بين الكهوف والمسارات الخطرة... فلسطينيان يمارسان "الاستغوار" ويَهيمان بـ"الأرض"
|
بلادنا جميلة بكل ما فيها؛ ولكلِ منطقةٍ جمالها الخاص. فحين تتجول في الشمال تجد الغابات الخضراء التي تضاهي بجمالها مناطق ساحرة من العالم؛ حيث الأودية والأنهار والعيون الجارية التي تتضمن ظواهر جغرافية رائعة الجمال مثل العديد من الكهوف والمغاور الكارستية الجميلة؛ وفي فترة الربيع تزدان بلادنا بلوحة فنية رائعة. في ظل هذا المشهد الطبيعي الساحر يستمتع كل من محمد كريم و ورود شرباتي بتنظيم مغامرات مجنونة لاستكشاف طبيعة فلسطين. مجلة "آفاق البيئة والتنمية" رافقت هاتين التجربتين اللتين يرتفع فيهما منسوب "الإدرينالين" بكل جدارة؛ للوقوف على تفاصيل مثيرة عند دخول الكهوف والمسارات الخطرة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| أحد الكهوف التي استكشفها الاستغواري محمد كريم |
مغامرات مجنونة يستمتع بتنظيمها كل من محمد كريم و ورود شرباتي؛ وحين يتعلق الأمر باستكشاف طبيعة فلسطين يكون للأمر مذاق آخر؛ "مجلة آفاق البيئة والتنمية" رافقت تجربتين يرتفع فيهما منسوب "الإدرينالين" بكل جدارة؛ للوقوف على تفاصيل مثيرة عند دخول الكهوف والمسارات الخطرة.
بين حقول الزيتون وكروم العنب والتين؛ نشأ مدرس الجغرافيا محمد كريم؛ فليس عبثاً أنه صار ناشطاً في شؤون الطبيعة بــــ فلسطين المحتلة؛ يعرّف عن نفسه بهذه الطريقة: "أنا من عائلة فلاحين نشأت وترعرعت في قرية كفر كنا؛ رافقتُ جدي وجدتي وأبواي إلى الحقل وعملت معهم منذ صغري، وهكذا نشأت بيني وبين الطبيعة علاقة حب لا تنتهي بل أنها تزداد يوماً بعد يوم؛ باكراً حفظت عن ظهر قلب كل عين ماء ومغارة وخربة من كثرة تجوالي مع رفاق الطفولة.
السعادة تبدو واضحة في كلامه حين أخذ يسطّر هذه المشاهد: "كنت كلما كبرت وأصبح بإمكاني التنزه في مناطق بعيدة عن منطقة سكناي يزداد حبي لاستكشاف مناطق جديدة هي بمثابة المجهول بالنسبة لي؛ الطبيعة هي ملاذي الأول والوحيد للهروب من ضوضاء الحياة ومشاغلها وبها تسكن نفسي وترتاح؛ أحب التنزه لوحدي بين الغابات والكهوف مستمتعاً لأبعد الحدود بسحر الطبيعة الخلابة بشكل يفوق قيادة مجموعة".
 |
 |
| الاستغواري محمد كريم في أحد المغر الفلسطينية |
الاستغواري محمد كريم |
- ما الخطوات التي تتبعها من أجل الوصول إلى المغارات؟
أولاً عليك أن تعرف بوجود هذه المغاور وهذا يتأتى عبر دراسة مناطق مختلفة؛ ومن ثم تحين مرحلة الاستكشاف التي قد تتطلب عدة زيارات للموقع من أجل استكشاف مغارة وسط غابة متشابكة والاهتداء إلى موقعها الدقيق، وبعد التعرف جيداً على المكان أدخل في عالم مجهول وأكون مستعداً لخوض مغامرة محفوفة بالمخاطر؛ ففي بعض المغاور كنت أغوص لمسافة تصل نحو 500 م في عمق الأرض وفي قسم كبير منها أسير زحفا في سراديب ودهاليز ضيقة للغاية حيث الأرض مُوحلة ورطبة؛ وعندما أخرج تكون ملابسي متسخة تماماً بالطين؛ إنها مغامرة رائعة ولكنها خطرة جداً.
