مقاطعة المنتجات الإسرائيلية إلى الواجهة مجدداً.. مستقبلها ومآلها؟
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يبدو أن المقاطعة ستستمر بنسق أقوى من ذي قبل، في ظل الحرب الدموية الطاحنة. هذه المؤشرات لمسها مراسل "آفاق" في جولة على عدد من متاجر رام الله والبيرة. إذ لم تعد المنتجات الإسرائيلية تستحوذ على المساحة الأكبر للعرض داخل المتاجر، وباتت المنتجات المحلية تتصدر الواجهات، رغم عروض الأسعار على المنتج الإسرائيلي. ترسخت المقاطعة في الذهنية الفلسطينية، وتكثف وعي المستهلكين بأهميتها، وبالتالي تَعزَّز التوجه نحو البدائل المحلية أو العربية والأجنبية غير الداعمة لإسرائيل، إلى جانب تبلور أجسام أخذت الأمر على عاتقها.
|

مع اشتداد وطأة الحرب على قطاع غزة، وسقوط عشرات آلاف الشهداء منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، برزت إلى السطح دعوات لمقاطعة البضائع والمنتجات الإسرائيلية والشركات العالمية الداعمة لإسرائيل وجيشها.
حديث المقاطعة ليس جديداً على الساحة المحلية، ففي كل عدوان تتعالى الأصوات الداعية لمقاطعة المنتجات والشركات الإسرائيلية، لكن سرعان ما تتراجع هذه الحملات بعد انتهاء العدوان.
هذه المرة، تبدو المقاطعة أكثر وضوحاً، ويبدو أنها ستستمر بنسق أقوى من ذي قبل، في ظل حرب الدموية الطاحنة. مؤشرات لمسها مراسل "آفاق" في جولة على عدد من متاجر رام الله والبيرة، إذ لم تعد المنتجات الإسرائيلية تستحوذ على المساحة الأكبر للعرض داخل المتاجر، وباتت المنتجات المحلية تتصدر الواجهات، رغم عروض الأسعار على المنتج الإسرائيلي.
تجاوب شعبي "غير مسبوق"
لا توجد مؤشرات دقيقة عن حجم المقاطعة في أسواق الضفة الغربية، لكن الأمر يبدو ملاحظاً لأي متجول في هذه الأسواق. أصبحت البضائع المحلية أكثر حضوراً في المحال، بعد فترات كانت تسيطر فيها البضائع الإسرائيلية.
يقول الناشط المجتمعي فريد طعم الله، إن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، خصوصاً مع تزايد الوعي لدى الأطفال والشباب بأهمية المقاطعة ودورها في التأثير على الاحتلال.
ورغم أن نسق المقاطعة يرتفع مع اشتداد العدوان وسرعان ما يختفي البريق بعد توقفه، إلا أن طعم الله يرى في حديثه لمراسل "آفاق"، اختلافاً هذه المرة من ناحية تزايد الوعي، وهو أمر من شأنه تقوية هذا النهج مع مرور الوقت.
الأهم في حديث المقاطعة بنظر طعم الله، أن الحملات التي انطلقت في العدوان الأخير عززت الجهد التراكمي للنهج الذي بدأ منذ سنوات، أي أن المقاطعة كسبت هذه المرة رصيداً معقولا من الناس المؤمنين بالمقاطعة.
من جانبه، وصف الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، حجم التجاوب الجماهيري مع مقاطعة منتجات الاحتلال بـ "غير المسبوق".
ويقول البرغوثي في تصريح صحفي إن تجاوب الناس وأصحاب المحال التجارية، كبير جداً وأوسع من أي وقت مضى، وذلك نتيجة مشاهدتهم جرائم الاحتلال وبفعل حملات التوعية المستمرة. وأكد أنه "إذا ما قورنت المقاطعة اليوم مع الوقت السابق فهي تتجاوز 80%".
وتخسر إسرائيل أكثر من 15 مليار دولار سنوياً بسبب المقاطعة لبضائعها محلياً وخارجياً، وفق البرغوثي. ويشدد على أن تأثير المقاطعة له عدة جوانب؛ أهمها أن البضائع التي لا تبيعها إسرائيل تخسر أرباحها، وتفقد 16% من ضريبة القيمة المضافة التي تجنيها من الفلسطينيين، وعندما تشتد المقاطعة محلياً تزداد عالمياً أيضاً.
