الحرمان من الطاقة.. في واحة الطاقة الشمسية
بالتعاون بين مجلة آفاق البيئة والتنمية ومركز العدل البيئي في جمعية الجليل
"أعظم محطات الطاقة الشمسية عالميا"
بينما يُعاني أكثر أهالي قرية بئر هداج البدوية الفلسطينية من الحرمان من الكهرباء بسبب سياسات الطاقة والتخطيط الإسرائيلية، نجد آلاف الدونمات من حقول الطاقة الشمسيّة تُقام على أراضيهم التاريخية المُصادرة لتأسيس "واحة الطاقة الشمسية" الأبرز في إسرائيل حيث توجد مُحطة "أشاليم" للطاقة الشمسية المُركّزة التي تحظى بشُهرة واسعة - حتى على الصعيد العالمي باعتبارها مشروعًا رياديًا يخدم البيئة والكوكب، بينما في الواقع لا يستفيد منه أقرب الناس إليه وهم مواطنو عشرات القرى البدوية المحرومة من الكهرباء.
التقارير التي تتحدث عن "أشاليم" تصفها بأنها واحة الطاقة الشمسية الهائلة[1] وهي من أعظم محطات الطاقة الشمسية عالميا[2] كما نجد أن كميّة الحديد الذي استهلك في بنائها قد يكفي لبناء 4 أبراج كبرج إيفيل[3]، وتعد المحطة "أطول برج للطاقة الشمسية/الحرارية عالميا"[4] كما أنها تساهم في خفض حوالي 245,000 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا – ما يعادل إزالة 50,000 مركبة من الطرق[5]. بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا للموقع الرسمي للشركة فإن هذا البُرج الشمسي الحراريّ يُساهم في إنتاج أكثر من 120 ميجا واط من الطاقة الكهربائية وهي كافية لتزويد أكثر من 60,000 منزل بطاقة نظيفة ومتجددة[6].
كما وأنّ منظومات الطاقة الشمسية المركزة CSP، تستهلك المياه بشكل كبير للتبريد بكميات موازية تقريبا لما تستهلكه محطة فحم أو محطة نووية[7]، هذا بينما يمنع أهل القرية من ربطهم بشبكة المياه ويضطرون إلى مد "برابيش" بشكل عفوي/ بدائي للوصول إلى نقطة تزوّد بالمياه قد تبعد 3-4 كيلومترات عن المنازل.
تاريخ عريق.. ضد الطمس
مُعظم المنصات الإعلامية التي تتحدث عن محطة "أشاليم" تتجاهل التاريخ العريق للمنطقة وللسكان المحليين. حيث تقع "بئر هداج" على مفترق طرق هام جدًا في النقب وقد سكنتها عشائر العزازمة مُنذ مئات السنين وذلك قبل إعلان دولة إسرائيل عام 1948. كانت عشائر العزازمة تعتمد على رعي الإبل بشكل خاص واشتهرت وعُرفت بذلك.

https://www.raremaps.com/gallery/detail/87394/the-negeb-or-desert-south-of-beersheba-palestine-exploration-fund
عانى "العزازمة " مما عانته بقية العشائر في النقب عام 1948، حيث طُرِد مُعظم سكان النقب، واستمرت ملاحقة السكان لما بعد النكبة، حيث طُرِد عام 1978 من تبقى في منطقة بئر هداج من أراضيهم إلى منطقة أخرى تُدعى بئر هداج ليستقروا بالقرب من منطقة وادي النعم، على مقربة من إحدى أخطر المناطق الصناعية الملوثة التي تحوي مكب نفايات للمواد الكيميائية الخطرة، حيث عاشوا في ظروف معيشية في غاية الخطورة جعلت نسبة الإجهاض عند النساء تصل لمستويات قياسية[8].
في عام 1994 قرر سكان القرية العودة إلى أراضيهم التاريخية رغم رفض إسرائيل، وبالتالي بدأ حرمانهم من كل الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي، وذلك لإجبارهم على الرحيل. في عام 2003 اعترفت الحكومة الإسرائيلية بالقرية بعد نضال طويل، لكن في الواقع الظروف لم تتحسن -حتى اليوم-، بل إن الحكومة شجعت إقامة مستوطنات على أراضي القرية، وأخذ المستوطنون يعتدون على السكان كما حصل عام 2007، بالإضافة إلى التخطيط لإقامة مستوطنة جديدة عام 2023 ("نافي غوريون") على اسم الزعيم الصهيوني بن غوريون. في المقابل، دأبت الحكومة وأذرعها، حتى اليوم، على هدم بيوت القرية[9].
الحرمان من الطاقة
المُفارقة، أن 99% من بيوت قرية بئر هدّاج المُجاورة غير موصولة بشبكة الكهرباء، وهذه النسبة ليست في بئر هدّاج فقط، بل نجدها في معظم القرى البدوية التي اعترفت بها الحكومة الإسرائيلية، وهي القرية الواقعة ضمن المجلس الاقليمي واحة الصحراء والقسوم. تتميز بئر هداج بأنها قرية كبيرة يسكنها أكثر من 6000 نسمة، وهي من أكبر القرى البدوية المعترف بها، وبالتالي فإن عدد المنازل غير الموصولة بشبكة الكهرباء يصل إلى نحو 1000 منزل[10]. هذه المنازل لا تستفيد من الطاقة الشمسية التي تنتجها "واحة الطاقة الشمسية" والمنشآت القريبة مثل محطة الطاقة الشمسية المركزة في "أشاليم" وحقول الطاقة الشمسية في كيبوتس "رفيفيم" وكيبوتس "مشأفي سديه" المجاورين لقرية بئر هداج.

