رمضان.. فرصة لإعادة التفكير بهدر الطعام!
| الأصل أن يكون شهر رمضان هو أفضل فُرصة لإعادة التفكير بهدر الطعام وهي قضية تحظى في الآونة الأخيرة باهتمام ملحوظ من قبل المؤسسات الأكاديمية والمنظمات البيئية.. بالأخص وأن حوالي ثُلث الطعام المُنتج حول العالم يُلقى في القمامة قبل أن يُستخدم، والأنكى أن تجد دولا عربية مثل السعوديّة والإمارات تتربع على قائمة أكثر الدول هدرًا للطعام.. ولا شك أن الوضع في فلسطين ليس أفضل بكثير، فالكثير من الدراسات التي أجريت حول النفايات في قطاع غزة ومحافظة نابلس وطولكرم وقلقيلية تُشير بأن معظم النفايات هي عضوية وبالتالي فإن أكثرها نفايات طعام.. كُل هذا وغيره سنُطالعه عن كثب في التقرير التالي. |
خاص بآفاق البيئة والتنمية

إذا كان اليوم العالمي للكف من هدر الطعام يُصادف 12 آذار من كُل عام.. فالأصل أن يكون شهر رمضان هو أفضل فُرصة لإعادة التفكير بهدر الطعام؛ وهي قضية تحظى في الآونة الأخيرة باهتمام ملحوظ من قبل المؤسسات الأكاديمية والمنظمات البيئية، بالأخص وأن حوالي ثُلث الطعام المُنتج حول العالم يُلقى في القمامة قبل أن يُستخدم، والأنكى أن تجد دولا عربية مثل السعوديّة والإمارات تتربع على قائمة أكثر الدول هدرًا للطعام.
ولا شك أن الوضع في فلسطين ليس أفضل، فالكثير من الدراسات التي أجريت حول النفايات في قطاع غزة ومحافظة نابلس وطولكرم وقلقيلية تُشير بأن معظم النفايات هي عضوية، وبالتالي فإن أكثرها نفايات طعام. كُل هذا وغيره سنُطالعه عن كثب في التقرير التالي.
تُشير الدراسات أن حوالي 59% من النفايات في الضفّة الغربية وقطاع غزة هي نفايات عضوية وهي في مجملها "نفايات طعام" وهو رقم مُرتفع مقارنة بدول أخرى حول العالم، ومع ذلك هناك دراسات تشير إلى أن النسبة أكبر من ذلك. وفي دراسة لجامعة بيرزيت في الضفة الغربية يذهب الباحث إلى أن هذه الكمية تصل إلى أكثر من 1000 طن يوميًا باعتبار أن كمية النفايات اليومية الضفة الغربية هي 1800 طن يوميًا. وبالتالي – لتبسيط الفِكرة - فإن كُل فرد يُنتج وبشكل يومي حوالي 200-250 غرام من نفايات الطعام يوميًا وهي كميّة ليس بقليلة، بل إن الكميّة قد تكون أكبر.

قبل أن نُكمل.. لا بُد أن نتوقف عند الأرقام لنوضّح عدّة أمور مُتعلقة بالدراسات التي تبحث في نفايات الطعام:
الفرق بين هدر الطعام والفاقد الغذائي
الكثير من هذه الدراسات لا تفرّق غالبًا بين هدر الطعام Food waste الفاقد الغذائي Food loss بحيث أن الفاقد الغذائي يحصل غالبًا قبل أن يصلنا الطعام أصلًا، أي في مرحلة الانتاج والتوزيع والتخزين. أما الهدر الغذائي فهو الذي يحصل في مرحلة الاستهلاك وبالتالي فإن طريق حساب الكميّات والأرقام الصادرة عن جهات مُختلفة قد يكون لها دلالات مُختلفة ولكن عمومًا هذا لا يعفينا من المسؤوليّة!
لماذا؟ ببساطة لأن الكثير من التجار يُلقون في القمامة ما يتوقعون أننا – كمستهلكين - لن نقبل به في المتجر، وبالتالي فإن الجزرة التي خرجت على هيئة غريبة، أو حتى البندورة التي يبدو عليها شيء من الذبول وغير ذلك، تُلقى جميعها في القمامة بسبب تفضيلاتنا وعاداتنا الاستهلاكيّة.. وبالطبع فإن هناك أسباب أخرى مثل النقص في جودة أنظمة التخزين والتبريد.
طعام قابل للإنقاذ؟
بالنسبة لـ هدر الطعام Food waste فإن الدراسات اليوم تُميّز بين الطعام الذي كان يُمكن انقاذه أو تفادي إلقائه في القمامة، وبين الطعام الذي لا مجال لإنقاذه، وهذا غير متاح – للأسف – في الكثير من الدراسات العربية التي تكتفي غالبًا بنقل مُعطيات عن دراسات أعدتها مؤسسات أجنبية أو دراسات أعدت من خلال عيّنات جُمعت من مكبات النفايات، وبالتالي، فإن معنى هذه الأرقام ودلالاتها ستكون أقوى بكثير لو علمنا كمية نفايات الطعام التي كان يُمكن إنقاذها، وعمومًا فإن الدراسات حول العالم تُشير إلى أن كمية الطعام الذي كان يُمكن إنقاذها هي حوالي 55% من الطعام المُلقى في النفايات المنزليّة.
الحديث عن "كميّة نفايات الطعام" باعتبار الطعام الشيء الوحيد المفقود في عملية الهدر فيه نوع من التبسيط المُخِل"، لماذا؟ لأن هدر الطعام يعني هدر الكثير من الموارد الطبيعية والبيئية التي استثمرت خلال عملية الزراعة مثل المياه والطاقة اللذين استهلكا خلال عملية الإنتاج والتوزيع، هذا غير الآثار السلبية الناجمة عن إلقاء النفايات في القمامة.
وهناك عدد من الدراسات التي اشارت بأن هذه الظاهرة العالمية مسؤولة عما يعادل اطلاق 3.6 جيجا طن من ثاني اكسيد الكربون، وبالتالي تساهم في الاحتباس الحراري، وبالإضافة إلى ذلك؛ تساهم في خسران قيمة ماديّة تقدر بـ750 بليون دولار، بالأخص وأننا نتحدث عن أن ثُلث الطعام الذي يُنتج حول العالم يُلقى في القمامة بدلًا من أن يُؤكل، وذلك وفق معطيات منظمة الفاو ( منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة – FAO).
نقطة أخرى مُهمة، أن الكثير من النفايات في فلسطين لا تصل إلى القمامة أصلًا وأحيانا يكون ذلك بسبب إعادة تدويرها منزليًا كاستخدامها لإطعام الحيوانات، بالأخص في المناطق الريفية، كما جاء في دراسة تم إعدادها في جامعة النجاح حول النفايات في محافظة قلقيلية، توضح أن نسبة لا بأس بها من المواطنين يستخدمون نفايات الطعام كسماد عضوي أو كطعام للحيوانات وهو ما يُلاحظ في الجدول التالي، حيث صرّح 206 أشخاص من أصل 671 بأنهم يستخدمون بقايا الطعام لإطعام الحيوانات.

