صغيرة ولكن ….
|
لأسباب ثقافية-دينية ستستمر، في بلادنا، عملية تقسيم الأراضي إلى قطع أصغر وأصغر. في كل محفل حول الأرض والزراعة، يبرز سؤال حول معيقات التطور في القطاع الزراعي الفلسطيني، لتكون مسألة تفتت الملكية واحدة من أهم المعيقات بعد المعيق الأكبر المتعلق بالإحتلال الصهيوني لفلسطين. هل تفتت الملكية وصغر المساحات يعتبر معيقاً لإنتاج الغذاء في واقعنا؟ وإذا كان تفتت الملكية مستمر، وفي السياق المجتمعي لا يمكن وقفه، إلا بقانون لم يصدر بعد، ولا يوجد ما يدلل على أن هناك تفكير في مثل هذا القانون أصلاً، فالسؤال المركزي هو: ما العمل؟ وهو السؤال الأكثر طرحاً حول هذه المسألة، والأقل نقاشاً والأقل حظاً في الوصول إلى إجابات شافية. ولن يكون هنا أي ادعاء بالوصول لحل لهذه القضية، إنما هي محاولة لتحفيز النظر إليها من منظور مختلف، بناءً على معطيات مختلفة. تحتاج هذه المسألة إلى تغيير زاوية النظر إليها، في ظل واقع يقول بأن نحو (%80) من حيازات الأراضي عند الفلسطينيين، هي حيازات صغيرة تقل عن عشرة دونم للحيازة الواحدة، والبدء بالنظر إليها "كفرصة" وليست كمعيق للتنمية الزراعية، وبدء التخطيط على هذا الأساس، بحيث تأخذ الحيازات الصغيرة الاهتمام اللازم؛ علما أن التركيز في مثل هذه الحيازات يكون على إنتاج المحاصيل المتنوعة والغذاء المتكامل، من جهة ومن جهة أخرى فإن البصمة البيئية أكثر إيجابية بسبب عدم الحاجة للنقل الطويل، بما ينتج عنه من تلويث ومن رفع لتكلفة السلع.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| تنوع وغزارة الإنتاج الزراعي في الحيازات الصغيرة |
تتواصل هذه العملية منذ أزمان طويلة ماضية وتصغر المساحات شيئاً فشيئا. تنقسم بين الأبناء والبنات حين يغيب الآباء، وكل قطعة صغيرة تتحول إلى مجموعة من المساحات الصغيرة، ما كانت يوماً مساحتها مئة دونم، تقسمت لتصبح مجموعة من قطع الأراضي الأصغر، وهذه تقسمت، حتى بات ما يزيد عن الـ80% مساحات صغيرة، تقل عن العشر دونمات. في بلادنا ولأسباب ثقافية-دينية ستستمر عملية تقسيم الأراضي إلى قطع أصغر وأصغر، لكن في بعض الأحيان تعود لتتجمع، بيد من يشتري قطع صغيرة متقاربة، بعد أن "ما عادت تلك مفيدة" لأصحابها الذين ورثوها، لصغر المساحة.
في كل محفل حول الأرض والزراعة، يبرز سؤال حول معيقات التطور في القطاع الزراعي الفلسطيني، لتكون مسألة تفتت الملكية واحدة من أهم المعيقات بعد المعيق الأكبر المتعلق بالإحتلال الصهيوني لفلسطين. واقع تفتت الملكية لا يتغير ولن يتوقف، نردد ونقول أن تفتت الملكية من أهم المعيقات ونمضي في الاجتماع أو ورشة العمل أو المؤتمر، يأتينا خبراء التخطيط والاستراتيجيات ونعيد عليهم القول ونستمر دون أن نتوقف كثيراً عند طرح السؤال: ما المطلوب إذاً لتجاوز هذا "المعيق"؟ وحين يطرح هذا السؤال تكون أكثر الأجوبة شيوعاً هي بناء التعاونيات الزراعية، التي لم نرَ فيها من النماذج الناجحة ما يشير إلى أن هذا الحل يشكل حلاً سحرياً لهذه المسألة أو حلاً يعطي جواباً شافياً على مسألة نراها بهذا التعقيد.
