من صمت النُسَّاك إلى صدى المستغورين.. مغامرة فلسطينية إلى دير وادي المُقَلق
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
انطلق نحو ثلاثين مستغورًا من فريق "إلى القمر"، قدِموا من قرى وبلدات القدس والداخل المحتل والضفة الغربية، في رحلة استكشافية انطلقت من مقام النبي موسى الواقع قرب مدينة أريحا، باتجاه واحد من أقدم الأديرة البيزنطية في المنطقة، وهو دير وادي المقلق العلوي. امتدت الرحلة مشيًا على الأقدام عبر مسار وعرٍ داخل أخاديد الوادي السحيقة، لمسافة تقارب أربعة كيلومترات، وسط تضاريس تتطلب لياقة بدنية عالية، بسبب الانحدارات الحادة والصخور الجيرية الملساء، التي صقلتها السيول على مرّ العصور. وبعد نحو ساعتين من التحدي والمثابرة، وصل الفريق إلى الهدف المنشود، دير قديم نُحت في صميم الجرف الصخري، متخفّيًا بين طيات الطبيعة، وصامدًا منذ أكثر من ستة عشر قرنًا كأنّه حارسٌ صامت لذاكرة الأرض.
|
 |
| صورة جوية لمقام النبي موسى - خاص لآفاق البيئة والتنمية - تصوير محمد أبو نوح |
مع أولى ساعات الصباح، انطلق نحو ثلاثين مستغورًا من فريق "إلى القمر"، قدموا من قرى وبلدات القدس والداخل المحتل والضفة الغربية، في رحلة استكشافية انطلقت من مقام النبي موسى الواقع قرب مدينة أريحا، باتجاه واحد من أقدم الأديرة البيزنطية في المنطقة، وهو دير وادي المقلق العلوي.
امتدت الرحلة مشيًا على الأقدام عبر مسار وعر داخل أخاديد الوادي السحيقة، لمسافة تقارب أربعة كيلومترات، وسط تضاريس، تتطلب لياقة بدنية عالية، بسبب الانحدارات الحادة والصخور الجيرية الملساء، التي صقلتها السيول على مرّ العصور.
وبعد نحو ساعتين من التحدي والمثابرة، وصل الفريق إلى الهدف المنشود، دير قديم نُحت في صميم الجرف الصخري، متخفّيًا بين طيات الطبيعة، وصامدًا منذ أكثر من ستة عشر قرنًا كأنّه حارسٌ صامت لذاكرة الأرض.
 |
 |
| صعود فريق "الى القمر " فوق الممرات الصخرية في وادي المقلق |
شجرة الإثل الصحراوية في وادي المقلق |
رحلة إلى دير محفور في الزمن
بدأت فعالية الاستغوار لفريق "الى القمر" بقيادة الكابتن بلال حمامرة سيرًا على الأقدام نحو واحد من أجمل وأعمق أسرار الطبيعة في أريحا، إلى وادي المقلق العلوي - المعروف أيضًا بـ "وادي المكلك"، وهو أحد أكثر الأودية إثارة وجمالاً في فلسطين.
وتكمن أهمية الوادي في أنه يربط بين قلب الجبال المقدسية وأخفض نقطة على سطح الأرض، وهو مجرى مائي موسمي يمتد من المناطق الشرقية لمدينة القدس، وتحديداً من منحدرات جبل الزيتون وجبل المشارف، ويصل إلى البحر الميت بطول نحو 30 كم، وجزء كبير من مساره يقع ضمن المنطقة ج، حسب تقسيمات اتفاق أوسلو، ما يعني أنه خاضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي.
 |
 |
| شجيرة التنباك الصحراوية في وادي المقلق |
المستغور محمد أبو نوح يحمل حبال الإنزال الخاصة في وادي المقلق |
"المقلق" كتابٌ جيولوجي مفتوح
يُعد وادي المقلق العلوي واحدًا من أكثر النماذج الجيولوجية إدهاشًا في فلسطين، إذ يُجسد عبر تضاريسه الحادة وأخاديده العميقة لوحةً طبيعية نُقِشت بالصخر والماء عبر آلاف السنين. ينخفض الوادي من حوالي800 متر فوق سطح البحر في قلب جبال القدس إلى أكثر من 400 متر تحت سطح البحر عند البحر الميت، مشكّلًا انحدارًا حادًا يخترق صحراء شرقية تتشابك فيها الجغرافيا مع الذاكرة البيئية.
