أذار 2009 العدد (12)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا 

March 2009 No (12)

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

 

مخيم شعفاط كارثة بيئية داخل حدود بلدية القدس

يغرق في النفايات ويختنق بالطوب

مع تزايد السكان وعشوائية البناء  اختفت الأشجار

 الشوارع ملاعب للأطفال، وسطوح المنازل متنفس للعائلات

 

تقرير وعدسة: ربى عنبتاوي

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

"ازدحام خانق، ضوضاء، بشر وحجر" مظاهر تجعل من بيئة مخيم شعفاط  شمالي القدس مأساة حقيقية، فالشارع أضحى زقاقاً، وزرقة المدى حجبتها كتل الاسمنت، أمّا أكوام النفايات فقد احتلت بدورها مساحة من شارع المخيم الرئيس فزادت المشهد قتامةً. "شو هالعيشة "! تذمرٌ متواصل يتردد على أفواه سكان المخيم الذين أجبروا على مغادرة مكان لجوئهم الأول من قراهم الفلسطينية إلى "حارة الشرف" في القدس أيام النكبة، فبقوا هناك حتى رُحّلوا إلى مكان وعدوا بأنه سيكون أكثر إشراقا وبحبوحة قبيل النكسة بسنوات، فما زادهم المخيم إلا لجوءاً وبؤساً.

تجولت مراسلة مجلة "آفاق البيئة والتنمية" في زوايا المخيم حيث سنحت لها الفرصة بالتقاء بعضٍ من سكانه ومعاينة واقعه، الذي لا يختلف كثيراً عن سمة مخيمات لجوء فلسطين إلا لكونه المخيم القائم داخل حدود بلدية القدس؛ مما جعله ملاذاً للمقدسيين الوافدين إليه بعد إنشاء الجدار العنصري لإثبات وجودهم في المدينة، الأمر الذي فجّر الكثافة السكانية في مساحة ضيقة أمام مساعدات خجولة من الأونروا وتنصل بلدية الاحتلال من تقديم ما يتوجب عليها من خدمات.

من أين لك المفر؟

الرجل الخمسيني "نافز أبو عصب"  وصف حياته في المخيم بكلمة "دمار"، فنافذ الذي يعيش مع زوجته في غرفتين كان قد عاش فيهما مع أبنائه الخمسة حتى تزوجوا جميعاً ، يخرج كل صباح باحثا عن مكان أرحب فيذهب إلى مقر اللجنة الشعبية أو يصعد إلى سطح منزله علّه يجد هواءً عليلاً. ويتهكم أبو عصب من كون أزقة المخيم لا تتسع للأحياء ولا حتى للأموات مشيراً إلى استحالة تشييع ميت من منزله في جنازة. 

"الحل بعودتنا لأرضنا، المخيم حلّ مؤقت وليس دائما. لماذا لا يكون لنا بيتنا المستقل الواسع؟ ولماذا لا ننعم بحديقة خضراء أمام المنزل؟ " تساءل أبو عصب.

الحاج" أبو راجح " رئيس لجنة إصلاح مخيم شعفاط يقول :"وضع المخيم سيء وهو على كف الرحمن، فهنا نحن معزولون ومحاطون بالمستوطنات، نشعر وكأننا منبوذون، النفايات، الازدحام، الذباب، إزعاج السيارات وضجيج الناس.  من أين لك المفر".

ويصف أبو راجح بيته بعلبة سردين، هذا فضلا عن التصاق البيوت بعضها ببعض، لدرجة أن الجار يستطيع تقديم فنجان قهوة لجاره من النافذة، فبين البيت والآخر عازل عرضه 10 سم من الطوب؛ مما يضطر أبو راجح لخفض صوته بالعادة.

" لا توجد حدائق للأطفال يلعبون فيها، فيلجؤون للشوارع؛ مما يخلق بيئة غير صحية لهم، تؤثر على تحصيلهم العلمي وثقافة المخيم بشكل عام" عقب أبو راجح.

من لجوء إلى لجوء

السيد "خضر الدبس" رئيس اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار يتحدث في مقابلة مع مجلة آفاق البيئة والتنمية عن مخيم شعفاط من عدة جوانب، فعن تاريخ المخيم قال الدبس إن إنشاءه تم عام 1964 باتفاق بين الحكومة الأردنية ووكالة الغوث" الأونروا"، بهدف نقل سكان حارة الشرف في البلدة القديمة في القدس التي قطنوها بعيد النكبة إلى المخيم الحديث في منطقة شعفاط، بادعاءات تتعلق بإنقاذ الناس من الوضع الإنساني والصحي السيئ الذي كانوا يعيشونه في الحارة. فتم تهجيرهم من منطقة سيئة إلى منطقة أسوأ على حد وصف الدبس.

