خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
تبحث آفاق البيئة والتنمية في تداعيات جائحة "كورونا" على أشكال الحياة في فلسطين، فتعود إلى التاريخ لرصد سريع لملامح الأوبئة التي عصفت بالبلاد والعباد: الكوليرا، والجرب، والتيفوس، والجفاف، والتأثيرات التي تسببت بها. كما تستشرف النتائج الاقتصادية والاجتماعية المحتملة لكوفيد 19، وتبحث عن الأنماط الاجتماعية والصحية المُمكن تشكلها بعد انتهاء الفيروس، وتواكب مدى قدرة النظام الصحي على امتصاص كارثة طبيعية كالزلازل، قد تتزامن مع "كورونا"، لا قدر الله.
|
 |
| الكارنتينا الخليل |
تواصل "آفاق" البحث في تداعيات جائحة "كورونا" على أشكال الحياة في فلسطين، فتعود إلى التاريخ لرصد سريع لملامح الأوبئة التي عصفت بالبلاد والعباد: الكوليرا، والجرب، والتيفوس، والجفاف، والتأثيرات التي تسببت بها. كما تستشرف النتائج الاقتصادية والاجتماعية المحتملة لكوفيد 19، وتبحث عن الأنماط الاجتماعية والصحية المُمكن تشكلها بعد انتهاء الفيروس، وتواكب مدى قدرة النظام الصحي على امتصاص كارثة طبيعية كالزلازل، قد تتزامن مع "كورونا"، لا قدر الله.
سجل وبائي
يُعيد المؤرخ والمحاضر في جامعة النجاح، د. أمين أبو بكر وقائع الأوبئة التي أصابت فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، ففي عامي 1915 و1916 شهدت البلاد أوضاعًا صعبة جدًا، واستمرت بشكل متفاوت حتى عام 1935 الذي سجل إصابات بالطاعون في حيفا، وتواصلت الإصابات بالحصبة والكوليرا، واستمرت الأمراض البكتيرية إلى أن جرى تطوير اللقاحات لها.
وقال إن الأمراض والأوبئة انتشرت قبل الإسلام، واستمرت حتى العهد العثماني، وأثرت كلها في التكوين التاريخي والاجتماعي، وخاصة عندما اجتاح الفرس بلاد الشام، وعاشت المنطقة في حالات طاعون متكررة، أدت إلى تناقص السكان، والقضاء على مناطق بأكملها، وضعف الحكومات المركزية.
وأوضح أبو بكر أنه خلال الحقبة العثمانية، مُسحت قرى في فلسطين من السجلات الرسمية، وعندما زارها جامعو الضرائب، وجدوها خالية تمامًا.
ويورد مثالًا على زلزال عام 1837 المُدمر، الذي ضرب المنطقة بين جنين وطبريا وصفد وأثّر على نابلس، ومسح قرى بيسان وشمال شرق جنين كعربونة، ودير غزالة، وفقوعة، والجلمة عن بكرة أبيها، ولم تبنَ من جديد إلا بعد نحو 25 عامًا. وما ضاعف من الخسائر، حدوث الهزة قبيل غروب الشمس بقليل، وتزامنه مع تجمع الناس على موائد إفطار رمضان وفي فترة الشتاء.

أمين أبو بكر
ويُحلّل أبو بكر تداعيات الزلزال، الذي أدى إلى "إغلاق البيوت وتحويلها إلى مقابر؛ لعدم توفر أدوات لرفع الأنقاض"، وهو ما تسبب لاحقًا بأوبئة لأن الوافدين الجدد على القرى المُدمرة أعادوا بناء البيوت، وسلموا بقايا الجثث المتُحللة، فنقلت إليهم الأمراض والأوبئة.
والخطير أن أوبئة فلسطين" قد تتزامن أو تتعاقب، كأن يحدث زلزال، ويتبعه مباشرة طاعون أو كوليرا". حيث ساهمت الطيور في نقله إلى الحيوانات الأليفة والبرية، ثم وصل الإنسان، وهو ما يشبه اليوم نقل الأوبئة عبر حركة الطيران.
ويروي: خلال الحرب العالمية الأولى فرضت بريطانيا ومن معها حصارًا بحريًا على ساحل فلسطين، ما اضطر الدولة العثمانية إلى إخلائه، فتوقف وصول المواد الطبية والسلع المختلفة، وفاقم هذا من تفشي الأوبئة.
جفاف وحصار
وفق أبو بكر، فإن فلسطين عاشت خلال عام 1916 جفافًا غير مسبوق، ولم تسقط على معظم المناطق أية هطولات مطرية، ما أدى إلى جفاف الينابيع ونفاذ الآبار، وأضطر الناس لشرب المياه الآسنة، وتراجعت النظافة، وترافق هذا مع انشغال الدولة بالحرب، كما أن الآبار التي حفرها العثمانيون مع الجيشين الألماني والنمساوي لم تُستخدم وفرض عليها الحصار، خشية تسميمها من بريطانيا.