في الشتاء، تتحول السيول إلى نحات بارع، تنحت في الصخور الجيرية الصلبة وتعيد تشكيل ملامح الوادي، مخلفةً كهوفًا وتشققات كارستية وتكوينات صخرية نادرة، بعضها بارتفاعات شاهقة تُحاكي أعمدة الزمن.
تنتشر على جدران الوادي الطحالب الملونة والأشنات- هي شكل من أشكال الحياة المعقدة تتكون من الفطريات والطحالب، بينما تلمع على ضفافه الحجارة المصقولة بألوان الطيف الترابي - من الأحمر والأخضر الزيتوني حتى الرمادي الغامق - وهي نتيجة تفاعل معادن الأرض مع الرياح والماء عبر قرون من التآكل الطبيعي.
 |
 |
| يُعد وادي المقلق العلوي واحدًا من أكثر النماذج الجيولوجية المدهشة في فلسطين |
سير الفريق عبر الجرف الصخري نحو دير وادي المقلق |
هذه الأحجار، بأشكالها الدائرية والمتموجة، تُشبه لوحات فسيفسائية نحتها الزمن، تتلألأ تحت أشعة الشمس بعد انحسار السيل، وتروي حكاية الأرض بصمتٍ مهيب.
وعلى هذه الصخور الجيرية التي تحوّلت إلى مسطحات ملساء تعكس الضوء كالمرايا القديمة، مشى فريق "إلى القمر"، وكانت خطوات المستغورين تُحدث صدىً في الفراغ الصخري، وكأنها توقظ الذاكرة الجيولوجية العتيقة.
هناك، في حضن الجبل الذي تنفّس ذات زمن بعيد، عاينَ المستغورون سجلًا مفتوحًا من التاريخ الطبيعي الفلسطيني، يحفظ في طبقاته أسرار الأزمنة وتقلبات المناخ.
 |
 |
| استراحة أعضاء الفريق في تجويف صخري في وادي المقلق |
استعدادات الفريق لتسلق الجرف الصخري فوق دير وادي المقلق |
تكوينات طباشيرية وطينية تكشف أسراراً
يتحدث المستغور رياض حجيرات من بير المكسور، أحد المشاركين في الفريق الاستكشافي، عن المعالم الجيولوجية اللافتة التي ظهرت عند عبورهم وادي المقلق العلوي.
ويقول لـ" آفاق": "برزت أمامنا الصخور الطباشيرية بوضوح في بعض أجزاء الوادي، خصوصًا في الطبقات الأضعف، حيث لاحظنا سهولة تآكلها بسبب عوامل الطبيعة، ما ساعد على تكوين تجاويف ومغارات طبيعية عبر الزمن."
ويضيف حجيرات أن المسار كشف أيضًا عن صخور طينية ورملية، ظهرت في الأجزاء السفلية من الوادي، لافتًا إلى أنها تشكّلت في فترات ترسيب جيولوجي قديم في زمن كانت فيه البيئة أكثر رطوبة ووفرة مائية، ما يعكس التحولات المناخية التي شهدتها المنطقة عبر العصور.
 |
 |
| كابتن الفريق بلال حمامره خلال تأمين اعضاء فريق الإستغوار |
المستغور فراس خوري خلال عملية التواصل مع اعضاء فريق الإستغوار |
التنوع الحيوي في وادي المقلق
رغم طبيعة الوادي الصحراوية القاسية وندرة مصادر المياه فيه، إلا أن وادي المقلق العلوي يفاجئ زائريه بتنوع حيوي ملفت، يعكس قدرة البيئة الفلسطينية على احتضان الحياة حتى في أكثر مناطقها جفافًا.
ففي مسار الفريق، بدت الأكاسيا والزقوم بأوراقها المتكيفة مع المناخ الجاف كما ظهرت أشجار الشيح، القيصوم، والإثل، إلى جانب شجيرة التنباك ونبات الملوح الصحراوي والقبارالتي تنمو بين الصخور، والتي تشتهر بها براري فلسطين، تعلن عن صبر النباتات الصحراوية المتجذرة في الأرض.
ويُشكّل الوادي ملاذًا طبيعيًا لعدد من الكائنات البرية، أبرزها الوبر الصخري والثعلب الصحراوي، إضافة إلى الضبع المخطط الذي يُعد من الكائنات النادرة والرشيقة التي لا تظهر إلا نادرًا في النهار.