- ما الحقائق التي بين يديك بخصوص كهوف فلسطين من حيث طبيعتها الجيولوجية وعددها والأماكن التي تتواجد فيها؟
عدد الكهوف في فلسطين لا يمكن حصره؛ فهي تمتد على طول البلاد وعرضها؛ هناك الكهوف الكارستية التي تحظى بمنظر رائع؛ مثل مغارة الشموع قرب القدس أو مغارة علما؛ والنمر في الجليل الأعلى، وهناك كهوف "الإنسان القديم" وتكثر في الكرمل وقد وجدت فيها آثار للإنسان الأول على البسيطة مع الأدوات التي استعملها والحيوانات والنباتات التي أكلها مثل: مغارة الطابون، الواد، السخول، أبو أصبع وغيرها؛ وهناك الكثير من الكهوف التاريخية التي حفرها الإنسان لعدة أهداف؛ للسكن أو الاختباء وقت الحروب أو العبادة كما هو الحال في الكهوف التي حفرها الرهبان في صحراء برية القدس وبادية الخليل؛ بعضها حفرها الإنسان وبعضها تواجد بفعل الطبيعة؛ ثم أجرى البشر تغييراً عليها من خلال توسعتها وملاءمتها لحياته اليومية.
ويذكر أن المغاور الكارستية تتكون بفعل إذابة صخور الجير بعد تفاعل المواد الكيماوية التي بداخلها مع الماء والهواء فيحدث إذابة لها على مر آلاف السنين، فيما المغاور العادية تكونت بسبب فجوات بقيت في باطن الأرض بين الطبقات التي تكونت قبل ملايين السنين؛ ومن الممكن أن تتكون كذلك بسبب عوامل كسر أو خلع جيولوجية".
 |
 |
| رحلة في وادي البيرة الطويل يقودها الاستغواري محمد كريم |
محمد كريم أثناء استغواره واستكشافه المسارات الساحرة والخطرة في فلسطين |
- ما هو أصعب موقف تعرضتَ له أثناء عملية الاستكشاف؟
لا يمكن أن أنسى عندما كنت في وادي الدرجة غرب البحر الميت؛ هذا الوادي من أخطر المسارات التي قمت بها في البلاد فأنت تسير في قعر الوادي في أخدود –كانيون- عميق وهناك عشرات برك المياه العميقة بعضها يصل لأكثر من 5 أمتار تنزل إليها بواسطة الحبال من على شلالات ربما يصل ارتفاعها أحيانا 10 أمتار وأكثر؛ وعندما تصل الأرض تفاجأ بــ بِركة لا تعرف عمق المياه فيها؛ كان معي حينها شخصين لا يجيدان السباحة؛ وهذا المسار يستغرق 7 ساعات للمغامرين؛ تخيلوا معي ماذا كان حالنا مع أشخاص يخافون ولا يجيدون السباحة؛ والحمد لله أنهينا المسار بأعجوبة سالمين" .
منذ ست سنوات أنشأ محمد "نادي رحلات عشاق الوطن" ليعرّف بجمال بلادنا وجغرافيتها وتاريخها من خلال زيارة القرى المهجرة والقائمة في مختلف أنحاء البلاد؛ موضحاً: "نجمع بين الترفيه والتعليم وكلاهما يكمل الآخر؛ وقد زرنا مئات المعالم في مختلف أنحاء الوطن".
ويلفت الانتباه إلى أن من يخرج معه في هذه الجولات لا بد وأن يتمتع بالقدرة على المشي لمسافات طويلة والصعود في الجبال الشاهقة؛ وأن يحظى بــ طاقة لتحمل الظروف القاسية، فهناك بعض المسارات التي تحتاج إلى استعمال حبال وأحيانا يجب أن يرافقك مدرب مختص في التزحلق بواسطتها؛ وقد يستدعي الأمر السباحة في الأجران العميقة التي حفرتها المياه داخل الأودية".
