مبيدات الأعشاب ... حرف الوعي
|
يتعلم طلاب علوم الزراعة خلال سنين دراستهم بأن الأعشاب تشكل مكاناً تتكاثر فيه الآفات، لذا يجب القضاء عليها وإبادتها ويتم نقل هذا إلى المزارعين باحترافية تامة وهذا حرف آخر للوعي. المثير أنه لا يتم تعليمهم أن الأعشاب هي مكان تتكاثر عليه أعداء الطبيعية للآفات أيضاً، وبالتالي تخلق توازناً يمنع إنفجار الحشرات الضارة وتحولها إلى آفات مدمرة. إن استمرار استعمال مبيدات الأعشاب سيخلق مشاكل كبيرة في المستقبل، مشاكل عصية على الحل، إلا بإعادة التوازن الطبيعي من خلال التوقف عن استخدام مبيدات الأعشاب والعمل على إدارة الأعشاب بطريقة صحيحة، يتم من خلالها تحويل الأعشاب إلى قيمة والتوقف عن اعتبارها عدواً. وطالما يحتاج المزارع للرش كل عام فالحل مؤقت، وستظهر بسبب ذلك آفات عصية على الحل وستبدأ دعوة الفلاح لاستخدام مبيدات كيماوية، وستعود الآفة وتكتسب مناعة، فنغير المبيدات مرة أخرى وهكذا نستمر في الدوران في حلقة مبيد - مناعة - مبيد جديد -مناعة - تغيير مبيد - ومبيد جديد - ومناعة. فهل هذا حل؟
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| أعشاب العائلة البقولية تعمل على تثبيت نيتروجين الجو في التربة |
الاستخدام الأمثل … التقيد بالتعليمات … الاستخدام الآمن … الالتزام بتوصيات المرشد... جُملٌ تتردد باستمرار في الأوساط الزراعية عند الحديث عن تلك المواد الكيميائية، الأكثر شيوعاً والأكثر غموضاً في الأوساط الزراعية، وبكل حرارة ينطلق البعض في الدفاع عنها وعن كونها أحد مخرجات التقدم العلمي ويضيف البعض على ذلك: لا نستطيع إطعام العالم اليوم بدونها!! وفي معرض الدفاع عنها تتردد ببغاوياً مقولة: أنه بدونها لما استطاعت البشرية القضاء على الملاريا (وهذا غير صحيح، حيث يموت في وقتنا هذا، طفل كل دقيقتين بسبب هذا المرض حسب منظمة الصحة العالمية ويصاب بالملاريا كل عام ٣٠٠-٥٠٠ مليون إنسان، ما يعني أن المبيدات لم تقضِ على الملاريا). الجُمل في أول هذه الفقرة تشكل أول حرفٍ للوعي عن حقيقة المبيدات.
الزيتون والمبيدات
المبيدات الكيماوية - إنها أنواع متعددة، فمنها ما هو مخصص لإبادة الفطريات ومنها مخصص للحشرات، والقوارض وغيرها، إضافة إلى تلك موضوع هذه المقالة: مبيدات الأعشاب، التي شاع انتشارها بشكلٍ محموم في أوساط المزارعين ولم يسلم منها قطاع الزيتون، الذي يشكل القطاع الأوسع في الزراعة الفلسطينية.
لا توجد حتى اللحظة (أو لم تقع في يدي) دراسة تبين حجم استخدام مبيدات الأعشاب من قبل مزارعي الزيتون في فلسطين، لكن من خلال الملاحظات واللقاءات الكثيرة، ندرك حجم انتشار هذه الممارسة الخطيرة، التي ستنشأ بسببها الكثير من النتائج الغاية في السلبية، التي لا يدركها الفلاحون في بداية الأمر. النتائج الكارثية تبدأ بالظهور بعد سنوات عديدة تمتد لأكثر من عشر إلى خمس عشرة سنة، حتى يبدأ الفلاح برؤية النتائج السلبية، هنا يكون القطار قد فاته، فإصلاح التربة سيحتاج سنيناً طويلة وإعادة التوازن الطبيعي يحتاج سنيناً أطول.
