من المرجح أن نشهد ارتفاعا في معدلات الاضطراب النفسي والاكتئاب والقلق والاستخدام الإدماني للأدوية والمواد المخدرة في محاولة مشوهة للخلاص الذاتي؛ بالإضافة لانفجار نوبات الغضب والعنف داخل المنزل والأسرة، بل، بروز بعض الأفكار والسلوكيات الانتحارية.
في الآونة الأخيرة، أفادت بعض المنظمات والجهات العاملة في مجال الصحة النفسية بأن ارتفاعا حادا طرأ على حالات القلق والاكتئاب، وزيادة في استهلاك المهدئات، وهناك المزيد من الاستفسارات عبر خطوط المساعدة الهاتفية التابعة لتلك المنظمات والجهات. المنظمات والمؤسسات المهتمة بشريحة النساء المعنفات تفيد بأن نسبة ضحايا العنف الأسري قد ارتفعت أضعاف، بالمقارنة مع فترة ما قبل الجائحة الفيروسية. وتشير البيانات الرسمية والأهلية إلى زيادة كبيرة في عدد شكاوى العنف ضد الأطفال خلال الأشهر الأخيرة. ويبدو أن هذه مجرد صورة جزئية، لأن الضحايا لا يميلون بالعادة إلى الاتصال بالجهات الرسمية أو الأهلية المختصة.
لن تكون العودة إلى الروتين أمراً سهلاً على الإطلاق؛ إذ سيحتاج الكثيرون إلى رعاية نفسية ودعم ومساعدة كي يعودوا إلى حياتهم السابقة. وينسحب هذا الأمر، على سبيل المثال، على الطواقم الطبية التي وقفت في طليعة المحاربين في معركة منع تفشي الجائحة، معرضين أنفسهم للخطر، فضلا عن تحملهم عبئا جسديا ونفسيا كبيرا. إلا أن الفئة الأكثر معاناة تتمثل في العاطلين عن العمل والفقراء الجدد، والأطفال والشباب ذوي الاحتياجات الخاصة والأولاد الذين يعانون من الأذى الجنسي أو الجسدي داخل أسرهم.
الاستنتاج هو أن أنظمة الصحة النفسية يجب أن تكون جاهزة للاستجابة لكثير من الناس؛ إلا أن المشكلة الجدية التي تعانيها تلك الأنظمة تتمثل في الإهمال وشح الموازنات المالية والقوى البشرية المؤهلة والمدربة جيدا، وبالتالي العجز عن توفير الاستجابات السريعة اللازمة، وبخاصة في الأرياف.
ومن أجل مواكبة الموجة الثانية من الكورونا (النفسية-الاجتماعية-الاقتصادية-المعيشية) ، يجب وضع قضية الصحة النفسية على رأس الأولويات الوطنية. ومن ضمن الخطوات الفورية، يجب دمج خبراء الصحة النفسية في عملية صنع السياسات، وإنشاء هيئة وطنية للتوعية والعلاج، يتواجد فيها ممثلو المنظمات والجهات العاملة في مجال الصحة النفسية. ستكون الهيئة مسؤولة عن توفير معلومات وقائية مهمة، مثل استراتيجيات الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية أثناء العزل المنزلي لتحسين المناعة والسلوك الأسري، بالإضافة لتقديم المساعدة العملية للشرائح السكانية الضعيفة والمكشوفة.
يجب تزويد مقدمي الرعاية الصحية والنفسية بالحوافز التي تساعدهم في تنظيم زيارات منزلية للمرضى والمحجورين الذين يعانون من مشاكل نفسية. ومن المهم أيضًا تجنيد المعلمين والأهالي وقادة المجتمع وتزويدهم بالمعرفة التي يحتاجونها ليصبحوا وكلاء للصحة النفسية المجتمعية. الحديث هنا يدور عن نموذج معروف في أوقات الطوارئ، ولدى العديد من خبراء الصحة النفسية خبرة واسعة في تنفيذه. وبالطبع، هذا ليس كافيًا، لذا لا بد من التخطيط لإجراءات طويلة المدى من الآن فصاعدًا؛ إذ يجب على الجهات الرسمية تخصيص المزيد من الموارد لنظام الصحة النفسية ولزيادة عدد العاملين، وإضافة معايير علمية واضحة لأخصائيي الصحة النفسية العاملين في القطاع العام، وتحديدا في حقول الطب النفسي، علم النفس، العمل الاجتماعي، التمريض، العلاج بالفنون، العلاج باستخدام المهن المختلفة، وأكثر من ذلك.
يمكن لهذا الاستثمار الآن أن يحد من الأزمة الوشيكة؛ فإذا ما تم تنفيذ الإجراءات المذكورة يمكننا عندئذ الحد من عواقب الموجة الثانية للجائحة، والحفاظ بالتالي على مناعة المجتمع الفلسطيني النفسية والاجتماعية. وتحقيقا لهذه الغاية، يجب تعزيز وتقوية نظام الصحة النفسية منذ الآن، وعدم الانتظار حتى حدوث الانهيار الذي يبدو لا مفر منه.