 |
 |
| محمد كريم أثناء استكشافه أحد الكهوف الفلسطينية |
محمد كريم ومجموعة شبابية من محبي الطبيعة أثناء رحلة إلى بيت لحم |
"بلادنا جميلة بكل ما فيها؛ ولكلِ منطقةٍ جمالها الخاص فحين تتجول في الشمال تجد الغابات الخضراء التي تضاهي بجمالها مناطق ساحرة من العالم؛ حيث الأودية والأنهار والعيون الجارية التي تتضمن ظواهر جغرافية رائعة الجمال كمغارة فخت الطاقة "القوس" قرب عرب العرامشة؛ أو مغاور كارستية جميلة؛ وفي فترة الربيع تزدان بلادنا بلوحة فنية رائعة فحيثما تذهب هناك طبيعة خلابة؛ شخصيا أحب منطقة "هضبة الروحة" حيث الأنهار والأزهار تمتد على مرمى البصر، أحب كذلك منطقة الأغوار فبعد ان كانت جرداء قاحلة تحولت إلى خضراء يانعة؛ وأيضاً منطقة حدود غزة تزدان في فترة الربيع بحقول لا نهائية من شقائق النعمان والبرقوق؛ كما أني أسحر بالصحراء؛ عندما أزورها ينتابني شعور مصحوب بالرهبة؛ مكان يخلو من الشجر والبشر تقريبا؛ بيد أنه يخفي بين ثناياه الكثير الكثير من المناظر الرائعة".
- ما هي مصادر المعرفة التي تتزود بها قبل الترحال؟
دائما أسعى لدراسة مناطق جديدة لا أعرفها ولاحقا أخرج لاستكشافها؛ مستعيناً بالكتب ومواقع الانترنت المختلفة؛ وأشعر بالأسى أن المصادر العربية قليلة جدا وأغلب معلوماتي أستقيها من مصادر عبرية وأقوم بترجمة وملائمة المعلومات للجمهور العربي؛ وقد أحتاج للبحث ساعات طويلة من أجل الوصول إلى اسم مَعلم عربي بالعربية مثل عين ماء، جبل، وادي وما شابه.
- ما الجهد المبذول من قِبل المؤسسات البيئية للتصدي لتهويد المعالم الفلسطينية؟
(إسرائيل) تسعى إلى تهويد كل ما هو عربي في أرضنا ومنذ قيامها شكلّت لجان مختصة وباحثين من أجل تزوير التاريخ وطمس المعالم العربية؛ ومع الأسف المساعي العربية المبذولة تكاد تكون معدومة وتقتصر على بعض الأشخاص المتحمسين للأمر، أما عن المؤسسات فلا معطيات دقيقة لدي، بيد ان الواقع يشهد أنها قليلة جدا؛ ومن هذا المنطلق أشدد على ضرورة التواصل مع الأرض بكلّيتها وزيارة هذه الكهوف وإثبات الوجود بالتجوال في الطبيعة من أجل الحفاظ عليها من الضياع.
- ما مدى الإقبال من الشباب على هذا النوع من الجولات؟
مؤخراً لاحظت صحوة مباركة في مجال التجوال والتعرف على فلسطين في مختلف المناطق؛ سعياً منا لربط هذه الأجيال بحب الوطن وزيادة روح الانتماء للأرض؛ لا يمكن أن نحب الأرض دون التجوال في رحابها؛ حتى لو كان مجرد الخروج من البيت والمشي في الطبيعة؛ حسب رأيّي لا يمكن للذي يجلس في بيته أن يحب بلده كالذي يتعرف عليها من خلال المشي.
وأنا أنزعج إزاء قلة وعي غالبية الجمهور لقضايا البيئة، ففي قرانا ومدننا يكفي أن نشاهد أكوام النفايات المتكدسة، كما أن العديد من الآثار التاريخية في البلدات العربية مهملة للغاية، بل ويقوم بعض الجهلة بتكسيرها وتخريبها أو كتابة شعارات عليها.
- ما الأثر الذي تركته هذه المغامرات فيك؟
يصبح المرء أقوى بدنيا وتزيد قدرته على التحمل والصبر؛ ناهيك عن التعرف على أشخاص جدد وبناء علاقات اجتماعية، كما أن تلك الجولات ساهمت في تعريف الآلاف بي عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي؛ وبفضلها تطورت لدي مهارات الإرشاد والتعامل مع المجموعات وما يتصل بتنظيم الرحلات.