أما السماء، فكانت مسرحًا حيًا للطيور، إذ شوهد الغراب الأبقع، والعويسق، وطائر سودة البحر الميت، إلى جانب الحمام البري وأنواع أخرى من الطيور التي تكيّفت مع بيئة الوادي الجافة والمفتوحة.
إن هذا الغنى الطبيعي في بيئة تبدو للوهلة الأولى مقفرة، يؤكد أن فلسطين، حتى في صحرائها، لا تزال تنبض بالحياة والتنوع والجمال.
 |
 |
| المستغورة شهد بنات اول من بدأ عملية الإنزال نحو دير وادي المقلق |
المستغور رياض حجيرات من بير المكسور خلال عملية الإنزال |
السلامة الميدانية
من جانبها، تشير أزهار موسى جمعة، إحدى المشاركات من جبل المكبر، إلى أن المسار كان محددًا بعلامات وإرشادات، إلا أن الطبيعة الوعرة تطلبت في بعض المقاطع تسلقًا يدويًا وزحفًا عبر فتحات ضيقة.
وقالت موسى لـ" آفاق البيئة والتنمية" إن العمل ضمن فريق متمرس كــ 'إلى القمر" ساهم في تقليل مخاطر التيه في الجروف والوديان الفرعية، إضافة إلى تقليص فرص السقوط أو الإصابة.
وحول المخاطر البيئية، تحذر أزهار من انتشار الأفاعي والعقارب في هذا الوقت من السنة، حيث ترتفع درجات الحرارة. كما دعت إلى ضرورة أخذ الحيطة نظراً لإمكانية مواجهة حيوانات ليلية مثل الضباع، خصوصًا في الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس.
وتقول زميلتها رنا عبيدات عن تفاصيل الرحلة التي انطلقت من مقام النبي موسى مرورًا بمسارات وادي المقلق الصخرية: "تطلّبت الرحلة تركيزًا شديدًا واحتياطات متقدمة لعبور بعض المقاطع، خصوصًا مع توفر سلالم حديدية معلّقة ونقاط تسلق تتيح اعتلاء انحدارات شاهقة، تنقلك في كل خطوة من الصمت إلى الإعجاب".
 |
 |
| المستغورة ايمان خطيب من بلدة كفركنا خلال عملية الإنزال من اعلى الجرف الصخري |
المستغورة أزهار موسى من جبل المكبر خلال عملية الإستغوار نحو دير وادي المقلق |
شهادات المستغورات: حين تتكلّم الصخور
في جولة استكشافية في وادي المقلق العلوي، رصدت المستغورة إيمان دباح من بلدة "دير الأسد" عددًا من التجاويف والمغارات الطبيعية المتناثرة بين الجروف الصخرية، لقد بدت لها كأنها أجزاء من تكوينات صخرية متكاملة، نحتتها الطبيعة عبر آلاف السنين.
تقول دباح: "في أثناء التسلق مع فريق "إلى القمر"، مررنا على ممرات ضيقة جدًا، اضطررنا فيها لاستخدام سلالم حديدية مثبتة، أو تسلّقنا بين شقوق الصخور باستخدام اليدين والقدمين، وسط إحساس دائم بالرهبة والجمال."
ولدى زميلتها المستغورة هبة عبد الغني من بلدة نحف وصف دقيق لطبيعة الصخور في الوادي، تقول عنها: "ناعمة، بيضاء تميل إلى اللون البني، وقد أصبحت ملساء بسبب عوامل التعرية والمياه".
وتبدي عبد الغني دهشتها بقولها: "هذا الجمال لم تمسه يد بشرية، بل هو فن طبيعي نقي، نحته الزمن وأخفته الطبيعة، حتى بدا كتحفة صخرية في قلب الجغرافيا الفلسطينية."
 |
 |
| المستغور عامر القواسمي من الخليل قبل البدء بعملية الإنزال |
الباحث المستغور خالد أبو علي معلق في الهواء خلال عملية الإنزال نحو دير وادي المقلق |
مغامرة بين السماء والوادي
مع طلوع الشمس، حمل الفريق معداته وتسلَّق الجرف الصخري المحيط بالدير المعلّق، في واحدة من أكثر المناطق وعورة التي تتطلب احترافية عالية في التعامل مع الانحدارات الشاهقة والتكوينات الصخرية الهشة.
