|
تتحدث هذه المقالة عن مصدر بديل للطاقة، مصدر متجدد ومتواجد بكثرة في معظم أنحاء العالم، ألا وهو الشمس. وتعالج كيفية استخدام أشعة الشمس كبديل للكهرباء والغاز في الطبخ، وأيضاً إمكانية الإستفادة منها في قطاع تصنيع الأغذية وفي تجفيف الأطعمة بالتحديد. وتركز الحديث على الطباخ الشمسي وصندوق الطبخ الشمسي وفرن تيلكيس وفرن الطابور وأهمية التجفيف في حفظ الأغذية وزيادة قيمتها الغذائية. الحلول التي تستعرضها المقالة ليس فقط أمرٌ مهم لبيئة أكثر استدامة، بل لها معاني أبعد من ذلك تتجسد بإثبات الإنسان قدرته على التغلب على الظروف القاهرة، والإعتماد على نفسه والوصول تدريجياً إلى اكتفاء ذاتي بعيداً عن النظام السائد الذي يرهقنا بالمسؤوليات المادية، ويبعدنا تدريجياً عن أنماط الحياة التي كانت سائدة تقليدياً في بلادنا، والتي تختصر علينا الكثير من مشاكل اليوم.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية

فصل الصيف في فلسطين يمتاز بالهدوء، والطبيعة الساحرة والمحاصيل والثمار والغناء والطرب والحياة البسيطة المرحة، بالإضافة إلى أنه موسم الأفراح والأعراس الشعبية، وبيع المحاصيل وتوفير الأمن الغذائي وسد حاجات الناس. يمتاز الصيف أيضاً بطبيعة الحال بدرجات الحرارة المرتفعة وهذا يضفي شخصية خاصة بهذا الموسم. في فلسطين، تبدأ مربعينية الصيف في شهر تموز وتمتد لشهر آب ومن ثم تتبعها خمسينية الصيف. تعتبر فترة المربعينية أشد فترات العام حراً وتتسم بدرجات حرارة عالية، حتى أن الناس يسمون الصيف بهذه الفترة بالصيف الأحمر إشارة إلى حرهِ الشديد المشابه لجهنم الحمراء. هناك أيضاً أمثال شعبية تصف الحر في هذا الفصل، مثل " فاض الحر ع المسطاح"، "بتموز بتدفى العجوز"، و "في تموز بتغلي المية في الكوز" (البطمة، ٢٠١٢).
ما لا يخفى على أحد هو أن الشعب الفلسطيني يعاني من احتلال ظالم وأوضاع معيشية صعبة هي نتاج لما مر به الشعب من نكبات وتهجير واقتلاع يومي على مر السنين، وتدمير للبيئة والعيش في مخيمات وما يرافق ذلك من جوع وفقر ومرض وبطالة ومصادرة للأراضي وغيرها الكثير. هذه الأوضاع أدت بشكل أو بآخر إلى تدهور الإقتصاد الفلسطيني وإلى أوضاع معيشية تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
لهذه الأسباب جميعها، ولسبب آخر مشابه في الأهمية ألا وهو ضرورة الحفاظ على البيئة ومصادرها وتحديداً في زمن يعاني منه العالم أجمع بتدهور الأوضاع البيئية نتيجة لأفعال الإنسان من تدمير واستهلاك زائد للمصادر الطبيعية، يجب أن نطور الوعي لدينا بالبدائل المتاحة أمامنا من أجل التصدي لهذه الكوارث الإنسانية والطبيعية. الكثير من شعوب العالم تعاني من وجود فجوة بين الأعداد السكانية المتزايدة، والمصادر المتوافرة لإبقاء هذه الأعداد المتزايدة على قيد الحياة أو لتمكينهم على الأقل من عيش حياة صحية خالية من الأمراض وبوجود مصادر وفيرة تكفيهم وتكفي الأجيال القادمة لعيش حياة كريمة.
الشمس
التوجه لأساليب بديلة للتعامل مع كوارثنا الإنسانية أم البيئية هو أمر ضروري ويجب على جميع الناس إدراكه والوعي بآثاره، ولكن أخص بالاهتمام هنا الشعوب الفقيرة والشعوب التي تعاني من ظروف إنسانية صعبة، والشعب الفلسطيني هو أحد هذه الشعوب الذي بإمكانه النهوض بنفسه إذا توفر لديه الوعي الكافي في كيفية مواجهة هذه الأوقات الصعبة. في هذه المقالة سنقوم بالحديث عن مصدر بديل للطاقة، مصدر متجدد ومتواجد بكثرة في معظم أنحاء العالم، ألا وهو الشمس.