بدوره، يقول منسق حركة مقاطعة إسرائيل BDS محمود نواجعة، إنهم لمسوا فعلا أثر هذه المقاطعة على المستوى المحلي.
وأضاف في حديث صحفي: "انخفض الطلب والاستهلاك الفلسطيني للمنتج الإسرائيلي أكثر من 50% بعد نحو شهر من الحرب على غزة، كما ارتفعت شواهد وآثار حملات المقاطعة على الأرض وزادت فعاليتها أيضاً".
وأوضح نواجعة أنهم عملوا عبر نهجين لتعزيز المقاطعة، أحدهما تزامن مع الحرب على غزة والإبادة التي تتعرض لها، فأطلقوا مجموعة حملات ونداءات عبر أدوات المقاطعة (بي دي إس) على مستوى العالم واستهداف الشركات الأجنبية الأكثر تورطا لمقاطعتها، كالحملة ضد "كارفور".
أما النهج الثاني فتناول حملات أطلقها المواطنون مباشرة لمقاطعة الشركات الأجنبية مثل "ماكدونالدز وبيتزا هت ودومينيس بيتزا" وغيرها.
وقال نواجعة إنهم في حركة المقاطعة أيدوا ذلك وعملوا على نشره بشكل أوسع وضمن أهداف محددة. وأضاف: "دعونا إلى سحب العلامة التجارية من ماكدونالدز في دولة الاحتلال وتحمل مسؤولية فرعهم الذي أيد الإبادة بغزة، وهذا ينطبق على جميع الشركات".
مقاطعة المنتجات الزراعية
اللافت في حملات المقاطعة المتزامنة مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، هو دخول مقاطعة المنتجات الزراعية الإسرائيلية، وفق ملاحظة الناشط طعم الله. ويوضح أن "بعض المستهلكين أصبحوا يسألوا عن مصدر الخضار تحديداً، وهو أمر لم يكن موجوداً بشكل واضح في فترات سابقة".
وفي مقابل ذلك، زادت حصة مبيعات التعاونيات الزراعية في الضفة الغربية، التي أخذت على عاتقها تعبئة الفراغ وسد النقص الحاصل جراء مقاطعة منتجات الاحتلال الزراعية، وفق طعم الله الذي يشجع على تعزيز دور التعاونيات واستغلال كل متر في الزراعة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من اكتفاء ذاتي للعائلات الفلسطينية.
وعلى وقع هذا التطور، تنتشر بين الحين والآخر إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل منتجين محليين وتعاونيات زراعية، عن تنظيم أسواق لبيع منتجات محلية عضوية في مراكز المدن.
وتزداد أهمية المقاطعة الزراعية، خصوصاً في ظل تسجيل إسرائيل أعلى النسب عالمياً في استخدام المبيدات الكيميائية السامة في إنتاجها الزراعي. ففي إسرائيل يباع كل سنة ما يقارب 7 آلاف طن من بين 670 نوعاً مختلفاً من المبيدات، والتي تستخدم لإبادة الفطريات والجراثيم، أو حفظ وتخزين الفواكه بعد قطفها، وزيادة النمو. كما تستخدم ما معدله 3.5كغم من المواد الفعالة السامة للدونم الزراعي الواحد، أي أكثر بنحو 88 مرة من السويد التي تعتبر أقل الدول استخداماً للمبيدات (0.04 كغم لكل دونم)، ما يعني أن المنتجات الزراعية الإسرائيلية هي الأخطر من بين الدول الغربية جميعها.

المقاطعة تتسع لتشمل المنتجات الزراعية الإسرائيلية مقابل تشجيع الإنتاج المحلي
أرقام تدعو للتوقف
يشكل السوق الفلسطيني ثاني أكبر سوق استهلاكي للمنتجات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة الأميركية، إذ تبلغ الواردات من إسرائيل ما يزيد عن 4.4 مليار دولار سنوياً بالمعدل. هذا يعني أن المقاطعة ستتيح للمصانع الفلسطينية الفرصة لإنتاج كميات أكبر لسد احتياجات السوق، وبالتالي تشغيل أعداد أكبر من العاطلين عن العمل.