كافة المزارعين والكثير من المختصين يعتقدون أن التربة، التي تصبح ناعمة كالرماد، هي تربة جيدة، هكذا عبر أولئك الفلاحون الذين يستخدمون مبيدات الأعشاب منذ سنوات، بعد أن لاحظوا أن التربة قد تحولت إلى ما يشبه الرماد وحين تسير على هذه التربة فإن قدمك تغوص قليلاً فيها، وهذا ثاني انحراف في الوعي. هذه التربة تصبح هشة، يذروها الهواء بشكل تدريجي غير مرئي، فلا يلحظ المزارع والفلاح خللاً في التربة. من جهة أخرى ونتيجةً لنعومة ذرات التراب فإنه وبعد ساعات قليلة لأول سقوط للمطر تنغلق مسامات التربة، مما يُحْدِث جرياناً سطحياً لمياه الأمطار، وبالتالي انجراف التربة السطحية. يعتبر فقدان الطبقة السطحية للتربة، الغنية بالمادة العضوية المغذية للنبات واحداً من أكثر الخسارات الناشئة بسبب مبيدات الأعشاب.
علينا التخلص من الأعشاب وإزالتها من الحقل لأنها تنافس الأشجار على الغذاء والماء وبعضها يكون موئلاً للآفات، التي تنتقل للزيتون ـ الجملة السابقة تشكل التحريف الثالث للوعي. بالتأكيد فإن الأعشاب يمكن في حالات معينة أن تنافس الأشجار على بعض الماء، وهنا بالذات نحتاج للتدخل لتصبح الأعشاب مساعدة لنا على حفظ الماء في التربة، كيف؟ من خلال قص الأعشاب وتركها على سطح التربة، إذ تعمل الأعشاب المقصوصة عندها كغطاء لسطح التربة، تحميها من أشعة الشمس الحارقة صيفاً وتقلل من تبخر ماء التربة وتُبقي سطح التربة بارداً مقارنة بالتربة المكشوفة لأشعة الشمس. برودة سطح التربة تساعد الجذور على العمل في ظروف أفضل وتُبقي على نشاط الكائنات الحية في الطبقة السطحية للتربة. هذه الكائنات الحية والدقيقة منها بالذات؛ هي أكبر مساعد للشجرة في تغذيتها. قص الأعشاب وترك جذورها في التربة يساعد على تهوية التربة، فالجذور حين تتحلل تترك مكانها أنفاقاً، هذه الأنفاق تصبح قنوات تهوية من جهة، وفي الشتاء تستوعب مياه الأمطار من جهة ثانية.

تقليم الزيتون وقص الأعشاب تحت وحول أشجار الزيتون وترك العشب المقصوص كغطاء لسطح التربة
منافسة الأعشاب للأشجار على الغذاء!
هذه أكبر خديعة تعرض لها المزارعون، ودفعتهم للنظر للأعشاب نظرة العِداء، فيما الحقيقة غير ذلك، فالأعشاب في واقع الأمر توفر الغذاء لشجرة الزيتون، فهي تأتي بالمعادن من أعماق التربة وتحرر جزءاً منها في التربة السطحية (هناك نباتات تحرر وهي حية ٢٥٪ من المعادن التي تمتصها في التربة السطحية)، هذا جانب، أما الجانب الآخر فإن الأعشاب تمتص من التربة فقط ٢،٤٪ من وزنها الجاف، والباقي يأتي من الهواء. أي أن الأعشاب حين تتحلل تضيف للتربة كميات كبيرة من المواد المغذية وأهمها الكربون، الذي يشكل العنصر الرئيسي لتغذية النبات (ليس النيتروجين والفسفور والبوتاسيوم).
بمعنى آخر الأعشاب تصبح مادة تسميد إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، إضافة إلى كون الكثير من الأعشاب من العائلة البقولية، تعمل على تثبيت نيتروجين الجو في التربة، كما تفعل هذه الأعشاب في الصورة المرفقة.
