الجريمة المنظمة في أراضي 1948.. الثمرة المُرّة لتفشي النزعة الاستهلاكية
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في المجتمعات الحديثة، لم تعد الجريمة المنظّمة ظاهرة خارجة عن النظام، بل باتت في كثير من الأحيان متداخلة معه، خصوصًا حين تتغذى على ثقافة استهلاكية تفرض معايير عالية للنجاح والقبول الاجتماعي. إذ يصبح الاستهلاك ليس مجرد تلبية للحاجة، بل مظهرًا من مظاهر المكانة الاجتماعية، ما يؤدي للضغط على الأفراد خاصة من الطبقات المتوسطة والفقيرة لمجاراة حياة لا يمتلكون فيها الموارد الكافية لتلبيتها. الاختناق الاقتصادي في مجتمع مناطق 1948؛ والقطاع الشبابي فيه خاصة، وغياب سياسات تنمية عربية عادلة، وشعور دائم بالمقارنة مع المجتمع اليهودي المستوطن ومحاولة مضاهاته تحت تأثير ما يُعرف في أدبيات التنمية بـ"أثر المحاكاة"، والذي دُفع إليه كثيرٌ من الشبان العرب، بعد أن استنفدوا كل مجالات الاستدانة الرسمية لتلبية رغباتهم الناتجة عن محاكاة المجتمع المستعمر- كل ذلك دفع كثيرين إلى الاقتراض من السوق السوداء والتورط في العلاقة مع شبكات عصابات.
|
 |
| احتجاجات فلسطينيي 1948 ضد الجريمة المنظمة |
تعد الجريمة المنظمة ظاهرة اجتماعية ناشئة عن نظام اجتماعي غير عادل أو نظام استغلالي في الأساس، فالأمر ليس مجرد ثقافة معزولة عن أساسها الاقتصادي الاجتماعي، بل هي من نتائج نظام الاستغلال، فما بالك إذا ارتبط هذا الاستغلال بالكولونيالية الاستعمارية والتمييز العنصري، حيث يشكل اجتماع ذلك تربة خصبة لمحاولات التفّلت من النظام بطرق مختلفة، منها الثورة الاجتماعية باعتبارها فعلًا إيجابيًا مضادًا للاستغلال والاضطهاد، ومنها البحث عن الخلاص الفردي خارج قوانين النظام ولكن في إطاره الاجتماعي الأوسع.
ففي المجتمعات الحديثة، لم تعد الجريمة المنظمة ظاهرة خارجة عن النظام، بل باتت في كثير من الأحيان متداخلة معه، خصوصًا حين تتغذى على ثقافة استهلاكية تفرض معايير عالية للنجاح والقبول الاجتماعي. إذ يصبح الاستهلاك ليس مجرد تلبية للحاجة، بل مظهرًا من مظاهر المكانة الاجتماعية، ما يؤدي للضغط على الأفراد خاصة من الطبقات المتوسطة والفقيرة لمجاراة حياة لا يمتلكون فيها الموارد الكافية لتلبيتها.
وهنا عندما لا تستطيع أو لا تريد السلطة الحاكمة في حالتنا هذه توفير حياة كريمة، يصبح البحث عن وسائل لتلبية هذه الحاجات خارج النظام القانوني خيارًا وذلك بالاستدانة خارج النظام المصرفي ومن السوق السوداء، هذه السوق المشبعة بكل أشكال السلوك غير الأخلاقي والذي يدفع المرء لارتكاب جرائم، وربما يطورها لبناء نظام خاص يملأ الفراغ خارج رقابة الدولة.
هنا تنشأ ثقافة في أوساط الشباب المهمش، الذي يرى في المجرمين رموزًا للهيبة ما داموا يقتنون السيارات الفارهة والهواتف الأغلى، وغير ذلك من مظاهر الاستهلاك الاستعراضي.
هذا ما يمكن تطبيقه على مجتمع مناطق 1948 والقطاع الشبابي فيه خصوصًا، حيث الاختناق الاقتصادي، وغياب سياسات تنمية عربية عادلة، وشعور دائم بالمقارنة مع المجتمع الإسرائيلي (اليهودي) ومحاولة مضاهاته تحت تأثير ما يُعرف في أدبيات التنمية بـ"أثر المحاكاة"، والذي دُفع إليه كثير من الشبان العرب، بعد أن استنفدوا كل مجالات الاستدانة الرسمية لتلبية رغباتهم الناتجة عن محاكاة المجتمع المستعمر، كل ذلك دفع كثيرين إلى الاقتراض من السوق السوداء والتورط في العلاقة مع شبكات عصابات مستعدة ليس لقتل العميل المباشر لها فحسب، بل وقتل أقاربه أو اختيار افراد من عائلته ذوي مكانة والاقتصاص منهم، إذا لم يفِ المدين بدينه.