كما أسعى للتميز من خلال نوعية المسارات والمغامرات التي أقوم بها عبر اختيار مسارات غير معروفة للجمهور العام وحتى للكثير من المرشدين لأتجول بها مع عشاق الوطن.
 |
 |
| مشهد طبيعي ساحر أثناء الجولات الاستكشافية لمحمد كريم |
مغارة علما أعمق مغارة في فلسطين |
- هل أنت راضٍ بما حققته حتى الآن؟
وينهي حديثه بالقول: "أعدّ من الأوائل الذين نشروا صورا وفيديوهات ومعلومات عن مسارات منذ بداية الثورة المعلوماتية ودخول الإنترنت إلى البيوت؛ وكان لي الشرف في أن أعرّف الناس بوجود هذه المناطق، لدي ألبوم فيه آلاف الصور من كافة مناطق فلسطين؛ كما أنني أنشأت صفحة على اليوتيوب تحتوي على مئات مقاطع الفيديو وملايين الزوار، وأدأب على نشر أحاجي وألغاز على (الفيس بوك) والصحافة لتعريف المتابعين أيضا بمعالم بلادنا؛ بكل تواضع أصبح ما أنشره مرجعا لرواد الطبيعة الذين يتوقون للمغامرة.
****************************
 |
 |
| الاستغوارية ورود الشرباتي تداعب الهوابط في سقف أحد الكهوف الفلسطينية |
الاستغوارية وعاشقة الطبيعة الفلسطينية ورود الشرباتي |
ورود شرباتي: الصواعد والهوابط تجذبني
ننتقل إلى ابنة "الخليل" ورود شرباتي؛ هذه الفتاة الشجاعة التي استحقت لقب "أسدة الخليل"؛ فقد قضت جزءًا كبيرا من طفولتها في الطبيعة تتسلق الصخور والأشجار؛ لكن هَواها في اكتشاف ما يحويه باطن الأرض تبلور عام 2014 مع أول تجوال لها من قرية "الولجة" المهجرة إلى بلدة بتير الواقعة في مدينة بيت لحم برفقة مجموعة منظمة؛ هذا التجوال قادها فيما بعد لأن تصبح أول فتاة فلسطينية تمارس رياضة "الاستغوار"؛ وعلاوة على ذلك أسّست قبل عامين أول مجموعة شبابية تستمتع بهذا النشاط.
هذه الفتاة ابنة الــ 22 ربيعاً تدرس إدارة الأعمال؛ وتخرج مرتين على الأقل شهرياً إلى الكهوف بصحبة المغامرين أمثالها؛ تعرّف الاستغوار بأنه النّشاط الّذي يهدف إلى بحث وتعيين واكتشاف ورسم خرائط للمغارات والكهوف، ثمّ مشاركة هذه المعرفة مع الآخرين.
وتشير إلى أنه يتعلق بشقين؛ الأول يتناول دراسة المغاور وامتدادها وأسباب وجودها الجيولوجية وطبيعتها؛ والثاني يرتبط بفن الانتقال بأمان عبر الكهف منذ دخوله وحتى الخروج منه دون إيذاء نفسك أو إيذاء الكهف؛ وهذا يتطلب مجموعة من المعدات والمهارات الأساسية؛ حسب قولها.
- حدثينا عن قصتك مع الاستغوار؟
أذكر من طفولتي أنّي في أحد الأيام قمت بتنظيف مغارة مع إخوتي كي نسكن بها؛ حينها وجدنا عنكبوتا كبيرا وهربنا؛ ومما لفت انتباهي أن هناك حفرة مردومة بالصخور؛ كنت دائما أذهب لإزالة الصخور منها ظناً مني أنها "نبعة ماء"؛ يبدو أن الطبيعة تجري في دمي لذا أحببت المشي لمسافات طويلة ومن اللطيف أني قابلتُ أناساً غيروا نظرتي للحياة؛ وفي كل مغامرة أشعر وكأني أولد من جديد.