وحول ملامح بيوت المخيم الممتد على مساحة 203 دونمات، أشار الدبس إلى تقسيم المخيم لبيوت صغيرة جداً، حيث خصصت لكل عائلة غرفة مساحتها 6 متر مربع، بين كل 7 مساكن مسافة بسيطة، وقد حددت منافذ الهواء للمنزل من اتجاهي الشرق والغرب فقط. المراحيض بدايةً كانت عامة وموزعة على أمكنة مختلفة في المخيم، عدد السكان المسجل آنذاك كان 3500 -5000، في يومنا هذا تضاعف عدد السكان وتوافد آخرون عليه بينما المساحة لم تتغير، هذا العدد اضطر الناس إلى الاعتداء على الشوارع العامة وانتشار حمّى البناء العمودي مما أدى إلى اختفاء أي عرق اخضر إلا ما يظهر منه لدى مؤسسات وكالة الغوث لأن مساحتها بقيت كما هي.

 

مخيم داخل حدود القدس وخارج خدماتها

ونقلاً عن الإحصائية الرسمية للأونروا فقد بلغ عدد اللاجئين المسجلين في مخيم شعفاط اليوم 10069 نسمة، مع أن الحقيقة تشير إلى ضعفي هذا الرقم ، وهذا يدلل على الزيادة من "غير اللاجئين" الوافدين إلى المخيم حفاظاً على حقوقهم في المدينة، إضافة إلى عودة 4000 لاجئ كانوا قد غادروا المخيم في الماضي بحثا عن سبل عيش أفضل وعادوا مجدداً في السنوات الأخيرة لتأمين بقائهم في القدس.

 وحول الازدحام السكاني والبناء العشوائي أشارت المعلومات الصادرة عن الوكالة إلى خطر تجاهل تحذيراتها حول الامتداد العمودي على منازل المخيم التي أعدت أصلا لتتحمل طابقا واحدا أو طابقين وليس ثلاثة أو أربعة كما هو الحال عليه الآن.

"أتذكر ملامح مخيم شعفاط قبل الانتفاضة الشعبية الأولى عبر مشهد الشجر الذي يزيّن رمادية البيوت، الآن  اختفت الأشجار بنسبة 97% وانتشر البناء العمودي والتصق الحائط بالحائط فلم يعد هناك متنفسٌ يذكر" كما قال الدبس.

خصوصية المخيم

وأشار الدبس إلى أن خصوصية المخيم تأتي من كونه يتأرجح بين موقعه القائم ضمن القدس المحتلة من جهة، وتبعتيه للأونروا خدماتياً من جهة أخرى، حيث يحمل 97% من سكانه الهوية المقدسية حين شملهم إحصاء عام 67 ما يعني جملة من الحقوق والضمانات، ولكنهم لا يتلقون إلا خدمة التأمين الوطني والصحي مقابل غياب خدمات البنية التحتية أو الإنارة في الشوارع أو النفايات، حيث تعتبر بلدية الاحتلال أن خدماتهم ضمن رزمة الأونروا، وإعفائهم من ضريبة السكن الإسرائيلية ( الأرنونا) يجعل البلدية تغض النظر عن الخدمات الأخرى.

وحول قضية المياه في المخيم وكونها مأخوذة من مياه المستوطنات المحيطة قال الدبس: حتى عام 1988 توقفت بلدية الاحتلال عن تقديم خدمات المياه مما أدى إلى  قطع المياه واضطرار سكان المخيم شراء تنكات مياه من بلدة عناتا القريبة، مما حدا شباب المخيم  على البحث عن حلّ عملي دفعهم للحصول على المياه بطريقة غير قانونية عبر نقل المياه من المستوطنات ومد المخيم بشبكة مياه جديدة.  وحول شبكة المجاري فقد قامت بلدية الاحتلال عام 85 بإنشاء واحدة تستوعب مخلفات 7000 نسمة، الآن يتجاوز عدد سكان المخيم 20 ألف نسمة وشبكة المجاري لم تتطور؛ مما يعني تلوثاً يؤدي إلى مكرهة صحية.