ولم تكن هذه المغامرة بهدف المغامرة فحسب، بل كانت استكشافًا علميًا يحمل في جوهره رسالة بيئية ووطنية، تسعى إلى توثيق الكنوز الجيولوجية التي تختزنها أرض فلسطين.
 |
 |
| المستغور فراس خوري في محاولة الدخول الى مغارة دير وادي المقلق |
الكابتن بلال حمامره خلال عملية الإنزال الفردي نحو دير وادي المقلق |
أخاديد شاهقة وتحديات
يحذر عماد حميد رائد السياحة الصحراوية والمستغور الفلسطيني؛ من التحديات الجغرافية والطبيعية التي قد تواجه المستكشفين أو المشّائين في وادي المقلق العلوي، الواقع بين القدس والبحر الميت.
ويصف الوادي بأنه يمر عبر جروف صخرية شاهقة وحوافٍ مائلة قد تنهار جراء الرياح أو حركة الأقدام، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تزداد خطورة في مواسم الأمطار.
ونظراً للمناخ الصحراوي القاسي الذي يميز منطقة المقلق، يخبرنا أن الفريق اتخذ قرار بدء الفعالية في ساعات الصباح الباكر لتجنب الارتفاع الحاد في درجات الحرارة.
وأوضح: "عند العودة من المسار، تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية، في منطقة شبه خالية من الظلال، الأمر الذي تطلب تعليمات مشددة بضرورة حمل كل مشارك كميات كافية من المياه."
 |
 |
| الباحث المستغور خالد أبو علي يشير الى الرسومات على جدران دير وادي المقلق |
مشهد داخلي لدير وادي المقلق الذي تأسس على يد الراهب ثيوكتيستوس |
مشهد يخطف الأنفاس
من جانبه، عبَّر المستغور مروان كنعان من بلدة طمرة عن انبهاره بالتضاريس الطبيعية في وادي المقلق، مبيناً: "ثمة تشابه لافت بين الممر الضيق في الوادي وممر السيق الشهير في البتراء الأردنية".
وقال كنعان: "الحجارة الضخمة والممرات المنحوتة عبر آلاف السنين، تشكّل أعجوبة طبيعية، المشهد عند منطقة (سد المقلق) مذهل، حيث ينخفض الوادي انخفاضاً حادًا وتحيط به الجبال الجرداء، مما يجعل العبور فيه تجربة استثنائية محفوفة بالمخاطرة."
كما أعرب عن تقديره لجهود "فريق إلى القمر" في توثيق هذه المواقع البيئية والتاريخية النادرة، مؤكدًا أن هذه الجولات تعيد ربط الإنسان بجغرافيا وطنه وجذوره الحضارية.
وفي حديثه لنا، يقول الكابتن بلال حمامرة، أحد أبرز المختصين الفلسطينيين في مجال الاستغوار: "تبدأ أي عملية استغوار ناجحة باحترام البيئة والمكان، لكن لا يمكن أن تتم دون الالتزام التام بإجراءات السلامة، الأدوات ليست ترفًا، بل هي ما يفصل بين الحياة والخطر".
وحسب تجربته، تبدأ عدة السلامة من أدوات الحماية الشخصية، وتشمل خوذة واقية مزودة بمصباح أمامي، إلى جانب مصابيح احتياطية، لتأمين الرؤية في عمق الظلام الكهفي، وقفازات خاصة توفر حماية لليدين وتحكم أفضل في التعامل مع الحبال، وأحذية مقاومة للانزلاق لعبور الأراضي الزلقة والممرات الموحلة داخل الكهوف.
 |
 |
| فسيفساء ملونة لأحد الطيور في ارضيات دير وادي المقلق |
بقايا فسيفساء لإحدى غرف دير المقلق التي تعرضت للتلف عبر الزمن |
شاهد حجري على عمق التاريخ
في قلب الجرف الصخري لوادي المقلق العلوي، تسلّل الفريق إلى دهاليز دير المقلق، حيث بدا المشهد الداخلي للدير كأنه توقّف في الزمن، يفيض بجمال غامض وهيبة صامتة.
عند المدخل، ظهرت آثار غرف صغيرة منحوتة في الصخر، تشهد على حياة النسك والتقوى التي عاشها الرهبان والنسّاك الأوائل في العهد البيزنطي، منذ القرون الأولى لانتشار المسيحية في أرض فلسطين.