وقد أُخترت لتمثيل فلسطين في "الملتقى الوطني للاستغوار" الذي عقد في تونس قبل ثلاث سنوات؛ وذلك بعد مشاركتي في عدة مسارات مع المجلس الأعلى للشباب والرياضة كانت ضمن "مسار إبراهيم"- مسار مشي سياحي يبلغ طوله 321 كم يبدأ من رمانة في جنين شمال الضفة وينتهي في بيت مرسم جنوب غرب الخليل-.
- ما السبب الذي دفعكِ نحو اكتشاف الكهوف على وجه الخصوص؟
"إنه عالم مليء بالمغامرة ومتعة الاستكشاف؛ وما زالت الكهوف في بلادنا بحاجة لاستكشافها وتوثيقها؛ جذبتني فكرة أن الكهوف أماكن لم يصلها الكثير من الناس وأنه قد يقدر لي دخول كهف يتجاوز عمره ملايين السنين؛ كم تستهويني فيها الصواعد والهوابط والتشكيلات الجيولوجية وقطرات الماء المعلقة بسقف الكهف ومحاولتها الصمود لتشكل منظراً رائعاً؛ بالإضافة لأصوات الخفافيش وسط سكون المغارة".
 |
 |
| ورود الشرباتي تستكسف الكهوف الفلسطينية وتجوب المسارات الخطرة في الطبيعة الفلسطينية |
ورود الشرباتي تمارس رياضة الاستغوار |
- كم عدد كهوف فلسطين وكيف تشكلت؟
يوجد في فلسطين حوالي 500 -600 كهف تتوزع في معظم مناطقها؛ وتتميز بأنها كهوف متحللة (كارستية) تشكلت في مناطق الضعف بالقشرة الأرضية؛ إذ تذيب مياه الأمطار الصّخور الكلسية نتيجة احتوائها على محلول حمضي من ثاني أكسيد الكربون نتيجة اختلاط مياه الأمطار بالأتربة والجو؛ وتتغلغل هذه المياه داخل الصّخور لعمل فجوات صغيرة بين تلك الصّخور، ومن ثم يقل مستوى المياه الجوفيّة تدريجياً ليعود ويمتلئ الكهف بالهواء بدل الماء".
وبعد عملية ذوبان الصّخور يصبح الكهف فارغاً، وعند هطول الأمطار من جديد حيث تتكوّن قطرات صغيرة على سقف الكهف وتقوم بالتنقيط البطيء؛ ومع دخول الهواء إلى الكهف الذي يحتوي على ثاني أكسيد الكربون يقوم بتركيز مادة الكالسيت التي تتجمع على شكل حلقات تحيط حولها القطرات المائيّة، ثم يزداد نمو هذه الحلقات بشكل أكبر فيزداد حجمها وطولها؛ ولا تتوقّف إلا إذا قمنا بإغلاق الفتحة الأماميّة لها، ويسمّى هذا العمود المدلّى من سقف الكهف ( الماصّه) أو الهوابط . أمّا الصواعد فتتكوّن نتيجة قطرات الماء المتدليّة من السقف إلى أرض الكهف، ومع مرور الزمن يزداد تساقط هذه المياه وبشكل مبعثر ويؤدي هذا إلى تراكم الرّواسب الجيريّة وتتركّب مكوّنةً الصّواعد، وعند نقطة التقاء الهوابط والصواعد مع بعضها البعض في الكهف تتشكّل الأعمدة.
- هل رياضة الاستغوار دارجة في فلسطين؟
ما زالت رياضة الاستغوار جديدة في فلسطين؛ مع أن الفلسطيني دائم الاستكشاف لطبيعته ولطالما استكشف الكهوف والمُغر في محيطه واستخدمها وحفظ تفاصيلها؛ وعادة يُلجأ لمن يعرفون الأرض جيداً للاستفادة من خبراتهم وقصصهم عن الكهوف الموجودة بمحيطهم.
ولكن حين ذهبت إلى تونس عرفتُ مفهوم الاستغوار وتاريخه وقواعده الأساسية؛ واطلعت على خصائص الكهوف بشكلٍ علمي؛ وتدربت على المهارات اللازمة.
