خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
جفاف نبع العوجا كليًا هذا العام كان نتيجة طبيعية لممارسات الاحتلال الممنهجة في سرقة مياه النبع وتحويلها إلى داخل المستوطنات. الجريمة هنا مزدوجة؛ تغيّر مناخي تجسّد في تراجع كميات الأمطار، وسرقة إسرائيلية لمياه النبع، بحفر الآبار وتحويل مجرى المياه لصالح المستوطنات، ما سرّع وتيرة جفاف النبع. هذا الجفاف لا يعكس فقط أزمة بيئية، بل يمتد ليهدد "الأمن الغذائي" ومصدر الرزق الأساسي لمئات العائلات التي كانت تعيش على خيرات الأرض والماء. لم تقتصر آثار جفاف النبع على القطاع الزراعي، بل امتدت لتطال تربية المواشي التي تُعد مصدر دخل رئيس لعديد من العائلات في الأغوار الفلسطينية. فمع ندرة المياه وجفافها، باتت قطعان الأغنام والماعز تعاني العطش، وأصبح من الصعب توفير الكميات الكافية لسقايتها، ما أجبر كثيرًا من المربين على تقليص أعدادها أو التخلي عنها نهائيًا لعدم جدوى الاستمرار في تربيتها.
|
 |
| الاستيلاء الإسرائيلي على مياه نبع العوجا |
"كنا نروح على النبع، نغسّل أرواحنا قبل وجوهنا، الماء قدّامنا، والخضرة حوالينا، والوجه الحسن ما يغيب" بهذه العبارة التي تسبقها تنهيدة طويلة، يفتتح الحاج فتحي أبو جماعة حديثه عن نبع العوجا، الذي كان يومًا قلب الحياة النابض في الشمال الشرقي لمدينة أريحا، وها هو اليوم يئن من الجفاف، جراء فقدان مياهه ونضارته.
الحاج فتحي، الرجل السبعيني الذي نبتت ذاكرتُه بين شلالات النبع ومواسم الزراعة، يروي لـمراسلة "آفاق البيئة والتنمية" بحرقة عن تغير ملامح المكان، قائلاً: "أنا وأولادي ومن قبلنا أجدادي زرعنا هذه الأرض، سقيناها من النبع، ورّبينا فيها أغنامنا ومواشينا، وكان نبع العوجا يعني الخير، اليوم لا ماء ولا زرع ولا مواشي"، يقولها بحسرة، فالنبع الذي كان يستقطب آلاف الزوار والسياح، تحوّل إلى أرض يابسة، هجرتها الحياة، واستوطنها الاحتلال ورافقه الجفاف.
أسوأ ما في الحكاية، كما يصفه أبو جماعة، ليس فقط اختفاء الماء، بل استبدال الوجوه الفلسطينية بأخرى استيطانية، و"الوجه الحسن الذي كنا نراه هناك أصبح وجه مستوطن يزرع مكاننا، يسرق مياهنا، ويستفيد من أرضنا، بينما نحن نعدّ خسائرنا وننتظر المطر كمعجزة".
وجه النبع يتغير والذاكرة تقاوم
قصة الحاج فتحي ليست مجرد رواية حزينة عن نبع جفّ، بل هي شهادة حيّة على جريمة مزدوجة؛ تغيّر مناخي وممارسات احتلال ممنهجة، فإلى جانب تراجع كميات الأمطار، تأتي ممارسات الاحتلال بحفر الآبار وتحويل مجرى المياه وسرقتها لصالح مستوطناته، ما سرّع وتيرة جفاف النبع.
يقف الحاج فتحي متكئاً على عصاه، ينظر إلى مجرى النبع اليابس بحسرة، ويقول: "كنا نلعب هنا، نزرع ونسقي أرضنا من الماء الجاري، لم نكن نعرف العطش يوماً، اليوم تغيَّر كل شيء".
يشير الحاج فتحي، الذي ورثَ الزراعة عن والده، إلى أراضٍ أصبحت قاحلة، بعد أن كانت مخضّرة بالمحاصيل الموسمية: "هذا النبع ربّى أجيالاً، وكان يكفينا بكرمه، اليوم نشتري المياه لنروي بقايا أشجارنا".
