|
منذ نشوء السلطة الفلسطينية في أوائل التسعينيات، هجرَ عدد كبير من الشباب الريف بحثاً عن وظيفة يجنون منها راتباً شهرياً من خلال العمل في مؤسسات السلطة الناشئة، المدنية منها والعسكرية، أو الشركات والمؤسسات الأهلية، وامتصت حركة البناء، المنفلتة من عقالها وغير المضبوطة برؤيا شاملة ومستقبلية، امتصت عشرات آلاف الشباب، ففرغ الريف من الجيل الصاعد بالمعنى المادي والمعنوي. المعنى المادي يقصد به كاتب هذا المقال انتقال الشباب وأسرهم إلى المدينة وترك العمل في الأرض، أما الفراغ المعنوي فيقصد به عدم قدرة الشباب على متابعة العمل والعناية بالأرض التي ورثوها عن آبائهم، وعدم الرغبة في القيام بذلك من جهة أخرى، ما خلق جفاءً وجفافاً في العلاقة بالأرض وفقدان المعارف الريفية المتوارثة والعلاقات الاجتماعية، فكان الفراغ المعنوي. لكن، ومع اكتظاظ المدن، وصخب الحياة فيها، بدأت حركة النزوح، وإن كانت بطيئة الوتيرة، والعودة العكسية من المدينة الطاردة إلى الريف المُرَحِّبْ بالقادمين الجدد والعائدين من الأهل السابقين. هذه الحركة أيضاً منفلتة من عقالها بلا ضوابط وبلا رؤيا لما يجب أن يكون عليه شكل الريف.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| المعيار الأساسي لحركة البناء الإسمنتي هو بالحفاظ على التنوع الحيوي |
شهدنا مع نشأة السلطة الفلسطينية في منتصف تسعينيات القرن العشرين، حركة نزوح من الريف إلى المدينة، وكانت في البداية للشباب، لكن في كثير من الحالات تبعت العائلات أبناءها إلى المدينة. هجرَ الشباب الريف بحثاً عن وظيفة يجنون منها راتباً شهرياً من خلال العمل في مؤسسات السلطة الناشئة، المدنية منها والعسكرية، أو الشركات والمؤسسات الأهلية، وامتصت حركة البناء، المنفلتة من عقالها وغير المضبوطة برؤيا شاملة ومستقبلية، امتصت عشرات آلاف الشباب، ففرغ الريف من الجيل الصاعد بالمعنى المادي والمعنوي. المعنى المادي أقصد به انتقال الشباب وأسرهم إلى المدينة وترك العمل في الأرض، أما الفراغ المعنوي فأقصد به عدم قدرة الشباب على متابعة العمل والعناية بالأرض التي ورثوها عن آبائهم، وعدم الرغبة في القيام بذلك من جهة أخرى، مما خلق جفاءً وجفافاً في العلاقة بالأرض وفقدان المعارف الريفية المتوارثة والعلاقات الاجتماعية، فكان الفراغ المعنوي.
لكن، ومع اكتظاظ المدن، وصخب الحياة فيها، أصبحت المدينة طاردة لأهلها الأصليين ولساكنيها الجدد القادمين من الريف، والذين تذوقوا يوماً ما هدوء الريف وهواءه النقي وعايشوا حالة الإنسجام مع الطبيعة والغذاء الأصيل، فبدأت حركة النزوح، وإن كانت بطيئة الوتيرة، والعودة العكسية من المدينة الطاردة إلى الريف المُرَحَّبْ بالقادمين الجدد والعائدين من الأهل السابقين. إن مثل هذه العودة أفرزت علاقات جديدة مع الأرض وأُسس التعامل معها، وهي أيضاً حركة منفلتة من عقالها بلا ضوابط وبلا رؤيا لما يجب أن يكون عليه شكل الريف. فريف اليوم ليس كريف الآباء والأجداد، فينابيعه قد جفت وتجف الباقية منها، وترابه رحل للبحر مع المياه الجارفة، وما عاد الريف ينتج غذاءه، وبات معتمداً بشكل شبه كامل على ما يأتي من المدينة. وباتت الجبال ترسمها الطرق الزراعية، التي أتاحت للناس "الاستثمار" في المناطق الجبلية والبناء وإنشاء المزارع الشخصية للتنزه وغير ذلك من أشكال التغيير على "هوية" الطبيعة في الريف والمناطق الزراعية التابعة له.