- فكرة إنشاء نادي للاستغوار بالنسبة لفتاة خليلية.. كيف استقبلها من حولك؟
تصحب إجابتها ابتسامة ثقة: تعرضتُ للعديد من الانتقادات والغالبية لم تستوعب فكرة أن فتاة تدخل المغر وتلطخ ملابسها بالطين؛ وقد وصفت أحياناً بــ"المجنونة" ولكن لا حياة بدون جنون؛ وفي المقابل أمدّني المهتمين بالطبيعة بالتشجيع والدعم.
كما أن هذا النادي عبارة عن مجموعة شبابية- معظمه من الذكور- تنظم الرحلات وتنشر الصور باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن تقدم للمتابعين المعلومات القيّمة.
لا أشعر بالحرج كوني فتاة تزاول هذه الرياضة؛ بل أن ذلك يشجعني على الاستمرار لتشجيع الفتيات على المشاركة والعمل على تحقيق أحلامهم مهما كانت الصعوبات.
- ما أصعب موقف أعترضك أثناء الاستغوار؟
ذات مرة اصطحبنا أحد السكان المحليين للاستكشاف واتجهنا نحو "هوة طبيعية" يزيد عمقها عن 50 م ولم نكن نملك المعدات اللازمة؛ كنا نريد ان نعرف ماهية هذه الهوة وقد حاولنا ذلك بما نملكه من معدات وكاد أحدنا أن يتعرض للإصابة.
- ما التحدي الأكبر الذي تواجهونه في النادي؟
أسعى مع رفاقي لإثبات أن هذه الكهوف فلسطينية بخلاف ما يدّعي المستوطنون بأنها إسرائيلية فنحن كفلسطينيين من واجبنا أن نعمل على تصحيح ذلك؛ وننشر الرواية الصحيحة؛ ومجرد أننا نتواجد في هذه الأماكن ونبذل جهدنا للاهتمام والارتباط بها دليل دامغ بأنها لنا.

ورود الشرباتي
- ما أفضل الأوقات لجولات الكهوف وما متطلبات الاستغوار؟
في فصول الجفاف ما بين شهر مارس الى أكتوبر أي قبل دخول فصل الشتاء؛ تجنباً للأوحال وخطر التزحلق فيها.
ويتطلب الاستغوار تجهيزاتٍ معينة تخص الملابس ومعدات الأمان لا سيما أن هناك مغراً تحتاج إلى درجات عالية من اللياقة البدنية قد تستلزم الزحف والدخول إلى أماكن صعبة وضيقة مثل خوذة الرأس والأضواء الكاشفة وأحياناً الحبال وأدوات الصعود والهبوط والملابس المضادة للماء؛ وأحذية تتحمل الطين والرطوبة وحمايات للرُكب والأكواع.
- ما توصياتكِ لمتجولي الكهوف؟
تجنب إزعاج الكائنات التي تعيش بالكهف؛ وعدم ترك أي قمامة أو أي شيء داخله؛ كما يمنع التدخين أو عمل حرائق داخله أو بالقرب من مدخله؛ ويمنع لمس مكونات الكهف والتشكيلات من صواعد أو هوابط أو التجرؤ على كسرها؛ وعليك إخبار شخص ما بزيارتك الكهف وعدم الذهاب وحيدا إليه؛ واطلب الإذن من مالكه؛ وخذ استراحة بين الحين والآخر؛ ويا حبذا لو أبقيت جسدك دافئا جافا".
منحتني الطبيعة وممارسة الاستغوار الثقة بالنفس والقوة والشجاعة؛ تعلمت من صخورها وجبالها الشامخة الصمود؛ في كل رحلة تزيد ثقتي بأنني سأحقق أحلامي؛ كما أن هواء الطبيعة المنعش والابتعاد عن المدن وصخبها يساعدني على التأمل وتجديد حيويتي.
- ما هي طموحاتكِ على المستوى الشخصي؟
آمل المشاركة في مؤتمرات وندوات على مستوى محلي وعالمي تخص هذا المجال من أجل تطوير نفسي برياضة أراها مختلفة؛ وأن أصبح أكثر إلماماً بها على الصعيد العلمي؛ وأن أنقل ما يوجد في بلادنا من كهوف ومُغر للعالم؛ في رسالة واضحة مفادها "فلسطين جميلة بكل ما فيها وتستحق الزيارة.