وفي أعلى هذه الغرف، برزت كُوّة ضيقة في سقف الكهف، صعد إليها بعض أعضاء الفريق ليكتشفوا ما يشبه طابقًا ثانيًا وثالثًا.
يُرجّح أن هذه المستويات العلوية كانت تُستخدم مخابئ سرّية في حال أصبح الدير عرضة لهجمات من اللصوص أو الغزاة، وهي خاصية دفاعية ذكية في مكان ديني معزول.
أرضيات الفسيفساء التي ظهرت أمام الفريق لم تكن مجرد زخارف؛ بل كانت لوحات رمزية روحية مفعمة بالمعاني. ظهرت سمكة مصنوعة بدقّة من حجارة ملونة، ترمز إلى المسيح عليه السلام، إضافة إلى صور طيور تشير إلى "الروح القدس" والنقاء والسلام، كما زُيّنت بعض الغرف برسوم عنقودية ترمز إلى السيد المسيح في اقتباس مباشر من العهد الجديد "أنا الكرمة وأنتم الأغصان".
كانت تلك الرسومات الموزعة على أرضيات الدير عند المدخل وفي بعض الغرف، تنبض بجمالها الأصلي رغم ما لحق بها من تلف في أجزاء أخرى نتيجة الإهمال وتقلبات الزمن.
ولأن الموقع معلّق بين الجبال ومعزول عن الطرق الحديثة، كان الرهبان في الماضي بحاجة لوسائل مراقبة حذرة.
وقد لاحظ الفريق وجود كُوّة مراقبة تطل على الجهة الشمالية من الوادي، تُتيح لمن في الداخل مراقبة حركة القادمين دون أن يُكشف موقعهم.
وتشير بقايا الحجارة المتهدمة حول الدير إلى أنه كان عرضة على الأرجح إلى زلازل قديمة، تسببت في انهيار بعض جدرانه الخارجية، فيما بقي الهيكل الرئيس قائمًا وصامدًا باعتباره أثرً معماريًا فريداً في قلب الطبيعة الفلسطينية.
 |
 |
| فوهة أحد آبار جمع مياه الأمطار على مدخل الدير في الجرف الصخري |
قناة فخار للنقل مياه لأبار المياه للدير لا زالت صامدة منذ العصر البيزنطي |
مغامرة عمودية مذهلة
تجربة مهيبة، كما وصفتها المستغورة شهد بنات خاضتها بجرأة، وكانت أول من قام بعملية الدخول إلى دير وادي المقلق لمساعدة الفريق في الإنزال.
تقول: "بدأنا عملية الإنزال الفردي عبر الحبال من الجانب الشمالي المرتفع من الوادي، في مسار تطلَّب كثيرًا من الدقة واستغرق قرابة ثلاث ساعات، انحدرنا بواسطتها من ارتفاع يزيد على 25 مترًا من أعلى الجرف الصخري نحو مدخل الدير."
اتخذ الفريق جميع إجراءات السلامة المهنية قبل بدء الإنزال، من تثبيت النقاط، إلى فحص الحبال والمعدات، لضمان الوصول الآمن إلى قلب الدير المحفور في الصخر، والكلام لها.
وتصف المشهد من الأعلى بأنه مزيج بين الرهبة والجمال، موضحة: "كان المنظر من ذلك العلو الخاطف للأنفاس لا يُنسى، فالدير يبدو وكأنه نُحت بإتقان داخل حضن الجرف الصخري، في لوحة نادرة تروي صمت القرون الماضية حول عظمة الطبيعة وروحانية المكان".
 |
 |
| المستغورة ايمان دباح من دير الأسد خلال عملية الإستغوار نحو دير وادي المقلق |
إنارة الشموع داخل دير القديس ثيوكتيستوس في وادي المقلق |
نظام مائي قديم محفور في الصخر
يُبرز المستغور عامر القواسمي، أحد الأعضاء الفاعلين في "فريق إلى القمر"، جانبًا معماريًا وتاريخيًا مثيرًا في دير وادي المقلق، حيث يشير إلى وجود نظام مائي متكامل بناه الرهبان الأوائل داخل الجرف الصخري.