خريطة لحقول الطاقة الشمسية المحيطة بقرية بئر هدّاج التي يُحرم 99% من بيوتها من الكهرباء
في عام 2013، نشرت مؤسسة عدالة تقريرًا بعنوان "عشر سنوات على الاعتراف بقرى "أبو بسمة"، ماذا استفاد السكان؟" جاء فيه: "عدم ربط البيوت بالكهرباء يضطر السكان إلى التزوّد بالكهرباء عبر مولدات تعمل على السولار أو عبر ألواح الطاقة الشمسية. في كلتا الحالتين، ثمن الكهرباء يكون باهظًا وكمية الكهرباء لا تكفي لتشغيل الأدوات والأجهزة المطلوبة لأي بيت في عصرنا."[11]
الجدير بالذكر أن التماسا قُدِّم للمحكمة العليا في إسرائيل، بهدف ربط المدرسة الابتدائية في القرية بالكهرباء، إلا أن المدرسة لا تزال تعتمد على موّلد كهربائي يعمل على الديزل حتى يومنا هذا، ويشكل ازعاجا للأجواء الدراسية بسبب الضجيج والتلوث الناجم عنه، كما أنّ صيانته وتزويده بالوقود يكلّف مبالغ طائلة تصل إلى نحو 10 آلاف دولار شهريًا!

المسجد في بئر هداج يعتمد على منظومة طاقة شمسية صغيرة - تصوير عمر عاصي
تحديّات الطاقة الشمسية "المنزلية"
معظم هذه البيوت تعتمد بشكل شبه كامل على نُظم طاقة شمسية صغيرة بالكاد تكفي للاحتياجات الأساسية، وهي نُظم اضطُر المواطنون في بئر هداج وغيرها من القرى للاعتماد عليها، بسبب حرمانهم من شبكة الكهرباء الوطنية وبسبب سياسات الطاقة والتخطيط الإسرائيلية.
في دراسة للباحثة إيميلي قطّان وآخرون (2018) تشير إلى أن معظم البيوت في القرى البدوية "المحرومة من الطاقة" تعتمد على أنظمة قدرتها ما بين 300 إلى 1200 واط وهي منخفضة جدًا بالكاد تكفي للإضاءة وشحن اجهزة الإتصال والتلفاز وتشغيل الثلاجة، بينما هناك العديد من الأجهزة التي لا يمكنها تشغيلها. كما أن هذه النظم لا يُمكن الاعتماد عليها في الأيام الشتوية التي تتلبد فيها غيوم السماء لفترات طويلة، وبالتالي يضطر الأهالي إلى عدم تشغيل أجهزة مثل الثلاجات. بالإضافة إلى أن أيام الحر الشديد "القيظ" يُمكن أن تُعَطِّل منظومة البطارية وشحن الطاقة. في ظُل هذه الظروف فإن جهود وتكاليف الصيانة ومتابعة المنظومة (بالأخص البطّاريات وتنظيف الألواح)، تقع على عاتق الأسر التي تنقصها الكثير من الخبرات في المجال[12].