فهل تفتت الملكية وصغر المساحات يعتبر معيقاً لإنتاج الغذاء في واقعنا؟ وإذا كان تفتت الملكية مستمر، وفي السياق المجتمعي لا يمكن وقفه، إلا بقانون لم يصدر بعد، ولا يوجد ما يدلل على أن هناك تفكير في مثل هذا القانون أصلاً، وإذا كانت تجارب التعاونيات الزراعية قد فشلت في غالبتيها العظمى، يصبح السؤال المركزي هو: ما العمل؟ وهو السؤال الأكثر طرحاً حول هذه المسألة، والأقل نقاشاً والأقل حظاً في الوصول إلى إجابات شافية. ولن يكون هنا أي ادعاء بالوصول لحل لهذه القضية، إنما هي محاولة لتحفيز النظر إليها من منظور مختلف، بناءً على معطيات مختلفة. تحتاج هذه المسألة إلى تغيير زاوية النظر إليها، في ظل واقع يقول بأن نحو (%80) من حيازات الأراضي عند الفلسطينيين، هي حيازات صغيرة تقل عن عشرة دونم للحيازة الواحدة، والبدء بالنظر إليها "كفرصة" وليست كمعيق للتنمية الزراعية، وبدء التخطيط على هذا الأساس، بحيث تأخذ الحيازات الصغيرة الاهتمام اللازم.
وقائع
 |
| المحاصيل الناتجة من الحيازات الصغيرة لا تقل جودة عن تلك الناتجة من الحيازات الكبيرة |
تقارير الأمم المتحدة تقول بأن 70% من الغذاء في العالم يتم إنتاجه في المزارع الصغيرة! بينما الإنتاج المتبقي يأتي من المزارع الكبيرة، الذي في الغالب، يتحول كإنتاج إلى أعلاف للحيوانات، وليس غذاء مباشر للناس، وقد يكون لا بأس في ذلك، لكن الأمر يتعلق بمقدار ما يتم تحويله من بروتين نباتي إلى بروتين حيواني. فإنتاج وحدة بروتين حيواني تحتاج إلى نحو عشر وحدات من الأعلاف البروتينية، إضافة إلى ما تسببه التربية التجارية الرأسمالية للحيوانات من أضرار على البيئة.
معظم التلوث في الهواء والتربة والماء تتسبب به المزارع الكبيرة، التي تعتمد بشكل كامل على الميكنة، التي تعمل بالوقود، كما تعتمد على الاستخدام العالي للكيماويات الزراعية، التي تسمم المياه والتربة، وتؤدي إلى تصحر مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية حول العالم، فيما المزارع الصغيرة إما أنها تعتمد على نسبة أقل من الكيماويات أو أنها تعتمد الأساليب الطبيعية المختلفة في الإنتاج، بحيث تكون بصمتها البيئية واضحة ودورها في انبعاث غازات الدفيئة صغير.
والواقع أن هذه المزارع الصغيرة، لا تحظَ عادةً بالدعم من الحكومات، بل يذهب الدعم الحكومي إلى المزارعين ذوي الحيازات الكبيرة والكبيرة جداً، رغم حقيقة أنهم يسهمون في إنتاج 30% من الغذاء العالمي فقط! مثل هذه المزارع الكبيرة تبتلع نصف موازنة الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، وهذا يثبت أن مثل هؤلاء المزارعين ذوي الحيازات الكبيرة، غير قادرين على الصمود والاستمرار في عملهم بدون الدعم الحكومي الكبير الذي يتلقونه وهؤلاء المزارعون في الغالب هم مزارعون كيماويون ويعتمدون على البذور المهجنة أو المعدلة وراثياً، التي يفترض أنها تحقق عائداً كبيراً لهم!! وإن كان الأمر كذلك، فلماذا يحتاجون كل هذا الدعم للاستمرار في عملهم الزراعي؟. في ظل هذه الحقيقة، هل يمكن اعتبار هذا النوع من الزراعة زراعة مستدامة، قادرة على الاستمرار والصمود؟؟
في المقابل، تعتمد الزراعة في الحيازات الصغيرة على المحاصيل غير المعدلة وراثياً، والأهم أنها في غالبيتها لا تتلق الدعم الحكومي، لكنها مستمرة في الإنتاج، وغالباً أيضاً ما تعتمد أساليب طبيعية في الإنتاج، أو أنها تعتمد على البعض القليل من الكيماويات.