ويقول القواسمي: "يبدو أن الرهبان، بحكمتهم وخبرتهم الطويلة في العيش في بيئة قاسية، قد أنشأوا نظامًا لجمع مياه الأمطار، إذ شاهدنا عدة آبار محفورة في الصخر ومغطاة بالملاط "مادة بناء"، إلى جانب قناة فخارية يبدو أنها كانت تُستخدم لنقل المياه من فتحات التجميع إلى هذه الآبار."
 |
 |
| فرحة كابتن فريق الى القمر بلال حمامره بعد الإنتهاء من عملية الإنزال لكافة اعضاء الفريق بسلام |
مدخل دير وادي المقلق كما يظهر وسط الجرف الصخري في وادي المقلق العلوي |
فسيفساء في صمت الجدران
بينما كان الفريق يستكشف أعماق دير وادي المقلق، أزاح المستغور محمد أبو نوح التراب عن أرضية مغطاة برسومات فسيفسائية دقيقة، تجسّد طيورًا وأسماكًا بألوان زاهية، وكأنها ما تزال تنبض بالحياة بعد قرون من السكون.
ويحكي لنا أبو نوح: "في تلك الحقبة، لم يكن الفن مجرد زينة للعين، بل كان لغة روحية مقدسة للتعبير عن الإيمان، ونقل القصص الروحية الدينية. كانت الفسيفساء جزءًا من الصلوات الصامتة، تذكّر الرهبان بجمال الخليقة، وبعمق الروحانية الكامنة في كل تفصيلة من المكان."
لم يقتصر التعبير الفني في دير وادي المقلق على الأرضيات الفسيفسائية، بل امتد إلى جدران الدير، حيث رُسمت صور لرجال الزهد والرهبان الذين عاشوا في المكان قبل أكثر من 1600 عام.
ويقول الفريق إن بعض هذه الرسومات ما تزال ظاهرة رغم عوامل الزمن، فيما برزت كتابات باللغة اللاتينية نُقشت على الحجارة، ويُرجّح أنها تعود إلى الفترة البيزنطية.
وإبان الاستكشاف، لوحظ أن أحد الأحجار التي تقع أسفل الكتابة قد نُزع بوضوح، فيما يبدو أنه جزء من محاولة نهب أو نقل أثري غير مشروع، ما ترك أثرًا واضحًا في الجدار.
وطال التجريف والتشويه أجزاء أخرى من الرسومات والنقوش، نتيجة أعمال تخريب عشوائي أو نهب أثري في هذا الموقع المعزول.
كما يكشف الفريق عن كتابات عبرية حديثة داخل جدران الدير، في مشهد يعكس التعدي المستمر على الذاكرة المكانية والتاريخية لهذا الموقع الفلسطيني العريق.
 |
 |
| المستغورة هبة عبد الغني من بلدة نحف خلال عملية الإنزال الثانية من الدير نحو الوادي |
المستغور عماد حميد من بيت لحم خلال الإنزال الفردي نحو وادي المقلق |
طيور ونحل في حضن التاريخ
مع أن الموقع مهجور منذ قرون، إلا أن الفريق لم يكن أول من عاد إليه. فقد اتخذ الحمام البري من زواياه موطنًا له، وتدلّت بيوت النحل الطينية من الجدران، في تجسيد حيّ لاستمرارية الطبيعة في ملء الفراغات التي تركها البشر.
وبعد تنظيف المكان بمكنسة أُحضرت خصيصًا لهذا الغرض، بدأت المفاجآت في الظهور على الأرضيات الحجرية.
 |
 |
| المستغورة سارة الصايج من بير زيت خلال مرحلة الإنزال الثانية نحو الوادي |
المستغور الكابتن " بيبو" أحد المشاركين الأساسيين في عملية الإنزال للفريق |
من الزهد إلى الازدهار فالاندثار
تشير المصادر التاريخية إلى أن دير وادي المقلق تأسس في القرن الخامس الميلادي على يد الراهب ثيوكتيستوس، الذي عاش حياة الزهد مع عدد من الرهبان في برية القدس.
وقد ازدهر الدير في القرنين الخامس والسابع، قبل أن يتراجع نشاطه تدريجًا، ويُهجر في نهاية القرن الثامن الميلادي.
