نفايات رمضان.. كيف تحوّل رمضان من «شهر الصيام» إلى "شهر الاستهلاك"!
|
لا شيء أشهى من تناول شيء من الخبز الطازج عند الافطار ثم تناول كذا صنف من الطعام وشيء من الحلوى في الختام، ولا شيء أفخر من أن نُقدم للضيوف كُل ما تشتهي أنفسهم كما لا شيء أسهل من أن نُقدم الطعام في أوان تُلقى في القمامة بعد الاستخدام مُباشرة.. ولكن المُشكلة كُل المُشكلة أننا لسنا وحدنا من يُفعل ذلك، فكُل هذا أصبح جُزءاً من عاداتنا الاستهلاكيّة "الجشعة" التي لا تتجلى في شيء كما تتجلى في "أكوام النفايات" المتراكمة في رمضان من حولنا، حيث اهدار نعم الله، فنجد الخُبز يُلقى في النفايات بلا تردد ونجد الرُز يُلقى قبل أن يُلمس، ونجد بلادنا العربية تُحقق أرقامًا قياسيّة في التبذير رغم كُل محاولات "حفظ النعمة". وبالرغم من الفشل الواضح في مُعالجة هذه "الكارثة" نجد الدراسات الأكاديمية في هذا الإطار نادرة.. وكأن الموضوع مُجرد ترف فكري لا يستحق الاهتمام!
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| حاويات للخبز فقط في مدينة جدّة |
قد لا يبدو هنالك أيّ إشكال في ركضنا من حانوت إلى حانوت قبل الافطار في رمضان، فلا شيء أشهى من تناول شيء من الخبز الطازج عند الافطار ثم تناول كذا صنف من الطعام وشيء من الحلوى في الختام، ولا شيء أفخر من أن نُقدم للضيوف كُل ما تشتهي أنفسهم كما لا شيء أسهل من أن نُقدم الطعام في أوان تُلقى في القمامة بعد الاستخدام مُباشرة..
المُشكلة كُل المُشكلة أننا لسنا وحدنا من يُفعل ذلك، فكُل هذا أصبح جُزءاً من عاداتنا الاستهلاكيّة "الجشعة" التي لا تتجلى في شيء كما تتجلى في "أكوام النفايات" المتراكمة في رمضان من حولنا، حيث اهدار نعم الله، فنجد الخُبز يُلقى في النفايات بلا تردد ونجد الرُز يُلقى قبل أن يُلمس ونجد بلادنا العربية تُحقق أرقامًا قياسيّة في التبذير رغم كُل محاولات "حفظ النعمة"، وبالرغم من الفشل الواضح في مُعالجة هذه "الكارثة" نجد الدراسات الأكاديمية في هذا الإطار نادرة.. وكأن الموضوع مُجرد ترف فكري لا يستحق الاهتمام!
الخبز.. أبرز نفايات رمضان!
على سيرة النفايات واللامبالاة، فإن مسألة إلقاء الخبز في النفايات لم تكن مقبولة يومًا لا في الأعراف ولا في الشرائع السماوية التي عرفتها بلادنا، وكان رفع الخُبز عن الأرض بل وتقبيله من الثوابت الأخلاقية التي لا نقاش فيها، إلا أن الثقافة الاستهلاكية جعلت بلادنا "متفوّقة" في انتاج النفايات ونزعت "القداسة" عن الخبز، ثم جعلت من شهر رمضان موسمًا للاستهلاك والنفايات وهدر النعم بدلًا من تقديرها، أو كما يقول الشيخ محمد الغزالي ناقدًا: "إن تقاليد المسلمين جعلت شهر الصيام شهر طعام" فبدلًا من انتشار القيم القرآنية "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" تنتشر الإعلانات "المغرية" التي جعلت الصائم يشتري ما يحتاج وما لا يحتاج، وهو ما يُلاحظ في طوابير "الصائمين" أمام المخابز وغيرها من المتاجر كُل يوم من أيام رمضان، ممن يشترون أكثر من حاجتهم بكثير.