ورغم ما أصاب النبع من جفاف، إلا أنّ ذاكرة السكان لا تزال تحتفظ بمشهد الماء المتدفق، وصوت الجداول، ورائحة التراب الرطب، تلك الذاكرة تشكل جداراً من الرفض والصمود في وجه النسيان، ورسالة واضحة أن الماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هوية وحق يُنتزع.
لم يكن نبع العوجا مجرد مجرى ماء يروي عطش الأرض، بل كان رئة أريحا والأغوار، ومقصداً للزائرين، ومورداً رئيسًا لمئات العائلات التي احترفت الزراعة والرعي على ضفافه لعقود.
اليوم، يقف المكان عاريًا من الحياة، بعد أن جفّت عروقه، وتراجعت خضرته، وتحولت أرضه إلى تراب متشقّق لا يسقي زهراً ولا يحمل سمرة النخيل.
"كان الماء ينساب من تحت أقدامنا، والخُضرة تحيط بنا من كل جانب، لم نكن نحتاج لشيء سوى هذا النبع"، مضيفًا بألم: "لم نكن بحاجة لآبار أو مضخات، النبع كان كريماً، يسقي الأرض والبشر على حد سواء".

جفاف غير مسبوق في نبع العوجا
موسم مطري خجول
حسب حديث فايز أبو ستة، الأكاديمي والباحث التنموي في المناطق الجافة وشبه الجافة، فإن جفاف النبع كُّليًا هذا العام كان نتيجة طبيعية لممارسات الاحتلال الممنهجة في سرقة مياه النبع وتحويلها إلى داخل المستوطنات.
ويشير أبو ستة إلى أن "الإنتاج السنوي للنبع يراوح بين 10 و11 مليون متر مكعب من المياه تُسرق سنويًا، حيث حفرَ الاحتلال 3 آبار ضخمة بالقرب من رأس النبع يستخرج منها المياه بكميات كبيرة لصالح مستوطنات الأغوار.
"ما كان يحصل عليه المزارع الفلسطيني في منطقة العوجا هو فقط ما يفيض عن حاجة المستوطنات الإسرائيلية، وتختلف نسبة الفائض عن حاجتهم من المياه من سنة إلى أخرى، على سبيل المثال، في سنوات سابقة كانت نسبة الفائض تتفاوت من 20 إلى 30% من الإنتاج المائي كاملاً للنبع، إلا أن إسرائيل هذه السنة صادرت الإنتاج المائي كله"، يوضح أبو ستة لنا.
وحول الموسم المطري، أكد عكرمة عدس مدير الإغاثة الزراعية في أريحا، أن تذبذب الأمطار يشكّل السبب الرئيس في جفاف النبع هذه السنة.
ويخبرنا عدس في السياق ذاته: "في المواسم المطرية الغزيرة في بدايات فصل الشتاء كان نبع العوجا يُنتج كمية تتفاوت من 1600 إلى 1800 كوب ماء في الساعة، ثم يبدأ الإنتاج في التراجع مع مرور الأيام حتى نهاية الموسم المطري، لكن سريان الماء كان يستمر طوال أيام السنة، إلا أن هذا العام توقف جريان النبع كُلّيًا نتيجة موسم مطري سيئ، وكذلك العام الذي سبقه، علاوة على تأثير ممارسات الاحتلال الاستيطانية التي زادت الوضع سوءًا".
وبدوره يرفض فايز أبو ستة جملةً وتفصيلاً ما سبق، معتبراً هذه الرواية "دعاية اسرائيلية يُصدّرها الاحتلال للتغطية على ممارساته الاستيطانية".
ويشرح أبو ستة: "عام 2010، احتفلت إسرائيل بالشجرة رقم مليون للنخيل" متسائلاً: من أين حصلوا على المياه لري مليون شجرة؟ وهذا العدد بالتأكيد ازداد أضعافاً بعد 15 عاماً، إضافة لمزروعات أخرى".