ما بعد الحرمان: أضرار محطة "أشاليم"
الأمر لا يتوقف عند حرمان أهالي بئر هدّاج من الاستفادة من الطاقة التي يتم إنتاجها قُرب منازلهم، بل يضطر الأهالي إلى تحمل الآثار البيئية السلبية لهذه المحطة، حيث يذكر سليم الدنفيري أن العديد من الأهالي يشكون من الصداع وأوجاع في الرأس بسبب الوهج الهائل الناتج عن المحطة في ساعات النهار، وهي أبرز الإشكاليات التي يطرحها السكان مع عدم امتلاكهم القُدرة والخبرات لإثبات العلاقة، بسبب غياب الدراسات المحلية حول الموضوع، بينما هناك دراسات عالمية[13].
الآثار التي يشكو منها أهالي بئر هداج، يشكو منها أيضًا العديد من سكان البلدات اليهودية القريبة في الجوار. ففي وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، نجد العديد من النقاشات حول أضرار المحطة وهي تُلقب محليًا بـين معارضيها "عين سورون" أو "برج الموت"، وذلك لأن الوهج يتسبب بآلام في العيون. وقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تقريرًا عن هذا[14]. وخلال النقاشات طُرِحت مواضيع أخرى- قد تبدو ترفًا بيئيا بالنسبة لسكان بئر هداج- مثل تسبب البرج الشمسي باحتراق الطيور[15] وتلويثه المشهد الطبيعي في الصحراء.
الجدير بالذكر أن البلدات اليهوديّة حصلت على أكثر من 10 مليون شيقل من شركات الطاقة في "أشاليم" لتطوير بنى تحتية[16] بينما بئر هداج ليس فيها أي بُنى تحتية - لا شوارع ولا شبكات مياه ولا كهرباء إلا في حالات نادرة. علاوة على ذلك، هناك انتقادات لاذعة لإقامة محطة على نحو 10 آلاف دونم، بينما مساهمتها تقتصر على إنتاج 4% من الطاقة في إسرائيل، كما وتساهم في ارتفاع الأسعار[17] وتفاقم الفقر[18] وبالتالي فإن هناك علامة سؤال كبيرة بل ودعوات لإيقاف هذه المحطة[19] .
"غسيل أخضر" .. واستثمارات صديقة للبيئة؟
تجسد بئر هداج حالة نموذجية من العنصرية البيئية و"الغسيل الأخضر" (greenwashing)، حيث يدفع أهاليها الكلفة البيئية والاجتماعية والسياسية لمشاريع الطاقة المتجددة ومنها برج "أشاليم" دون إمكانية الاستفادة من وجودها، ويتم تقييد حقهم في الكهرباء أساسا ووجودهم على الأرض.
في دراسة حول "الطاقة الشمسية والغسيل الأخضر" نُشرت عام 2023، تمت الإشارة إلى مشاريع الطاقة الشمسية في منطقة "أشاليم" وكيف شارك في تشييدها شركات عالمية مثل شركة "برايت سورس" الأميركية وشركة "ألستوم" الفرنسية وشركة الهندسة الإسبانية TSK Group وشركة Pfannenberg الإيطاليّة وغيرها من الشركات التي تشارك في هذا "الغسيل الأخضر"[20].
ومن اللافت أن موضوع "الغسيل الأخضر" في سياق الطاقة الشمسية حظي بدراسات أخرى سابقة مثل الدراسة التي نشرتها مؤسسة Whoprofits عام 2017 وتؤكد أن مشاريع الطاقة الشمسية في النقب والضفة الغربية هي مشاريع "غسيل أخضر" في ظل استمرار سياسة حرمان السكان المحليين من الطاقة وتهجيرهم وهدم بيوتهم[21].
مصادر أخرى انتقدت كيف أن مشروع "أشاليم" حظي باستثمارات خارجية تُعنى بالبيئة والاستدامة، بينما لم يؤخذ بالحسبان العنصرية البيئية، كما حصل مع استثمارات بقيمة 150 مليون يورو من البنك الأوروبي للاستثمار (EIB) التي ساهمت في مشروع للطاقة "الخضراء"، بينما إسرائيل تصدر أوامر هدم في بئر هداج المجاورة في نفس اللحظة [22].
إن حالة بئر هداج تكشف أن الطاقة المتجددة في إسرائيل ليست للجميع، وأن العدالة الطاقية لا تُقاس بالميغاواط المنتجة، بل بمن يُمنح حق الوصول إليها.

خريطة بعنوان " احتلال الغسيل الأخضر" من تقرير حول الطاقة الشمسية والغسيل الأخضر[23]
[3] https://www.israel21c.org/take-a-tour-of-israels-huge-new-solar-energy-valley-in-the-desert/
[7] Burkhardt JJ, Heath GA, Turchi CS. Life cycle assessment of a parabolic trough concentrating solar power plant and the impacts of key design alternatives. Environmental Science & Technology 2011;45(6): 2457-64, https://doi.org/10.1021/es1033266
[12] Kattan, E., Halasah, S., & Abu Hamed, T. (2018). Practical Challenges of Photovoltaic Systems in the Rural Bedouin Villages in the Negev. J Fundam Renewable Energy Appl, 8(258), 2.
[13] Ho, C.K., Ghanbari, C.M., & Diver, R.B. (2009). Hazard Analyses of Glint and Glare from Concentrating Solar Power Plants
[20] Miralles, N., Díaz, C., & Daza, F. (2023). The complicity of the Spanish financial sector in the occupation of Palestine: The case of solar energy and greenwashing. Observatory of Human Rights and Business (ODHE).
[23] Miralles, N., Díaz, C., & Daza, F. (2023). The complicity of the Spanish financial sector in the occupation of Palestine: The case of solar energy and greenwashing. Observatory of Human Rights and Business (ODHE).