تقارير كثيرة تؤكد أن أكثر ما يُميز النفايات في شهر رمضان هو "الخبز"، وفي الجزائر يحظى هذا الموضوع بأهمية خاصّة، حيث يتم تسليط الضوء على خطورة هذه الظاهرة، وفي رمضان الماضي وخلال الأسبوع الأول فقط تم فرز أكثر من 6200 كغم من الخبز من النفايات المنزلية وهذه الكمية تُعادل أكثر من ضعف الكمية المعتاد فرزها خلال بقيّة أشهر السنة.
هذه الإشكالية، ليست حكرًا على الجزائر بلا شك، ففي تونس أيضًا تُقدر كمية الخبز الملقى في القمامة بـ أكثر من مليون و600 ألف رغيف، وأحياناً مليوني خبزة يومياً خلال شهر رمضان. وفي السعودية التي تُعتبر "الأولى عالميًا" في الهدر الغذائي قام بعض الناشطين بإطلاق مشروع "حاوية تحفظ بقايا الخبز" إيمانًا منهم بأن إهدار النعمة إنذار بزوالها ولذلك يحفظون بقايا الخبز ليستفيد منها أصحاب المواشي.
الخيام الرمضانية.. ضياع الأجر في القمامة!
للأسف فإن الخبز ليس المُشكلة الوحيدة، فالهدر الغذائي وبالأخص في مجال الخضروات والفواكه والحبوب حقق أرقاماً قياسيّة عالميًا، وفي شهر رمضان فإن حتى 25% من الطعام الذي يتم اقتنائه في رمضان يُلقى في القمامة حتى قبل أن يتم استخدمه كما جاء في تقرير لمؤسسة EcoMENA.
في الخيام الرمضانية، تكون كميّات النفايات مُرتفعة بشكل خاص، ففي جامع الشيخ زايد الكبير بالإمارات، والذي يستقبل يوميًا حوالي 20 ألف صائم يصل حجم النفايات إلى 20 طن يوميًا، بمعدل كغم واحد لكل صائم، علمًا بأن هذا الرقم يشمل بقايا الطعام والنفايات البلاستيكية والورقية. في إمارة أبو ظبي فقط، هناك أكثر من 300 خيمة أحيانًا، وهناك مشاريع كثيرة تُحاول تقليل النفايات الناجمة عنها ولكن يبدو أن الجهود المبذولة لا تتناسب مع حجم المُشكلة، فقد كشفت بلدية دبي عن تزايد كميات النفايات العضوية من مخلفات الأغذية بنسبة تتراوح بين 15 و20% خلال شهر رمضان.
والمشكلة لا تنحصر في الإمارات، فهذه الخيم منتشرة في جميع أنحاء العالم – بما في ذلك أوروبا وأمريكا – وفي الدول العربية ودول الخليج بشكل خاص، وقد قام أحد المواطنين برفع فيديو على موقع اليوتيوب يوضحّ حجم الهدر في منطقته ويظهر فيه كيف أن هناك أطباق كاملة تم إلقائها في القمامة علمًا بأنها لم تُلمس، وعلّق على ذلك قائلًا: "يكسبون الأجر هناك – في الخيام –ويضيّعونه هنا – في حاوية القمامة".
رابط الفيديو للمشاهدة:
https://www.youtube.com/watch?v=RuRNYHkm4EI
أرقام قياسيّة.. في التبذير!
خلال شهر رمضان، نُشرت تقارير صحفية كثيرة توضّح حجم الزيادة المُقلقة في النفايات في العديد من الدول العربية والإسلامية، وهو ما يوضح حجم "الهوس الاستهلاكي" الذي لا يتلاءم بتاتًا مع القيم الرمضانية التي جاء بها الإسلام!
في الأردن:
كانت 55% من نفايات مدينة عمّان عبارة عن مواد عضوية "بقايا طعام"، وفي اليوم الأول من رمضان اُلقيت في حاويات عمّان 3477 طناً من النفايات، وبالتالي حوالي 2000 طن منها هي بقايا طعام!!