ويستشهد بمثال: "توجد في المنطقة خمس بِرك للتماسيح وهي بِرك مائية ضخمة جداً وتحتاج كميات وفيرة من المياه، إنها المياه التي تُسرق من النبع مباشرة".
وحول هذا، يعقّب عدس أن "لا معلومات متوفرة لدينا عن مقدار أعماق الآبار الاستيطانية، وطاقة الضخ فيها لنتمكن من معرفة كمية المياه التي تسيطر عليها تلك الآبار، لهذا السبب نعتمد على الموسم المطري باعتباره سببًا رئيسًا لجفاف النبع، والاستيطان هو سبب ثانوي لا نستهين بدوره في الحال الذي وصل له نبع العوجا اليوم".
وهو ما أكده تماماً فخري نجوم رئيس بلدية العوجا، في حديثه لـ "آفاق": "سبب جفاف نبع العوجا هو الموسم المطري المتذبذب، فضلاً عن مجموعة من المسببات الأخرى منها الآبار الارتوازية، وسحب الآبار الاستيطانية الجائر للمياه"، لافتًا إلى أن النبع كان يغطي مساحة تصل إلى أكثر من 40 ألف دونم قبل جفافه، وحاليًا لا يغطي شيئًا بسبب الجفاف.

جفاف نبع العوجا بسبب انحباس الأمطار والنهب الإسرائيلي
خسائر فادحة للفلاحين
يعتمد المزارعون في منطقة العوجا على مياه النبع في ري المحاصيل وتربية المواشي اعتماداً كبيراً، ويُعد النبع شرياناً محوريًا في دورة الحياة الزراعية والاقتصادية للمنطقة، إلا أن الجفاف أدى إلى أضرار مباشرة على القطاع الزراعي؛ حيث جفّت مساحات شاسعة من الأراضي، واضطر عديدٌ من المزارعين إلى التوقف عن الزراعة أو بيع أراضيهم لسد حاجتهم، بسبب عدم توفر مياه الري، مما كبدّهم خسائر اقتصادية فادحة.
ويفيد رئيس بلدية العوجا بقوله: "جفاف النبع كان له أثر مباشر على المزارعين بنسبة قد تصل لـ 85%، فلا يوجد مياه للتحضير للموسم الزراعي الذي يبدأ شهر أيلول/ سبتمبر القادم، ولا يُوجد إلا موسم البلح الذي يتحمل العطش، الأمر الذي ينعكس بطبيعة الحال على الوضع الاقتصادي للمزارعين الذين فقدوا مصدر دخلهم بفقدانهم فرص عملهم، ما دفعهم إما للبحث عن وظيفة حكومية أو خاصة، أو توجههم للعمل في "المستوطنات الإسرائيلية المحيطة".
أدى جفاف نبع العوجا إلى تدهور واضح في الإنتاج الزراعي في المنطقة، التي كانت تُعد من أبرز المناطق الزراعية في الأغوار، واشُتهرت لعقود بزراعة الموز والحمضيات والخضراوات. غير أن هذا المشهد الزراعي الغني بدأ يختفي تدريجًا، حتى تراجعَ تراجعاً شبه كلي، واقتصر في معظمه على زراعة النخيل، لما يتمتع به من قدرة نسبية على تحمّل العطش ونقص المياه.
وفي هذا الصدد، يوضح مدير الإغاثة الزراعية، أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة العوجا تتجاوز 50 ألف دونم، كانت تُزرع كاملة في سنوات ماضية.
أما اليوم، وبعد جفاف النبع، فإن المساحات المزروعة تقلّصت إلى حد كبير، إذ تراوح بين 20 و30 ألف دونم فقط في أفضل الأحوال، بما فيها زراعة النخيل، على حد قوله.
ويرى عدس أن هذا التراجع لا يعكس فقط أزمة بيئية، بل يمتد ليهدد الأمن الغذائي ومصدر الرزق الأساسي لمئات العائلات التي كانت تعيش على خيرات الأرض والماء.