في وقتنا الحالي، نعتمد اعتماداً كبيراً على مصادر الوقود الأحفورية كالغاز والديزل من أجل الحصول على الكهرباء، لكن هذه المصادر تكاد تنفذ، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في أعداد السكان عالمياً وحاجتهم المتزايدة لمصادر تسد احتياجاتهم الأساسية، مما دعا إلى البحث عن مصادر طاقة متجددة أخرى، غير مكلفة وصديقة للبيئة. إحدى أهم هذه المصادر المتجددة هي الشمس والتي يمكن استغلالها من خلال ما يسمى بالألواح الضوئية أو الطاقة الضوئية الجهدية، والتي تعمل بالأساس من خلال تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية وبتكلفة بسيطة. مع تقدم العلم، أصبحت هذه التكنولوجيا ناضجة ومتاحة سواء للأفراد، أم في القطاعات الخاصة أو على نطاقات أوسع (انجاناس وساندستروم، ٢٠١٦).
يتم استهلاك كميات كبيرة أيضاً من الخشب من أجل إنتاج الطاقة بالأساس من أجل الطبخ، أو التدفئة وبالتالي فهناك اعتماد كبير على الخشب كمصدر أساسي للطاقة في معظم أنحاء العالم. هذا الإعتماد الكبير على الخشب أدى إلى زيادة نسب التصحر وتلوث الهواء، وبالتالي فإن إيجاد بديل مناسب لمصدر الطاقة الأساسي هذا هو أمر بغاية الأهمية. لحسن حظنا، فإن الأرض تستقبل ما يقارب ٣.٨٤ مليون "كونتليون جول" من الطاقة الشمسية سنوياً، وبالإمكان استغلال هذه الطاقة الحرارية بعدة طرق، كالسخانات الشمسية، المجفف الشمسي أو الطباخ الشمسي، وبالإمكان أيضاً استخدام أشعة الشمس لإنتاج الكهرباء (رونج وآخرون، ٢٠١٦)
ما حفز البحث عن مصادر بديلة للطاقة هو أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي والتي ساهمت في تكثيف الجهود من أجل تقليل الإعتماد على مصادر الطاقة غير المتجددة. بالإضافة إلى ذلك، فإن النقص المتزايد في مصادر الطاقة الطبيعية والخشب بالتزامن مع الازدياد السكاني في الصين والهند وغيرها العديد من الدول ساهم في تشجيع البحث عن مصادر طاقة بديلة (ريجاتيري وآخرون، ٢٠١٦). في هذه المقالة سنتحدث قليلاً عن كيفية استخدام أشعة الشمس كبديل للكهرباء والغاز في الطبخ، وأيضاً إمكانية الإستفادة منها في قطاع تصنيع الأغذية وفي تجفيف الأطعمة بالتحديد.
الطباخ الشمسي
الطبخ من خلال الطاقة الشمسية هو ليس بالأمر الجديد، بل إن أول من قام بهذه التجربة هو عالم الفيزياء الألماني شيرنهاوسن في القرن السابع عشر. ما قام بفعله هو إستعمال عدسة كبيرة لتركيز أشعة الشمس لتصل وعاءً فخارياً مملوءاً بالمياه بهدف تسخينها. وفي القرون اللاحقة، كان هناك العديد من التجارب المتعلقة بأجهزة الطبخ الشمسي، ولكن انتشرت بشكل أوسع في خمسينيات القرن الماضي بعد العديد من التجارب المختلفة التي تم من خلالها تحديد أنسب التصاميم لهذه العملية (ريجاتيري وآخرون، ٢٠١٦).
يعمل الطباخ الشمسي بكل بساطة من خلال استيعاب الطاقة الشمسية وتحويلها إلى حرارة مع تركيزها على نقطة معينة يكون فيها وعاء الطهي الممتلئ بالطعام أو الماء أو أنواع أخرى من الشراب. الطبخ من خلال الأشعة الشمسية هو أبسط وأنسب طريقة لطهي الطعام من دون استهلاك الوقود، وهذه الطريقة عملية أيضاً بسبب سهولتها وتكلفتها القليلة.