ولا تزال آثار هذا الدير البيزنطي قائمة حتى اليوم، شاهدة على روح التنسك والعمران في قلب الجغرافيا الفلسطينية.
 |
 |
| الباحث خالد أبو علي يشير الى الرسومات الجدارية داخل دير القديس ثيوكتيستوس |
بيوت النحل الطينية وقد تدلّت من جدران دير وادي المقلق |
الرهبنة في فلسطين
في سياق شرح الخلفية التاريخية لانتشار الأديرة ومغارات النسّاك في فلسطين، أوضح المستغور فراس خوري لـ" آفاق" أن البلاد شهدت ازدهارًا كبيرًا للحياة الرهبانية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وتحديدًا في أواخر العصر البيزنطي، بعد تحول المسيحية إلى ديانة رسمية في الإمبراطورية الرومانية، عقب اعتناق الإمبراطور قسطنطين الدين المسيحي.
وقال خوري: "جعلت المكانة الروحية لفلسطين مهدًا للمسيح ولرسالة المحبة، منها وجهة للرهبان والنسّاك الباحثين عن العزلة والتأمل، وقد لعبت الصحاري والكهوف الطبيعية في برية القدس دورًا مثاليًا في احتضان هذا النمط من الحياة الروحية."
وأشار إلى أن دعم الكنيسة البيزنطية، إلى جانب إيمان المسيحيين الأوائل بأن الرهبنة وسيلة للتقرب من الله، كان من أبرز الأسباب التي شجّعت على إقامة الأديرة والمغارات في جبال وتلال فلسطين، لتتحول إلى مراكز للتنسك والعبادة الصامتة وسط طبيعة موحشة لكنها مقدسة.
 |
 |
| كُوّة مراقبة تطل من الدير على الجهة الشمالية من وادي المقلق العلوي |
دير وادي المقلق كما يظهر من الجهة الأخرى للوادي |
تفاصيل فنية دقيقة
في واحدة من أكثر مراحل المغامرة دقة، يسلّط المستغور بيبو الحافظ لـ" آفاق"، أحد المشاركين الأساسيين في عملية الإنزال، الضوء على الجانب الفني لعملية الوصول إلى داخل دير وادي المقلق.
ويؤكد أن فريق "إلى القمر" اعتمد تجهيزات احترافية لضمان السلامة في التضاريس الوعرة شديدة الانحدار.
ويقول الحافظ: "اعتمدنا على أجهزة إنزال متقدمة تتيح حركة عمودية سلسة وآمنة، مدعومة بأحزمة مخصصة تُربط بإحكام حول الخصر والفخذين، لضمان الثبات الكامل في أثناء النزول."
وأضاف أن الفريق استخدم مشابك وحلقات معدنية ذات أقفال أمان لتثبيت الأدوات وربطها بالحبال، ما يزيد من درجات الأمان عند التنقل على المنحدرات الحادة.
كما نوّه إلى الفرق بين نوعية الحبال المستخدمة: "حبال الاستغوار الستاتيكية التي استخدمناها مصممة خصيصًا لتحمل الأوزان العالية دون أن تتمدد، وهي تختلف كليًا عن حبال تسلق الجبال الديناميكية، التي تُستخدم في بيئات مختلفة."
 |
 |
| المستغور فهد القواسمي خلال لحظات مغادرته لدير وادي المقلق |
صورة تذكارية لأعضاء فريق الى القمر داخل دير وادي المقلق |
الاستغوار البيئي توثيق للهوية
أنهى فريق "إلى القمر" مغامرته بإضاءة الشموع في زوايا دير وادي المقلق، تكريمًا لذاكرة النسّاك الذين عاشوا في ظلال النور الروحي قبل قرون.
لم تكن الرحلة مجرد مغامرة في عمق الجرف الصخري، بل فعلًا وطنيًا علميًا أعاد ربط الإنسان الفلسطيني بأرضه، وساهم في توثيق موقع جيولوجي وتاريخي بقي صامدًا منذ أكثر من 1600 عام.
يشكّل وادي المقلق سجّلًا حيًا لحكاية الأرض الفلسطينية، نحتته الفيضانات وشكّلته عوامل الطبيعة، ليُقدّم مشهدًا جيولوجيًا فريدًا لا يُقرأ إلا بلغة الصخور والماء. هنا، تتحوّل المغارات من فراغات منسية إلى فضاءات للحكاية البيئية وصون للذاكرة الجيولوجية، حيث يلتقي الجمال بالقوة، والصمت بالمعنى.
 |
 |
| استراحة اعضاء الفريق وسط الجرف الصخري في وادي المقلق |
الكابتن بلال حمامره يختتم عملية الإنزال المثيرة نحو دير وادي المقلق |
 |
| فرحة المستغور مروان كنعان خلال عودته من مغامرة الإنزال |