وبعد السابع من تشرين أول/ أكتوبر2023، ومع منع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم في السوق الإسرائيلي، توجه عديد من هؤلاء العمال للعمل في الأرض واستصلاحها، إلا أنهم الآن يقفون حائرين في مواجهة جفاف النبع، فرغم قلة المياه سابقًا لم يتوقع أحد أن تصل إلى درجة الجفاف الكُلّي، يقول عدس.
مضيفاً: "تأثير جفاف النبع على هؤلاء العمال هو أمر يصعب قياسه في الوقت الحالي، لكن مع جفاف النبع، المؤشرات الأولية تظهر أنه سيكون موسمًا ضعيفًا".
هذا، ولم تقتصر آثار جفاف نبع العوجا على القطاع الزراعي، بل امتدت لتطال تربية المواشي التي تُعد مصدر دخل أساسي لعديد من العائلات في الأغوار.
فمع ندرة المياه وجفافها، باتت قطعان الأغنام والماعز تعاني العطش، وصار من الصعب توفير الكميات الكافية لسقايتها، ما أجبر كثيرًا من المربين على تقليص أعدادها، أو التخلي عنها نهائيًا لعدم جدوى الاستمرار في تربيتها. فكل رأس غنم يحتاج تقريباً لـ 14 لترًا من الماء يوميًا، وجفاف النبع أجبر المربين على شراء كميات كبيرة من المياه بتكلفة مرتفعة، الأمر الذي جعلهم يعزفون عن تربيتها، تبعاً لحديث أبو ستة.
وما زاد الواقع سوءًا، أن مربي المواشي أضحوا عرضة لاعتداءات المستوطنين الذين لا يكتفون بسرقة المياه، بل امتدت ممارساتهم إلى سرقة المواشي ذاتها، تحت حماية كاملة من قوات الاحتلال؛ الوضع الذي ترك أثراً اقتصاديًا على مربي المواشي، حيث وجدوا أنفسهم بين خسائر متراكمة وواقع معيشي يزداد صعوبة.

جفاف نبع العوجا
تغيير ملامح المجتمع في الأغوار
أحدث جفاف نبع العوجا تغييرات اجتماعية عميقة في مناطق الأغوار، وقد اضطر المزارعون ومربو المواشي، لا سيما من سكان العوجا والبدو، إلى هجر أراضيهم وماشيتهم بعد أن شكّلت لعقود مصدر رزقهم ونمط حياتهم الأساسي.
هذا التحوّل القسري نحو أعمال بديلة، غالبًا ما تكون غير مستقرة أو بعيدة عن الأرض، يهدد البنية الاجتماعية والثقافية لمجتمع لطالما ارتبط بالماء والتراب.
وبالرجوع إلى أبو ستة حول جفاف النبع، فقد استعادَ قصة مؤلمة تختزل حجم الفقد والاغتراب الذي يعيشه الفلسطيني في أرضه، القصة يرويها هنا: "التقيت أحد طلابي الجامعيين، سألته عن مكان عمله الحالي، فأجاب الشاب أنه يعمل مزارعًا لدى مشغّل إسرائيلي في إحدى المستوطنات القريبة من المنطقة، والمفارقة القاسية، أن الأرض التي يعمل فيها الطالب وعدد من أفراد أسرته، ليست غريبة عنه؛ بل هي ذاتها أرض جدّه التي صُودرت منهم قسرًا، وتحولت بمرور الوقت إلى مساحةٍ مستباحة في خدمة مطامع الاحتلال".
ويعرب عدس عن أسفه لذهاب جزء كبير من أراضي العوجا لصالح البناء والسكن والقطاع السياحي لإنشاء "الڤيلات والشاليهات" التي تقام بقصد الاستثمار أو لقضاء وقت الإجازة، ما رفع سعر أراضي المنطقة وشجّع بعضًا على بيع أراضيهم حين يقيسون جدوى عملهم وتكلفتهم ودخلهم من الأرض، بما يعانونه من صعوبات في الوضع الراهن، مقابل البيع بأسعار مغرية وسد احتياجاتهم، كما يقول.