من جهة أخرى فإن غالبية الحيازات الصغيرة يديرها ويعمل فيها أفراد العائلة، فهي بالتالي زراعة أسرية، توفر للأسرة احتياجاتها الغذائية المختلفة وتجد فيها تنويع عالي في الإنتاج وتكامل بين النباتي والحيواني، فيما الزراعة الرأسمالية في الحيازات الكبيرة، زراعة أحادية غير متنوعة، تعتمد إنتاج سلعة واحدة بدل إنتاج الغذاء، بلا تكامل بين الإنتاج النباتي والحيواني.
المسألة الأخرى تتمثل في أن الزراعة في الحيازات الصغيرة، تستهدف الأسواق والمستهلكين المحليين، وليس التصدير، وبذلك يكون التركيز على إنتاج المحاصيل المتنوعة والغذاء المتكامل، من جهة ومن جهة أخرى فإن البصمة البيئية أكثر إيجابية بسبب عدم الحاجة للنقل الطويل، بما ينتج عنه من تلويث ومن رفع لتكلفة السلع.
بداية التغيير
في ظل ما ورد من وقائع تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مسألة الحيازات الصغيرة في الواقع الفلسطيني، والتي تتطلب توجيه الاهتمام إليها، واعتبارها وحدات إنتاجية تحمل طاقة كبيرة، يمكن أن تلعب الدور الأساسي في إنتاج الغذاء المتنوع والصحي. مثل هذه المساحات الصغيرة، تعزز العمل الأسري من جهة، وتدعم اقتصاد الأسرة من جهة أخرى.
البعد الأهم في التعاطي مع قضية الحيازات الصغيرة، هو أن مجموع ما قد تنتجه يفوق كثيراً عما يمكن أن تنتجه الحيازات الكبيرة عندنا، لكن البعد الأهم هنا يكمن في أن المزارع الصغيرة تلعب الدور الأساس في تعزيز مفهوم السيادة على الغذاء، باعتمادها على البذور المحلية، وإعادة إنتاج تلك البذور، واعتمادها على مدخلات الإنتاج المحلية، وأيضاً لسهولة تبني أنماط الزراعة البيئية في هذه المساحات وتقليل الحاجة لاعتماد الكيماويات الزراعية في الإنتاج وتقليل الاعتماد على الميكنة الزراعية المستهلكة للنفط والموارد المالية، ولكون هذه المساحات تُستعمل لتغطية حاجة الأسرة والأسر المحيطة المرتبطة بالمزرعة الصغيرة فإنها تعتمد نمط الإنتاج المتنوع للغذاء وليس نمط إنتاج سلعة للسوق، وكل ذلك يعمل على تعزيز مبدأ السيادة على الغذاء.
في البعد الاجتماعي-الاقتصادي، يكون لهذه المساحات الصغيرة دور كبير في تقليل آثار البطالة في المجتمع، إذ يمكن لرب أسرة أن يعتمد على مساحة لا تزيد عن ثلاثة دونم، ليحقق دخلاً يكفيه لحياة كريمة له ولأسرته، في حال تبني منهج الزراعة البيئية المتنوعة المتعددة المحاصيل وليس منهج الزراعة الأحادية غير مضمونة النتائج والتي عادةً ما تكون هشة من السهل أن يتعرض المزارع من خلالها للخسارة، في حال تعرض المحصول الواحد لخطر ما فقد يؤدي لتلفه بالكامل، بينما في الزراعة البيئية المتنوعة تكون المحاصيل محصنة أمام الظروف المختلفة، فإذا تلف نوع تبقّى هناك أنواع منتجة، ليستمر دخل المزارع في كل الظروف ويستمر إنتاج الغذاء للأسرة.
وفي النهاية، فإن أي اقتصاد يعتمد في قوته على تعدد روافعه وروافده الصغيرة، وليس بالاعتماد على نشاط اقتصادي واحد كبير. كذلك الحال بالنسبة لإنتاج الغذاء، فهو يعتمد على التنويع الزراعي في مزارع وحيازات زراعية صغيرة، تشكل في مجموعها الإنتاج الكبير للغذاء. وفي منهج شمولي للتفكير والتخطيط تصبح الحيازات الصغيرة فرصة لتحقيق إنتاج زراعي عالي متنوع، لتوفير الغذاء وليست معيقاً أمام التنمية الزراعية.