هناك عدة أنواع لأجهزة الطبخ باستخدام الطاقة الشمسية، ولكن التكنولوجيا المستخدمة في تشغيل هذه الأجهزة تنحصر في ثلاثة تكوينات، اعتماداً على الشكل، مسار أشعة الشمس وطريقة التسخين. سنقوم في هذا المقالة بعرض بعض من المعلومات الأساسية عن ثلاثة أنواع من أجهزة الطبخ الشمسي:
صندوق الطبخ الشمسي
يعرف أيضاً بالغاز الشمسي، وهذا التصميم هو بالعادة ملائمٌ للإستخدام البيتي أو الشخصي. يتكون هذا التصميم من بلاستيك مقوى بالألياف أو من صفيحة معدنية كغلاف خارجي وغلاف داخلي مصنوع من الألمنيوم ومرآة زجاجية عاكسة بالإضافة إلى زجاج مقوى. في بعض التطبيقات، قد يتضمن هذا التصميم مصباحاً كهربائياً كمصدر حرارة احتياطي. يُدهن الجدار الداخلي لهذا الصندوق باللون الأسود عادة. يستغرق الطبخ باستخدام هذا الصندوق ما يقارب الساعة ونصف إلى ساعتين لتنضج أنواع معينة من الطعام مثل الخضراوات والرز (ريجاتيري وآخرون، ٢٠١٦).

فرن تيلكيس
سمي هذا الفرن نسبة إلى الدكتورة الناشطة بالتكنولوجيا الشمسية "ماري تيلكيس" والتي كانت تعمل في معهد ماستسوتسش للتكنولوجيا عام ١٩٥٣، والتي قامت بتطوير فرن شمسي بناءً على التصميم الأولي لصندوق الطبخ السابق ذكره. كان هدفها تطوير الأفران الشمسية الموجودة ليصبح باستطاعة الأفراد في أي بلد من العالم بأن يقوموا بطبخ أطباقهم الوطنية بكل سهولة وبطريقة آمنة حتى للأطفال. ما يميز هذا التصميم هو وجود أربع مرايا خارجية عاكسة يتم استخدامها كمعززات حرارية لتحسين فاعلية الجهاز بالإضافة إلى تقليل وقت الطهي الذي يستهلكه صندوق الطبخ بالتصميم الأولي. هذا التصميم يمكن الفرد من طهي كميات كبيرة من الطعام وبسعر معقول اعتماداً على أشعة الشمس، وهو حلٌّ مناسب جداً للأفراد في الدول الفقيرة (ريجاتيري وآخرون، ٢٠١٦).

فرن الطابور
قام باختراع هذا التصميم عالم الفيزياء هاري طابور في فترة التسعينيات، ويعتبر أول نوع مجمع طاقة حرارية يسمى قناة قطع مكافئ، وفي هذا التصميم يتم استخدام مجموعة من المرايا بهدف تجميع طاقة حرارية من الأشعة الشمسية، ويصنع بالعادة من ١٢ مرآة مقعرة مركبة على إطار معدني تركيب ثنائي المحور. يحصل الهدف المراد طبخه باستخدام هذا الجهاز على ما يقارب الـ ٥٠٠ واط في الأوضاع المشمسة (ريجاتيري وآخرون، ٢٠١٦).
الطاقة الشمسية في قطاع تصنيع الأغذية
بالإمكان أيضاً الاستفادة من الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي وفي معالجة الأغذية بالتحديد من أجل التوفير بالتكاليف الاقتصادية المرافقة لهذا القطاع في وقتنا الحالي، المرتبطة بالاستخدام المتزايد للمواكن والآلات التي تعمل على مصادر طاقة غير متجددة. الأمر الأهم من ذلك، هو الأثر البيئي الإيجابي الناتج عن هذا التحول في استهلاك مصادر طاقة غير متجددة إلى مصادر طاقة وفيرة ومتجددة. هناك عدة طرق نستطيع من خلالها استغلال الطاقة الحرارية المتولدة من أشعة الشمس في عمليات تصنيع الأغذية، أهمها تجفيف المنتجات الغذائية.
التجفيف
التجفيف هو أحد الخطوات المهمة في حفظ المنتجات الغذائية وإضافة قيمة غذائية لها من خلال التحكم بالرطوبة. توصيل الحرارة والحمل الحراري والإشعاع هي أهم التقنيات الأساسية التي يتم فيها دفع الماء في الفواكه والخضراوات المراد تجفيفها للتبخر. في طرق التجفيف المتعارف عليها، تكون هناك آثار فيزيائية وكيميائية على المنتج مثل فقدان اللون وفقدان القيمة الغذائية، بالإضافة إلى التغيير في الملمس والنكهة، وهذا بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي يتم تعريض الخضراوات والفواكه لها. بالمقابل، فإن درجات الحرارة الأقل تستهلك وقتاً أكتر وبالتالي تكون تكلفتها أكبر (اسوارة وراماكريشنارو، ٢٠١٣).
أما بالنسبة للتجفيف باستخدام الأشعة الشمسية فهناك العديد من الأمور التي تساعد في تيسير هذه العملية، ومنها دوران الهواء الساخن، كثافة انتشار المنتج، طبيعة عملية المعالجة الأولية وطبيعة المنتج المراد تجفيفه نفسه، والوقت الذي تأخذه هذه العملية يعتمد على عدة عوامل مثل نسبة الرطوبة الأولية، ونسبة الرطوبة المطلوبة للمنتج في نهاية العملية.