مصابون بالجذام في القدس
الوقع
وأشار أبو بكر إلى أن عام 1916 كان كارثيًا على فلسطين بكل الصعد، فتزامنت الحرب مع الحصار والجفاف، وانتشرت أوبئة فتاكة، وقلت النظافة، وتراجعت الزراعة بشكل حاد، وجندت معظم القوى العاملة للحرب، وانتشرت المجاعة، تبعتها الكوليرا، التي مسحت العديد من عائلات فلسطين من السجلات الرسمية؛ بفعل الوفيات الجماعية. وبحسب المقابلات الشفوية التي وثقت في جنين، فإن الكثير من العائلات لم تعد موجودة بسبب الأوبئة، ومُحيت من السجلّ.
واستنادًا إلى أبو بكر، فإن الأهالي كان يطلقون على الأوبئة باختلافها تعبير "الوَقـع"، وفيه ماتت عائلات كاملة داخل منزلها، كما نفقت الحيوانات، وانتشر الجرب، والتيفوس الذي يُسببه القمل لقلة النظافة، ولم يكن له لقاح، وتوفي بسببه أطباء، ومنهم مدير المستشفى الوطني بنابلس التركي "نور الدين كريدي" الذي كرمته نابلس بجنازة حاشدة ودُفن في ساحة المستشفى، رغم عدم تنظيم جنازات وقتها، وانتشار الدفن الفردي بسبب الوباء.

المستشفى الوطني في نابلس
وزاد: في ذات الفترة، وبسبب تزامن الأوبئة مع المجاعة والجفاف، كانت الدولة العثمانية توزع معونات من الطحين، وكان الناس يأكلونه مثل السكر، وانتشرت "الأنانية المُفرطة" بين الناس الذين حرصوا على الاحتفاظ بالمعونات الشحيحة لأنفسهم للحفاظ على حياتهم، كما انتشرت الجثث والجيف في الطرقات، وتوفي نحو ثُلث سكان فلسطين.

جراد القدس- مكتبة الكونغرس
جراد وبيوت حجر
ويتابع أبو بكر: انتشر الجراد في فلسطين خلال عام 1916، ووثق القنصل الأميركي قبل طرده من فلسطين؛ بسبب انضمام بلاده للحرب، بالصور أحداث تلك الحقبة، وقدم صور التهام أسراب "جراد أبو زملة" العنيف للأشجار في القدس.
وأفاد بأن الحجر الصحي في فلسطين "قديم جديد"، وهو مُشابه لما يحدث اليوم، وإن اختلفت بعض الإجراءات. حيث انتشرت عادة "الهروب" الاجتماعي التي يقابلها اليوم "التباعد"، واضطرت عائلات بأكملها تسكن مدنًا مثل حيفا والناصرة ونابلس إلى الانتقال للأرياف؛ هربًا من الأمراض. وحتى من بقوا في المدن، كما أفادوا في مقابلات أجراها أبو بكر قبل 20 عامًا، كانوا يمنعون غيرهم من الوصول إلى بيوتهم ويتجنبون التزاور، وفي حال دخل أحد على منزلهم يهربون منه، وبحسب الشهادات؛ فتلك التعليمات نقلت إلى السكان من الأطباء والجنود لمنع تفشي الوباء.