إن مثل هذه العودة للريف تتطلب نماذجَ مبتكرة وجديدة من العلاقة، تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ في التعامل مع الأرض والطبيعة والعلاقات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية، لكي لا نؤذي الأرض أكثر مما آذها هَجْرُنا لها، ولكي نحفظ النسيج الاجتماعي الريفي، ونحافظ على المشهد الطبيعي، الذي تطور عبر مئات السنين وأكثر.
إن كان هناك من اشترى أرضاً في الريف من أهل المدينة، عليه أن يعرف أولاً كيف يتعامل مع الأرض كما كان يتعامل معها الفلاح الأصيل، وإن كان لا يعرف، فيمكنه الاستعانة بأهل المعرفة من الريف أو المختصين، الذين يملكون معرفة وعلم بعلوم الأرض والمياه والطبيعة. لكن، فوق كل هذا، يجب أن تكون هناك سياسات وطنية محكمة، تعيد للريف مكانته، ولا تسمح بتشويه طبيعة الريف الطبيعية والاجتماعية. مثل هذه السياسات غائبة الآن بالمطلق، فغياب الرؤية في العلاقة هو ما يميز الواقع حالياً، لا بل أن الريف متروكٌ تنهشه الفوضى، والأمثلة على ذلك كثيرة، لا تبدأ بغياب المراكز الفعالة المشجعة للناس على البقاء هناك، ولا تنتهي بشبه الانعدام لفرص العمل في الريف، مروراً بالبناء العشوائي، غير المنسجم مع بعضه ومع
المكان، والانتهاك الواضح للتشكيلات الطبيعية، التي نشأت عبر آلاف وربما ملايين السنين كالأودية والشِعاب (الأخوار)/قنوات ومجاري مياه الأمطار.
الطرق الزراعية
منذ تسعينيات القرن الماضي، تم شق مئات الكيلومترات من الطرق الزراعية، وقد كانت هذه الطرق ضرورة، لتشجيع المزارعين ومساعدتهم على خدمة أرضهم. وبالرغم من الحماس، الذي رافق عمليات شق الطرق الزراعية والنوايا الطيبة وراء ذلك، إلا أن هذا العمل ليس بريئاً من بعض النتائج السلبية، التي نتجت عنه، أولها أن الأرض تحولت إلى سلعة، فبدأت عمليات بيع الأراضي، على يد أصحابها، أبناء الفلاحين الذين كانت الأرض بالنسبة لهم ولآبائهم قيمة معنوية، لا يمكن التفريط بها إلا لظروف قاهرة جداً. هذا التحول لا بد أنه فتح شهية المستعمرين الصهاينة، الذين يسعون للسيطرة على كل شبرٍ من أرض فلسطين ويرغبون بتبرير ذلك بـ "طرق قانونية": بيع - شراء ولهم في ذلك باعٌ طويل ولديهم أذرعهم. هذا لا يعني أن الطرق الزراعية هي المذنب الأول في ذلك.

التمدد الاسمنتي العشوائي في معظم القرى الفلسطينية في الضفة الغربية
من جهة أخرى فقد تم شق الطرق الزراعية، وما زال يجري شقها، بلا دراسات حقيقية وعلمية، ودون الأخذ في الاعتبار ما ستسببه من رحيل لمياه الأمطار بعيداً عن أماكن سقوطها وتسببها أيضاً في حالات انجراف شديد للتربة، بسبب تحول الطرق لقنوات كبيرة لمياه الأمطار، تؤدي لسيول وانجرافات للتربة، لا بل يجري بناء "عبّارات" للمياه لنقلها بعيداً، على اعتبار أن المشكلة، هي في تقليل احتمال انجراف مقاطع من الطريق، حسب القائمين على شق الطرق. إن انتقال مياه الأمطار بعيداً عن مكان سقوطها بسبب شق الطرق الزراعية يؤدي إلى حرمان الأراضي المحيطة بالطريق من الاستفادة من تلك المياه، وقد يؤدي الشق الخاطئ لبعض الطرق إلى التأثير السلبي على تدفق بعض الينابيع القريبة. إن الأساس الذي يجب أخذه في الاعتبار عند شق الطريق والمتعلق بمياه الأمطار، هو منع جريان المياه، وإبقائها في مكان سقوطها، باستخدام تقنيات مختلفة، وبذلك تستمر الأراضي المحيطة بالطريق بالاستفادة من المياه ولا تتأثر بعض الينابيع سلباً.