التجفيف باستخدام أشعة الشمس هو أيضاً ليس بالأمر الجديد، فتعتبر هذه الطريقة واحدة من أقدم طرق تجفيف وحفظ الأغذية تقليدياً لدى العديد من الثقافات. هذه الطريقة في فلسطين تعتبر إرثاً زراعياً ثقافي، بحيث كان الفلاح الفلسطيني يقوم بتجفيف الفواكه والخضراوات من خلال وضعها على السناسل الحجرية تحت أشعة الشمس لفترات معينة مع إضافة الملح للعديد من الأنواع لتسهيل حفظها، وما زال بعض الفلاحين يستخدمون هذه الطريقة إلى يومنا هذا.
مع التطور في تكنولوجيا الطاقة الشمسية، أصبحت هناك أنواع عديدة لأجهزة تسهل عملية التجفيف الشمسي. إحدى هذه التصاميم عبارة عن حجرة ثابتة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ وغطاءٍ زجاجي مائل بدرجة ٢٠ من أجل أثر شعاعي أفضل. يتم وضع المنتج المراد تجفيفه في صواني مصنوعة من الفولاذ أيضاً من خلال فتحة أمامية بالجهاز. تدخل الأشعة الشمسية من خلال الزجاج الأمامي وتقوم بتسخين الهواء الذي يدخل من مداخل مخصصة بالأسفل، ويتم حصر هذا الهواء بداخل الحجرة وبالتالي خلق بيئة حرارية مشابهة للبيئة المتواجدة في البيوت البلاستيكية. يتحرك الهواء بالحجرة ليمرّ من خلال المنتج الرطب، ليحمل هذه الرطوبة إلى المساحة العليا بين الصينية والغطاء الزجاجي. يتم دفع الهواء الساخن المحمل بالرطوبة إلى خارج الحجرة عن طريق المراوح الشمسية التي تعمل من خلال الطاقة الشمسية التي تزودها ألواح ضوئية شمسية موجودة أعلى الجهاز. هذه العملية تؤدي إلى وقت تجفيف أقل وهو أمر مرغوب في أغلب أجهزة التجفيف، بالإضافة إلى الكفاءة العالية لهذا الجهاز. (اسوارة وراماكريشنارو، ٢٠١٣).

بالطبع، هناك تصاميم لأجهزة أكثر بساطة وفضاء الانترنت مليء بالأفكار التي تناسب الجميع ولكن الفكرة هي الأساس وإن اختلفت التطبيقات. الاتجاه لهذا الحلول ليس فقط أمرٌ مهم لبيئة أكثر استدامة بل له معاني أبعد من ذلك تتجسد بإثبات الإنسان قدرته على التغلب على الظروف القاهرة، والإعتماد على نفسه والوصول تدريجياً إلى اكتفاء ذاتي بعيداً عن النظام السائد الذي يرهقنا بالمسؤوليات المادية، ويبعدنا تدريجياً عن أنماط الحياة التي كانت سائدة تقليدياً في بلادنا، والتي تختصر علينا الكثير من مشاكل اليوم. وليست الشمس هي المصدر المتجدد الوحيد الذي نستطيع الإستفادة منه، بل هناك العديد من المصادر الطبيعية المتجددة الأخرى الصديقة للبيئة والتي بإمكاننا استخدامها كبدائل آمنة ومستدامة وأقل تكلفة مثل الطاقة الحرارية الجوفية، طاقة الرياح، الغاز الحيوي، الوقود الحيوي، طاقة المد والجزر وغيرها الكثير. ما علينا فقط هو العمل دائماً على توسيع مداركنا المعرفية والتعلم والتجربة لإيجاد ما يناسبنا.
المراجع
- -البطمة، نادية. (٢٠١٢). فلسطين الفصول الأربعة عادات وتقاليد ومواسم. مركز القدس للإعلام والإتصال.
- Eswara, A., Ramamrishnarao, M. (2013). Solar energy in food processing- A critical appraisal. Journal of Food Science and Technology, 50 (2), 209-227.
- Ingnas, O., Sundstrom, V. (2016). Solar energy for electricity and fuels. Ambio 45 (1), 15-23.
- Ragattieri, A., Piana, F., Bortolini, M., Gamberi, M., Ferrari, E. (2016). Innovative portable solar cooker using the packaging waste of humanitarian supplies. Renewable and Sustainable Energy Reviews 57, 319-327.
- Ronge, H., Niture, V., Ghodake, D. (2016). A review paper on utilization of solar energy for cooking. Imperial International Journal of Eco- friendly technologies v (1), 121-124.