طرق مكافحة طاعون الجراد في النقب -مكتبة الكونغرس
وأشار أبو بكر، إلى انتشار "عادة الدفن الجماعي خلال الأوبئة"، كما اضطرت بعض العائلات لحرق موتاها. وأسست الدولة بيوت حجر جماعية، فهناك في بيروت حي اسمه "الكرنتينا"، ولا زال مكان الحجر حتى اليوم في الخليل.
وأوضح أن بيت الحجر كان بناية بقسمين: للرجال وللنساء، ولكل واحد ساحة مكشوفة وبناية مسقوفة، ومحاط بسور بحيث يمنع الوصول إليه، أو الخروج منه إلا بعد التعافي بين أسبوعين وشهر، ومورس هذا مع الحجاج القادمين من مكة والتجار، الذين كانوا يُمنعون من مقابلة أهلهم خلال الحجر، ووفرت لهم الدولة الطعام والعلاج، وسُجلت بعض حالات الهرب، التي قوبلت بالملاحقة والسجن.
وتابع أبو بكر إن الأوبئة غادرت فلسطين بعد الثلوج والأمطار، التي ساهمت في التنظيف العام والقضاء على الجراد، عدا عن الإجراءات والتباعد، والتوقف عن مراسم الدفن المتعارف عليها، وبدأ الناس بـ"الخروج التدريجي من الأوبئة عام 1917، بعد أن عمّ كل المدن والقرى، وترك خسائر ومقابر جماعية".
ويسرد أبو بكر التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت وأعقبت الأوبئة، فقد انتشر الزواج المُبكر، وتعدد الزوجات، والزواج من نساء يكبرن أزواجهن لتعويض الوفيات المرتفعة، واختفت عائلات كثيرة، وراج التكافل الاجتماعي بمساعدة اليتامى، وصارت النساء يقبلن بالزواج من رجال فقدوا أطرافهم في الحرب أو نجوا من الوباء، وجرى تغيير أسماء الأشخاص لتكون أكثر تفاؤلًا كعايش، وسعيد، ووحيد، وسعد، وفريد، وعيشة. مثلما انتشر الغلاء، وتوقفت المصانع على قلتها لإصابة عامليها ومالكيها ومورديها بالأوبئة كما في مصنع "السيريج" في نابلس، كما زاد التسول، وأضطر الناس لأكل القطط، وقلّت الملابس حتى الأكفان لم تعد موجودة.
وأنهى: "عام 1922 تضاعف المجتمع الفلسطيني بزيادة عدد سكانه وتعويض النقص العددي، وشعرت بريطانيا بالخطأ عندما نفّذت الإحصاء العام، كما عاد المجتمع فتيًا، ورُمم بسرعة".

نصر عبد الكريم
اقتصاد "كورونا"
من جانبه، توقع الخبير الاقتصادي، د. نصر عبد الكريم ألا تترك جائحة "كورونا" أية تداعيات على الاقتصاد المحلي، وسيبقى الحال كما هو؛ لأننا لا نمتلك اقتصادًا معقدًا أو له هيكلية، أو واضح المعالم بمنظومة علاقات اقتصادية محددة، وهو "اقتصاد هلامي، دينامكي بطبعه، ويعتمد بعلاقته مع الاحتلال وتبعيته له"، وهي عوامل حاسمة، وليس على شكل "كورونا" ذاتها.
وقال إن اقتصادنا بسيط، والأثر الذي سيترتب عليه بعد كورونا محكوم بالعلاقة مع دولة الاحتلال؛ لأن شريان اقتصادنا مرتبط بإسرائيل، والعامل الحاسم فيه سياسات الاحتلال.
وأكد عبد الكريم أن الدور الحكومي الراهن في الاقتصاد "غائب"، وكأن الحكومة تَنَحَّت عن إدارة الاقتصاد، وتركت الناس يديرون شأنهم، واهتمت بموظفيها وكأنها شركة.
وأضاف: "إذا ما وضعنا "كورونا" في نموذج إحصائي رياضي لدراسة تأثيره على اقتصادنا، سنجده عامًلًا ليس مهمًا، والأهم تطور العلاقة مع الاحتلال. ولكن على الصعيد المحلي البنيوي، ربما نجد "إعادة صياغة وتموضع" في التحالفات والعلاقات الاقتصادية والمصالح في الضفة والقطاع؛ لأن السلطة قد تندفع أكثر نحو "استرضاء القطاع الخاص" لأنها عاجزة تمامًا، ويمكن أن تقدم له "تنازلات" فيبدأ القطاع الخاص بـالإقدام على "التغول أكثر"، وحتى السياسات الضريبية المتوقعة ستكون لصالح الأغنياء؛ إلا إذا طرأت تغيرات سياسية كبيرة طغت على المشهد الاقتصادي وتحول إلى عامل ثانوي".
اقتصاد وزراعة
وأشار إلى أن مساعدات الدول المانحة ليست ذات تأثير، فهي تتراجع منذ عشر سنوات، وأصبحت اليوم تشكل 10-12 % من الموازنة، وربما تتراجع أكثر، ولكن دون أن تؤثر شيئًا في اقتصادنا، فعندما كانت مليار ونصف دولار زمن حكومة سلام فياض، ثم تراجعت في حكومة الحمد الله إلى 600 مليون لوحظ الأثر، أما الآن فمهما تراجع التمويل؛ فلم يعد له وزنٌ كبيرٌ في الاقتصاد، والدليل أن الحكومة اقترضت من البنوك خلال أزمة المقاصة 500 مليون دولار ثم سددتها.
وتابع: السلطة ليست السعودية أو الأردن أو الكويت أو الولايات المتحدة التي اقترضت من أجل الإنفاق على الوباء، بل اقترضت السلطة 800 مليون شيقل على حساب المقاصة لتدفع رواتب موظفيها، وتقترض من البنوك المحلية لذلك.
ووفق عبد الكريم، فإن حجم اقتصادنا صغير جدًا، وإذا ما انهار بعد "كورونا" فلن تحدث تأثيرات كبيرة، فهو أقل من موازنة شركة صغيرة أميركية، وأعمدته ثابتة، وسيتواصل بالتركيبة نفسها.
وقال: "الاعتبار الوحيد الممكن أن يُغير في الاقتصاد، القطاع الزراعي والعودة إلى استصلاح الأرض"، لكن هذا مرتبط بسياسة السلطة ومتابعتها لتعزيز دور هذا القطاع، وفي الوضع الحالي ربما يكون الأمر موسمًا وموجة، وإذا ما انتهت الأزمة سيعود السلوك الطبيعي للناس.
وأفاد عبد الكريم: "علميًا، لا نستطيع تحليل شكل اقتصاد فلسطين وقياسه خلال الأوبئة السابقة، فعقب الحربين العالميتين تداخلت عوامل سياسية عديدة: الاحتلال البريطاني، وهجوم الحركة الصهيونية، وإعلان دولة الاحتلال، ولم نملك اقتصادًا مستقلًا نستطيع قراءة تداعيات الأوبئة السابقة عليه بعيدًا عن السياسة، كما حدث من قحط وجراد وتأثيره الكبير علينا".