محاولات مستمرة لإنقاذ ما تبقى
رغم الصورة القاتمة التي رسمها جفاف نبع العوجا، فإن الأمل ما يزال منعقدًا على تبنّي حلول عاجلة وإستراتيجية تضمن استدامة الموارد المائية، وإنقاذ ما تبقى من حياة زراعية واقتصادية في المنطقة.
وحيال هذا، أوضح رئيس بلدية العوجا أن خطة البلدية تحاول مواجهة جفاف النبع بطرق مختلفة وممكنة للحد من سرقة المياه عن طريق حفر الآبار الارتوازية لتكون بديلاً لمياه النبع؛ على الأقل في المناطق التي يصنّفها الاحتلال "أ"، إضافة إلى محاولات مع سلطة المياه الفلسطينية للعمل على رفع حصة المياه التي تصل إلى المنطقة لتغطية النقص في مياه النبع.
إلا أن هذا الأمر لا يتم بسهولة، وهو ما أكده عكرمة عدس عند تطرقه إلى حفر آبار جديدة تخدم المواطنين، قائلاً: "تكلفة حفر بئر جديدة عالية جداً قد تصل لأكثر من 120 ألف دولار وهو مبلغ كبير جداً على المواطنين، وإذا أردنا حفر بئر جديدة في منطقة مصنّفة أ، علينا أن نقدم طلباً للجنة المشتركة (الفلسطينية-الإسرائيلية)، واللجنة بدورها ترفع الطلب للسلطات الإسرائيلية التي تماطل بدورها في الرد على الطلب ربما لأشهر أو سنة فأكثر، لترد بعدها بالرفض، وفي بعض الحالات قد لا ترد أصلاً".
واللجنة المشتركة (الفلسطينية- الإسرائيلية) للمياه، جاءت ضمن اتفاق أوسلو، وكانت مهمتها دراسة تزويد المناطق التي تعاني شُح المياه للحصول على موافقة لحفر الآبار، مستدركاً حديثه: "لكن هذه اللجنة برأيي غير مفعلة منذ أكثر من عشر سنوات بشكل مقصود؛ للتضييق على المزارعين ومربي الماشية، وفي حال حَفَرَ أحد المزارعين بئرًا دون ترخيص تبادر قوات الاحتلال إلى هدمها فورًا".
سألناه "إذن ما الحل بما أن الاحتلال الاسرائيلي لا يسمح بإصدار رُخص لبناء آبار جديدة؟" فقال: "نحاول التركيز على إمداد خطوط ناقلة للمياه، وتأهيل الآبار القائمة أصلاً، وهذا يحتاج لتكلفة مالية عالية تراوح بين 40 و50 ألف دولار، وقد أهلّنا بعض الآبار في منطقة العوجا والمناطق المحيطة بها، والتي ما زالت تخدم المواطنين ولو بالقليل".
النبع اختفى لكن الذاكرة لا تجف
رغم القهر البيئي والنهب المائي، فإن الذاكرة تقاوم؛ في كل حجر من مجرى النبع قصة، وفي كل نخلة ما زالت تقف، شهادة على صمود الأرض وأهلها.
فنبع العوجا ليس مجرد مصدر مياه، بل حكاية متجذرة في وجدان من عاشوه، ومرآة لجريمة بيئية وإنسانية لا يمكن الصمت عنها.
فمع اختفاء وجه النبع، تبقى ذاكرة أهالي العوجا محتفظة بتفاصيله، كما لو أنه ما يزال يتدفق، الصور القديمة، الروايات، المواسم، أغاني الحصاد، كلها تسكن تفاصيل حياة لم تعد.
يختم الحاج فتحي أبو جماعة كلماته قائلاً: "ما ضل لا خضرة ولا وجه حسن... بس طالما الذاكرة معنا، رح نضل نروي الحكاية".
في العوجا، لا تجف الذاكرة كما جفَّ الماء، وشهادة الحاج فتحي واحدة من عشرات الأصوات التي ترفض أن يكون الصمت نهاية القصة. ربما تغيّر وجه النبع، لكن نبض الذاكرة ما يزال يقاوم، يحمل ما تبقى من الحياة، ويصرخ في وجه النسيان: "هنا كنا، وهنا يجب أن نبقى".