في المغرب:
يبلغ الهدر الغذائي ذروته في رمضان، وتقدر قيمة ما يُلقيه المغربي من غذاء في القمامة بحوالي 500 درهم مغربي، أي 50 دولارًا شهريًا!
في البحرين:
كميّة الطعام المُهدر في بلد صغير كالبحرين، يُمكن أن يمنع مجاعة في بلد أفريقي كامل على الأقل، حيث تُهدر حوالي 400 طن من الطعام يوميًا في المعدل، ويزداد هذا الرقم إلى 600 طن يوميًا خلال شهر رمضان!
في ماليزيا:
بلغت كمية الطعام المُهدر في ماليزيا حوالي 615 ألف طن خلال رمضان، 270 ألف طن منها لم يتم لمسه، وقد ألقي في القمامة، علمًا بأنه قابل للاستخدام!
في السعودية:
تجاوزت فاتورة الاستهلاك لأغراض رمضان بنسبة 30% من فاتورة الاستهلاك للعام كاملًا، 48 مليار ريال سعودي من أصل 160 مليار ريال، وقد وصل استهلاك الرز إلى 9000 طن يوميًا! ونسبة كبيرة منها تذهب إلى القمامة، حيث أن تقارير منظمة "الفاو" العالمية تُشير أن 90% من المنازل في السعودية يقوم أفرادها برمي الوجبات المتبقية يومياً، وأن السعودي يهدر 427 كغم من الطعام سنويًا وهي أكبر نسبة هدر في العالم، يأتي بعده الأندونيسي في المرتبة الثانية بـ 300 كغم والأمريكي ثالثًا بـ 277 كغم والاماراتي رابعًا بـ 196 كغم!
في فلسطين:
تُشير بلدية غزة أن كمية النفايات التي تنتج في مدينة غزة تزداد في رمضان بشكل واضح، بنسبة تصل إلى 50% أحيانًا، وفي عام 2011 كان معدل النفايات يصل إلى 550 طن يوميًا قبل رمضان بينما قفز في رمضان ليصبح 750 طن يوميًا!
أما في مدينة نابلس فقد نشر قسم الصحة والبيئة أن كمية النفايات التي جمعت خلال الأيام الثلاثة التي سبقت عيد الفطر حوالي 450 طن من النفايات يوميًا، وفي بقية أيام رمضان كان يتم جمع 300 طن يوميًا.. بينما في الأيام العادية كان الكمية تصل إلى 200-250 طن يوميًا!
أين الدراسات الأكاديمية؟
رغم الأهمية البالغة للهدر الغذائي في العالم العربي، حيث تُقدر كمية الطعام المُهدر بـ 210 كغم للفرد سنويًا ورغم وجود عدد لا بأس به من التقارير الصحفية حول الموضوع، إلا أن الدراسات الأكاديمية التي تتناول إشكالية الهدر الغذائي في العالم العربي ليست كثيرة، وفقط 25% منها تحتوي على تفاصيل دقيقة حول الهدر. أما بالنسبة للهدر الغذائي في رمضان فإن معظم الدراسات تكتفي بالحديث عن زيادة واضحة في هذا "الموسم"، وأحيانًا تذكر تفاصيل إضافية قليلة كالحديث عن مُبادرات توعوية للحد من الهدر في هذا الشهر مثل "الفطور الشعبي" في الجزائر، أو الزيادة في كمية نفايات الطمر في رمضان في مكة دُون توضيح لنسبة بقايا الطعام فيها.
وهناك دراسة أكدت زيادة النفايات البلاستيكية في رمضان بسبب استخدام الاواني أحادية الاستعمال أو التطرق للتغييرات في النمط الاستهلاكي للمواطنين في رمضان في مصر، وبالتالي هناك غياب لأي دراسات يُمكن أن تقدم حلولًا استراتيجية وعملية لهذه الكارثة بعد أن تبحثها بشكل أعمق، وخلاصة الكلام فإن الدراسات لا تزال شحيحة جدًا مُقارنة بحجم "الكارثة" التي تُرتكب في شهرٍ يُفترض أن يكون موسمًا بيئيًا بامتياز!
حملة رمضانية للحد من النفايات