سونيا النمر
تحليل ثقافي
فيما استعادت أستاذة الدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت د. سونيا النمر أحوال المجاعة التي حدثت في فلسطين بفعل الجراد في القرن التاسع عشر، وكانت إحدى المحطات الهامة في تاريخنا، وسبقها بكثير ما وقع من زلزال عام 538 ميلادي الذي أثّر على الكرة الأرضية برمتها، واختفت الشمس عامًا كاملًا عن فلسطين وكل دول العالم، بفعل طبقة الغبار الكثيفة، ولم تنبت في ذلك العام المزروعات.
وقالت "من المبكر محاولة التنبؤ بما ستتركه جائحة كورونا على الأوضاع الاجتماعية، لكن التباعد الاجتماعي الذي حصل منذ البدايات، يمكن أن يستمر حتى أيلول القادم، إلا أنه وبمرور الوقت سيتراجع اهتمام الناس بالفيروس، ويقل التزامهم بإجراءات الوقاية والسلامة".
وتخوفت النمر من "تشكل موجة ثانية من الفايروس" بعد عيد الفطر، المتزامنة مع عودة نحو 46 ألف عامل من الداخل المحتل. وتوقعت أن يتجه الناس أكثر نحو التواصل الإلكتروني، وأن تأخذ الوسائل الافتراضية حيزًا أكبر مما كانت عليه قبل الجائحة، وهي ثقافة "ليست مريحة" خاصة بالابتعاد عن القراءة وبحثهم عن أشياء جاهزة، كما يُلاحظ ذلك من خلال التوجه إلى التعليم عن بعد للجامعات، التي ستواصل غالبًا اعتمادها على هذا النهج في المراحل المقبلة.
وأضافـت د. نمر أن أزمة الجائحة يمكن أن تشكل فرصة للاحتلال لتنفيذ ضم الضفة الغربية، وهو سيناريو مرعب. مشيرةً إلى إن آثار الجائحة لن تظهر في فترة قصيرة، وستظهر على المديين المتوسط والطويل.