وبنظرة أكثر قرباً على فترة الحرب على قطاع غزة، تشير أرقام جهاز الإحصاء الفلسطيني (وفق ما نشره موقع الاقتصادي المحلي)، إلى تراجع الواردات من إسرائيل في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2023، بنسبة 16% إلى 273 مليون دولار، مقارنة مع 331 مليون دولار في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، ما يعني أن المقاطعة جاءت بنتيجة فورية، مع الأخذ بعين الاعتبار تراجع القدر الشرائية للمستهلك الفلسطيني، في ظل تعثر صرف رواتب الموظفين العموميين كاملة، ومنع العمال من الدخول إلى السوق الإسرائيلي.
وخلال الـ 11 شهراً الأولى من العام الماضي، بلغت واردات الضفة الغربية نحو 7.28 مليار دولار، منها 4.1 مليار دولار جاءت من إسرائيل، وفق "الاقتصادي".
المقاطعة ومآلها؟
الأهم بالنسبة للناشط المجتمعي فريد طعم الله، عدم عودة الأمور إلى طبيعتها بعد انتهاء عدوان الاحتلال على غزة. وأضاف: "يجب المراكمة على الجهد الذي تحقق خلال فترة الحرب، والبناء عليه باتجاه أن تصبح المقاطعة نهجاً وثقافة لدى الفلسطيني، لكن هذا يتطلب أموراً عدة".
من بين تلك الأمور، الدفع نحو تعزيز الوعي، فهو مفتاح الاستدامة، وهذا يتطلب دخول الحكومة الفلسطينية على الخط، فلا يعقل أن تبقى الجهود فردية وشعبية، فالحكومة عليها دور منع وتقليل المنتجات الإسرائيلية في الأسواق، وهذا بحاجة لقرار سياسي، بحيث تعطى الأولوية دائماً للمنتج المحلي، وفق طعم الله.
وإلى جانب دور الحكومة، ينادي الناشط المجتمعي، الفصائل والأحزاب بلعب دور حقيقي في ملف المقاطعة، خصوصاً في مسألة التوعية وتنظيم الحملات وإبقاء الملف حياً، بغض النظر عن تصاعد أو تراجع الأحداث الميدانية.

وقفة في رام الله لتفعيل المقاطعة (13 نوفمبر 2023)
من ناحيته، يرى الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم، أن استدامة المقاطعة بحاجة لمزيد من العمل لتحويل الأمر إلى ثقافة لدى المستهلك الفلسطيني، وهذه الثقافة ظهرت معالمها في العدوان الأخير، لكنها بحاجة لمأسسة واستمرارية على المستوى الشعبي بعد العدوان.
إلى جانب ذلك، تتطلب استمرارية المقاطعة بحسب عبد الكريم، لعب دور أكبر من القطاع الخاص الفلسطيني من ناحية رفع قدراته الإنتاجية بالتوازي مع رفع الجودة، لاستثمار فرصة المقاطعة على أكمل وجه، وعدم ترك أي فراغ من شأنه إعادة المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق مجدداً.
أما الخبير البيئي جورج كرزم فيعتبر أن المقاطعة تسهم بشكل مباشر في تقليل الاعتماد على السلع والموارد الخارجية والتبعية لها، وذلك من خلال منح الأولوية للتنمية الإنتاجية المحلية المعتمدة على الذات، وبالتالي إعادة تدوير رأس المال محليا وتعزيز وتمكين المبادرات والمنشآت والمشاريع التي تقوي صمود وثبات الفلسطيني على أرض وطنه؛ ما يسهم في حماية تراثنا الإنتاجي الوطني وتقليل التلوث الاستهلاكي والثقافي والإيكولوجي الناتج عن إغراق سوقنا المحلي بالسلع الإسرائيلية والأجنبية، وفي المحصلة التحرر من سيطرة الشركات والمؤسسات الاحتكارية العابرة للقارات والمهيمنة على الأسواق العالمية، بما في ذلك سوقنا المحلي، وما يترتب على هذه الهيمنة من هدمٍ للبنى الاقتصادية والإنتاجية التقليدية الوطنية، ونهبٍ للموارد الطبيعية وضربٍ للتوازنات والنظم الإيكولوجية، كما يقول كرزم.
ومما لا شك فيه أن المقاطعة سلاح مؤثر على المدى البعيد، وقد ترسخت في الذهنية الفلسطينية، وتكثف وعي المستهلكين بأهميتها، وبالتالي تَعزَّز التوجه نحو البدائل المحلية أو العربية والأجنبية غير الداعمة لإسرائيل، إلى جانب تبلور أجسام أخذت الأمر على عاتقها.