أما الخلل الآخر الناتج عن الطرق الزراعية، فيتمثل بكميات الغبار الكبيرة الناتجة عن تلك الطرق، والتي تؤثر على النباتات والحياة البرية، المتأثرة بتلك الأغبرة، وكذلك على الحد من نفاذية التربة، نتيجة الحبيبات الدقيقة من الغبار التي تغطي سطح التربة وتغلق مساماتها، فتحد من قدرتها على امتصاص مياه الأمطار، متسببةً أيضاً بجريان سطحي للمياه، وبالتالي انجراف التربة في المناطق المتأثرة بهذه الظاهرة يكون أعلى، مما يخلق حالة قريبة من التصحر في تلك المنطقة. إن الحد من انبعاث الغبار من الطريق الزراعي أمر يمكن تفاديه بعمل مطبات من نوع خاص، تمنع القيادة بسرعة، دون أن تؤثر على المركبات، لكن تقلل للحد الأدنى من الغبار المنبعث وتأثيراته السلبية.
البناء في الأراضي الزراعية في الجبال
شهدت كافة المناطق في الضفة الغربية حركة بناء مشهودة، في الأراضي الزراعية المترامية والواقعة خارج المخططات الهيكلية، وما يميز هذه الحركة، أنها بلا ضوابط من الهيئات المحلية أو السلطة المركزية. فلا المجالس القروية والبلدية لها تدخل في حركة البناء تلك، ولا الجهات ذات العلاقة من سلطة الأراضي أو سلطة البيئة أو وزارة الزراعة تتدخل في وضع ضوابط لهذا النشاط "المعماري" الجديد، إذ يجب أن تكون لهذا البناء مرجعية، تضع له معايير محددة وتراقب تطبيق هذه المعايير، بحيث يكون لها سلطة إزالة أي بناء مخالف لتلك الضوابط والمعايير ودون تهاون. وربما أن لكل منطقة سيكون للبناء فيها خصائص محددة تختلف عن منطقة أخرى، فالبناء مثلاً في منطقة الأغوار، تكون له خصائص غير البناء الذي يبنى في المناطق الجبلية. هذه الخصائص يجب أن تتناول شكل البناء وانسجام الشكل مع المكان، مساحة البناء بالنسبة لمساحة الأرض، المنوي إقامته عليها، والحد الأدنى من مساحة القطعة المسموح بالبناء عليها، وإذا كانت مساحة القطعة أصغر من المسموح، يُمنع البناء عليها.

قليلة هي قرى الضفة الغربية التي حافظت على الانسجام بين التمدد الاسمنتي والمساحات الخضراء والزراعية
إن من واجب الجهات المختصة حفظ حق الأجيال القادمة في الانتفاع من الأرض، لا أن تتركها بلا ضوابط وبلا رعاية، فتتحول إلى ضحية جشع وسوء إدارة ونقص في التقدير وقصر في النظر لدى الجيل الحالي. لذلك، يجب أن نفكر في تبني سياسة السكان الأصليين للأمريكيتين، القائمة على أساس "أن أي عمل/نشاط نريد القيام به، يجب أن ندرس أثره على الجيل السابع الذي سيأتي لاحقاً، فإن كان لهذا النشاط أثر يمس حتى الجيل السابع من بعدنا، فيجب الامتناع عن القيام به". وهذا بالضبط ينسجم مع كون "الإنسان مستخلف في الأرض". غير ذلك، يكون عمل الإنسان عمل أناني، قائم على الجشع، ليس إلا.