د. بسمة الضميري
أمن صحي
وقالت المحاضرة في كلية الطب وعلوم الصحة في جامعة النجاح، وعضو الجمعية الأميركية للعلوم الجنائية، د. بسمة الضميري، إن الجاهزية للجائحة الحالية ليست متوفرة، وإذا ما تزامنت "كورونا" بكارثة طبيعية أخرى كهزة أرضية مثًلًا، فإن النظام الصحي سينهار، وسيتبعه الاستقرار والأمن.
وأضافت أن الصحة والأمن عنصران مترابطان، وانهيار أحدهما بسبب مرضٍ مُعدِ أو كارثة سينعكس على الآخر، فإذا ما تداعى النظام الصحي فستتفشى الأمراض، وسيجري استغلال الأوضاع بشكل سيء، وستتضاعف الجريمة، وستتبعه انهيارات للأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.
وتابعت: "تداعي النظام الصحي يعني "فقدان فئات عمرية" كالأطفال حتى سن الخامسة، وتعتبر نسب الوفيات لهذه الفئة مؤشرًا على مدى استقرار النظام الصحي، مثلما يمكن خسارة كبار السن.
ووفق الضميري، فإن جاهزية إدارة الأزمات والكوارث مهمة، وتشارك في غرف عملياتها الصحة والأمن، وكمثال ينبغي أن تكون بنية المستشفيات مصممة لمقاومة الزلازل، ولكن لدينا بعض المباني القديمة منها، و"مقياس تطور النظام الصحي مرتبط بعدد الأسرّة لكل ألف مواطن، وليس بعدد المستشفيات".
وقارنت الضميري بين الأوضاع الصحية في فلسطين خلال الأوبئة السابقة واليوم، بالقول إن التطعيم ضد الأمراض السارية لم يكن متوفرًا في الماضي، خاصة الكوليرا التي تُعد الأكثر فتكًا بالأطفال وكبار السن.

جميل ضبابات
دورة أوبئة
ويتتبع الصحافي في وكالة "وفا" جميل ضبابات، أحداثًا تاريخية عصفت بفلسطين، ويتوقف عند بحث لافتِ لمعهد الدراسات الفلسطينية بالمركز الأوروبي في جامعة إكستر، ركّز على مقاربة بين تفشي الوباء في فلسطين عام 1838، التي أعقبت فترة الحكم المصري على بلاد الشام والحال اليوم.
وأشار إلى أن الدراسة الموثقة أكدت أن "ما حدث في فترة محمد علي باشا مشابهة لما يحدث اليوم"، وقد شكّل معضلة كبيرة وتشابهت أمكنته مع مناطق انتشار "كوفيد 19"، إذ كانت في بيت لحم والناصرة والقدس ويافا بفعل السياحة الدينية، التي كانت تقصدُ فلسطين.
وكان ضبابات قد أعدّ قصة مثيرة عن الأيام الأولى من تموز 1855، وكتب في الوكالة الرسمية (وفا)، قصة رحلة الفتاة الإنجليزية ماري روجرز التي أَرَّخَت للحجر الصحي (48) ساعة لمنع تفشي وباء الكوليرا، ونقلت الينا أحوال الشعب الفلسطيني، التي مرت ساردته عبر ميناء بولون الفرنسي ومن ثم الإسكندرية، وحتى ميناء يافا الذي شهد "قصة الحجر الصحي الأشهر في التاريخ الحديث".
مما سرده ضبابات من مذكرات الفتاة الإنجليزية تجربتها والتي بدأت من الإبحار في عرض بحر يافا، وحتى اقتراب قارب الحجر الصحي، الذي كان يقل رجل أمن وموظفا من موظفي الحجر الصحي في المدينة. حيث اهتمت برصد محيط الحجر، ووصف زيارة صديقها من القدس بوجود حارس لمنع لمس أيدي الضيف، ووضعها النقود في كوب ماء لمنع انتشار العدوى عند الشراء من السوق، وحتى منحها شهادة خلو من الأمراض وإطلاق سراحها.
وقد رسم ضبابات خارطة تفشي الأوبئة قديمًا، بين بحر يافا والأماكن المقدسة في بيت لحم والناصرة والقدس، ولخّص التحدي الذي فُرض على المصريين في فلسطين لمقاومة الوباء، حيث أقاموا نقاط تفتيش لمجابهة المرض كنقطة لفتا، فيما استحدث الاحتلال البريطاني قانون الأوبئة والعزل وبيوت الحجر.
وأشار إلى أن "عزلة فلسطين بفعل الأوبئة ليست جديدة بل مُركّبة"، ولم نخرج منها، وظلت قائمة، وأثرها ليس فوريًا. وتوقع تغير الكثير من الأنماط الاجتماعية بفعل التداعيات الاقتصادية والسياسية لكورونا، وأن تكون التشريعات المستقبلية منحازة أكثر للقضايا الصحية، وإيجاد بنية تحتية جيدة لمقاومة الأوبئة.