 

الجدار يعزل المخيم عن القدس

يشير الدبس إلى أن الجدار بعد اكتماله سيعزل المخيم عن مدينة القدس مما سيؤثر على السكان والعمالة التي تعمل داخل الخط الأخضر، كما أثر مسار الجدار الحالي على خدمة التخلص من النفايات التي تبلغ يومياً(21 طنا) حيث كانت عملية نقل النفايات إلى مكب أبو ديس لا تتجاوز عشرين دقيقة، لكن بعد الإغلاق  تستغرق العملية أكثر من ساعة حيث تقطع المركبة  30 كم لتفرغ نفاياتها في منطقة رام الله؛ مما أدى إلى زيادة الجهد مقابل أجر ضئيل، كما أن إنشاء الجدار أضرّ بشبكة المجاري المربوطة مع بلدية القدس، حيث أتلف بناؤه أجزاءً من الشبكة مما أثر على انسياب الخطوط ونتج عنه تداعيات صحية على البيئة من تربة ومياه.

 

سكان الضواحي المجاورة سيعزلون أيضاً

وفي تقرير أخير صادر عن مجموعة الرقابة الفلسطينية في دائرة شؤون المفاوضات، أشير إلى خطر الجدار الفاصل الذي سيعزل عدداً من الأحياء الفلسطينية القائمة على تخوم مخيم شعفاط عن القدس، مثل: حي رأس شحادة ورأس خميس وضاحية السلام، فبعد استكمال بناء الجدار، ستجبر قوات الاحتلال الإسرائيلية 30 ألف نسمةمة من حملة الهوية المقدسية المقيمين في تلك الأحياء على المرور عبر بوابة من بوابات الجدار العازل للوصول إلى مدينة القدس. ومن شأن لك تقليص الخدمات الضئيلة التي توفرها بلدية القدس الإسرائيلية لعدد كبير من هؤلاء المواطنين، والذين لهم الحق في الحصول على تلك الخدمات لكونهم يلتزمون بدفع الضرائب لهذه البلدية، وزيادة على ذلك سيواجه المواطنون صعوبات جمة في الوصول إلى المؤسسات الحيوية الضرورية كالمرافق الصحية والمؤسسات التعليمية.

معبر شعفاط ( بوابة من بوابات الجدار الفاصل)

ونوه  نفس التقرير إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلية تقيم أحد أهم الحواجز العسكرية المؤدية إلى مدينة القدس، على بعد 2,1 كم من حدود 1967، على امتداد ضواحي مخيم شعفاط، حيث أقامته قوات الاحتلال عام 2000؛ وعقب استكمال مقطع الجدار حول بلدة عناتا ستقوم قوات الاحتلال بتحويل حاجز شعفاط إلى بوابة من بوابات الجدار العازل.

 ويعني  هذا أن الخارج أو الداخل (من وإلى) مخيم شعفاط سيجبر على المرور عبر حاجز مكون من أربعة مسالك:  واحد لدخول مخيم شعفاط من جهة القدس الذي يشهد اكتظاظاً مستمراً بسبب ازدحام حركة مرور السيارات عليه، بينما خصصت المسالك الأخرى للخروج من المخيم على مدار 24 ساعة، فالمسلك الثاني لعبور الحافلات والثالث والرابع لعبور طلاب المدارس ما بين الساعة السادسة صباحاً والثامنة مساءً.

 

الشوارع ملاعب للأطفال، وسطوح المنازل متنفس للعائلات

ويرى الدبس أن أكثر الأوضاع مأساوية هو انعدام المتنفسات والملاعب للأطفال مما يجعلهم يتخذون من الشارع ترفيهاً، ما ساهم في انتشار العنف والسلوك السيئ وعرّض الطفولة للكثير من الأمراض، نتيجة اللعب قرب أكوام النفايات .

ويشير الدبس وهو يقف على مرتفع في منطقة رأس خميس يطل على مستوطنة بسغات زئيف" إلى أننا نرى كل يوم المستوطنات الإسرائيلية مدنا بحالها تتربع براحة على أرضنا. نشعر بغصة حين يحرمنا المحتل من أرضنا ويخنقنا بمساحة ضيقة مقابل إمتاع مستوطنيه بالبيوت الواسعة والملاعب والمدارس والأشجار والبراري المحيطة، أمّا نحن فلا شيء " كما ختم الدبس حديثه.

 للأعلى

 
     

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني:

الموضوع: الرئيسي -2

التعليق

لقد تحولت عاصمة الثقافة العربيةبامتياز إلى عاصمة الفقر الاجتماعي والثقافي والبيئي...

  مصعب عمارنة


 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.