لجأ المزارعون منذ عقود لحراثة حقول الزيتون، ليتمكنوا من العمل وقطف الثمار بسهولة، ولم يكن لديهم طريقة بديلة للتعامل مع الأعشاب. في تلك الأزمنة كانت هذه الممارسة هي الملائمة، لكن اليوم ومع توفر طرق بديلة للتعامل مع الأعشاب ومع تطور المعرفة بقوانين الطبيعة، يمكننا النظر للأعشاب بعيون أخرى، ليست عيون العِداء للأعشاب، بل النظر إليها كمساعد، فيما مبيدات الأعشاب والأسمدة الكيماوية والسموم الحشرية ستؤدي للقضاء على مكون آخر مهم من مكونات التربة - دودة الأرض، التي تعمل كمحراث فعال طول الوقت، طالما بقيت التربة رطبة. تستطيع ديدان الأرض تحريك ثمانية أطنان من التربة كل يوم إذا كانت أعدادها كافية، فأي محراث يمكنه أن يعمل بمثل هذه الكفاءة؟؟ قص الأعشاب وتركها على سطح التربة يساعد ديدان الأرض على العمل بكفاءة وفاعلية عالية.
الأعشاب والآفات
يتعلم طلاب علوم الزراعة خلال سنين دراستهم بأن الأعشاب تشكل مكاناً تتكاثر فيه الآفات، لذا يجب القضاء عليها وإبادتها ويتم نقل هذا إلى المزارعين باحترافية تامة وهذا حرف آخر للوعي. المثير أنه لا يتم تعليمهم أن الأعشاب هي مكان تتكاثر عليه أعداء الطبيعية للآفات أيضاً، وبالتالي تخلق توازناً يمنع إنفجار الحشرات الضارة وتحولها إلى آفات مدمرة. إن استمرار استعمال مبيدات الأعشاب سيخلق مشاكل كبيرة في المستقبل، مشاكل عصية على الحل، إلا بإعادة التوازن الطبيعي من خلال التوقف عن استخدام مبيدات الأعشاب والعمل على إدارة الأعشاب بطريقة صحيحة، يتم من خلالها تحويل الأعشاب إلى قيمة والتوقف عن اعتبارها عدواً.
إنها دعوة للإبقاء على الزيتون طبيعي لنحصل على زيت طبيعي ولنحفظ الشجرة من الآفات من خلال التوازن الطبيعي في البيئة. كيماويات أكثر تعني خللاً أكبراً وآفات أكثر. وحين أدعو لحل جذري إنما أدعو لحل لا يجبر الفلاح كل عام على الرش بالكيماوي، فطالما يحتاج المزارع للرش كل عام فالحل مؤقت، وستظهر بسبب ذلك آفات عصية على الحل وستبدأ دعوة الفلاح لاستخدام مبيدات كيماوية، وستعود الآفة وتكتسب مناعة، فنغير المبيدات مرة أخرى وهكذا نستمر في الدوران في حلقة مبيد - مناعة - مبيد جديد -مناعة - تغيير مبيد - ومبيد جديد - ومناعة. فهل هذا حل؟
إن مجرد وجود الطيون في الحقل في أماكن بعيدة عن الشجرة يساعدنا في تقليل مشاكل بعض الآفات، كذلك الخروب واللباد والبلوط والنباتات العطرية والطبية الكثيرة وأنواع الزعتر المختلفة، المريمية وغيرها من النباتات البرية. اذا تركت هذه النباتات في أماكن لا تؤثر على شجرة الزيتون نفسها، مع قص الأعشاب تحت وحول أشجار الزيتون وترك العشب المقصوص كغطاء لسطح التربة، فإننا سنتجنب الكثير من تعقيدات الآفات. مبيدات الأعشاب تخلق مشاكل للزيتون، فيما الأعشاب تقدم المساعدة والحلول اذا تم التعامل معها بحكمة وبشكل صحيح.
إن الحرب الشعواء على الأعشاب باستخدام مبيدات كيماوية يؤدي أيضاً إلى تدمير جانب مهم من الحياة المتعلق بالقضاء على الملقحات، تلك الحشرات التي تساعد البشرية في الحصول على الثمار، ومن هذه الحشرات التي تعمل على التلقيح النحل، المسؤول عن تلقيح ثلث نباتات الأرض، والذي بدأت أعداده في التراجع بشكل كبير وخطير، بسبب الكيماويات الزراعية وبسبب فقدان الأعشاب التي يتغذى على رحيق أزهارها ويصنع لنا منها عسلاً. فأي كارثة نصنع بأيدينا من خلال حرف الوعي؟؟