وبعد هذه الملاحظات، فإن الدراسات الفلسطينية في مجال النفايات ليست كثيرة ولكن هناك دراسات تقدم تصورات عامة ولكن معظمها للأسف يتحدث عن النفايات بشكل عام. وخلال إعداد التقرير، لم نجد دراسة مُتخصصة في نفايات الطعام في المناطق الفلسطينية، ولهذا سنكتفي بذكر بعض التفاصيل المثيرة في هذا الخصوص نقلاً عن دراسات مختلفة.
- حوالي 65% من النفايات في قرية كفر لاقف في محافظة قلقيلية هي نفايات عضوية، وهي نسبة مرتفعة وتعود غالبًا إلى العادات الاستهلاكية لأهل القرية، بينما في قرية جينصافوت تصل النسبة إلى 72% ، وهي نسبة أعلى بكثير من المعدل، وتعود إلى الممارسات الزراعية بما أن القرية تعتمد على الزراعة بشكل أساسي.

المصدر: دراسات حول نفايات محافظة قلقيلية منشورة في موقع جامعة النجاح
- في دراسة حول نفايات محافظة نابلس، يُمكننا أن نلاحظ في الجدول التالي أن معدل النفايات العضوية كذلك أعلى من المعدل المُتداول (59%) وهو 65% في المحافظة، علمًا بأنه يصل إلى أكثر من 70% في بعض المناطق، كما يُمكن أن نرى في الجدول؛ أن كثافة النفايات عالية في بعض المناطق وهذا يعود -بحسب الدراسة- إلى كميّة المواد الرطبة، مثل بقايا الطعام وقشور الفواكه.

- في قطاع غزّة، تشير دراسة نُشرت عام 2012 أن نسبة النفايات العضوية ( أكثرها نفايات طعام) تصل إلى 52% فقط، وهي أقل بكثير من مناطق في الضفة الغربية مثل محافظة نابلس ومحافظة قلقيلية.

- في محافظة طولكرم أجريت دراسة من قبل مؤسسة Cesvi Onlus أكثر تخصصًا ووجدت أن نسبة كبيرة من الخيار والطماطم (البندورة) التي تُزرع في هذه المحافظة تُلقى في القمامة حتى قبل أن تصل المستهلكين، حوالي 11% خلال عمليّة الانتاج وحوالي 10% خلال التوزيع وهذه الكمية هي 5610 طن من الخيار و2915 من البندورة التي تهدر كُل عام في هذه المحافظة فقط!

وبالعودة إلى رمضان، فلا يكاد ازدياد النفايات في رمضان في الضفة الغربية وقطاع غزة يُذكر في الأبحاث والدراسات المنشورة، علمًا بأن هناك عدداً لا بأس به من التقارير الصحفية التي تطرقت للموضوع في كُل رمضان.. ولكن بشكل عام، فإن مُعظم الدراسات المنشورة في المنطقة العربية والتي تطرقت لهذا الجانب، تُشير إلى وجود زيادة ملحوظة في كميّات النفايات، وبالأخص نفايات الخُبز والخضار والفواكه.
وقد ذكرنا الكثير من الأرقام في تقرير " نفايات رمضان.. كيف تحوّل رمضان من «شهر الصيام» إلى "شهر الاستهلاك"!" وهي أرقام مُرعبة تستحق منّا أن نتأملها كُل مرّة من جديد، وفي الختام.. نحن من يُنتج هذه النفايات أو أننا مسؤولين عنها بشكل مُباشر أو غير مُباشر.. وبالتالي فإن الكف عن الإسراف والتذبير في الطعام في هذا الشهر الفضيل هي الطريقة الأمثل لحفظ النعمة واحترام القيم الرمضانية وبلا شك: التقليل من كميّات نفايات الطعام..!