ويرى هيربرت ماركيوز في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، أن النزعة الاستهلاكية في المجتمعات الرأسمالية الحديثة أصبحت أداة فعّالة للضبط والسيطرة، حيث تُشبع الرغبات إشباعاً زائفًا وتُفرغ الإنسان من قدرته على التفكير النقدي والمعارضة.
يحلّل كيف تحوّل الإنسان إلى كائن أحادي البُعد، منشغل بالاختيارات الاستهلاكية بدلاً من السعي نحو التغيير الجذري. وبدلًا من القمع المباشر، تُمارَس الهيمنة بخلق حاجات جديدة وربط السعادة بالسلع.
وبهذا المعنى، تُمثّل النزعة الاستهلاكية تهديدًا للثورة، كونها دمجت حتى الطبقات الكادحة في النظام القائم، حيث تُختزل الحرية إلى حرية الاختيار بين منتجات السوق.
فلسطينيو 48 وحالة الاستلاب
يشكل فلسطينيو 48 نتيجة من نتائج الاستعمار الاستيطاني قبل وبعد نكبة عام 1948، وقد شكّل بقاؤهم في الوطن بعد حرب كبرى ومجازر دامية وعملية تطهير عرقي منهجية، تحديًا للمؤسسة الإسرائيلية الوليدة، والذي اقتضى منها سياسات في مختلف المجالات لتذويب الهوية بعد أن استعصى الطرد والترحيل ومحاولات خلق حالة تخارجية يكون فيها الفلسطينيون خاضعين للنظام، لكنهم عمليًا غير مندمجين في تقرير سياساته أو بلورة قومية تعبّر عن أصحاب الأرض الأصليين.
فبعد نهاية الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1966، جرت تحولات على هذا الجزء من المجتمع الفلسطيني، وخصوصًا بعد هزيمة حزيران عام 1967، وكان لا بد من احتواء هذه التحولات، عبر تسهيلات في العمل، وارتفاع في الدخول دون أن يصل معدل دخل الفلسطيني إلى معدل دخل الفرد اليهودي ذاته، أمام هذه الفجوة نشأ فرق في الاستهلاك بين الفلسطيني واليهودي، هذا الفرق كان الفجوة الكبيرة التي كان الفلسطيني يحاول سدها، وبات النمط الاستهلاكي الإسرائيلي (اليهودي) عنده علامة أو هدفًا يتوجب عليه بلوغه.
لكن في ضوء عجز الفلسطيني عن تحقيق ذلك بواسطة دخله، بات مضطرًا للاستدانة لأجل الاستهلاك، فلا استثمار حقيقي بين الفلسطينيين ولا تراكم رأسمالي، وإنما يعتمد على بيع قوة العمل للإسرائيلي (اليهودي) واستهلاك منتجاته وبالتالي استهلاك ثقافته.
اتسع مدى وانتشار الاستدانة مع العولمة والسياسات النيوليبرالية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبات على العربي كي يضاهي الإسرائيلي (اليهودي) أن يسافر إلى خارج البلاد ولو مرة في السنة، أو أن يشتري سيارة فارهة، أو أن يسرف في الاحتفال بالزواج وغيره من مظاهر الاستهلاك الاستعراضي، في حين يعجز هذا العربي عن توفير مسكن ملائم له بسبب ندرة الأرض المسموح البناء عليها.
هنا، وأمام هذا النزوع الاستهلاكي الذي زاد عن الحد، والذي يمكن أن تقدمه البنوك الرسمية، توجه المستهلكون للسوق السوداء والاقتراض بفوائد عالية، ما أوقعه هو وأسرته تحت تهديد العصابات الدائنة في حالة عجزه، ولم يعد ذلك حالات فردية، بل ظاهرة بات لها تنظيمها العصابي وقواها المسلحة، وإجرامها المنظم.

الجريمة المنظمة تنخر المجتمع الفلسطيني في مناطق 1948
حقائق إحصائية حول فلسطينيي 48
سُجلّت في السنوات الأخيرة حالة تصاعد للجريمة المنظمة في أوساط فلسطينيي 48، حيث بلغ عدد القتلى عام 2023، 244 شخصًا، أي ضعف عدد الحالات عام 2022، وسُجّل عام 2024 انخفاضًا طفيفًا في حالات القتل ليبلغ 230 حالة، في حين وصل عدد ضحايا الجريمة المنظمة 109 حالات حتى منتصف 2025[1].
وبيّن معهد الدراسات الأمنية الإسرائيلية أن عدد القتلى العرب جراء الجريمة المنظمة منذ عام 2012 حتى منتصف 2023 حوالي 1000 حالة وفاة.
لكن التقرير الأمني أحال كل عمليات القتل إلى الصراعات أو النزاعات العشائرية، مع أن هذه الظاهرة محدودة في الوسط الفلسطيني.
نسبة حل القضايا منخفضة
دور المؤسسة الأمنية:
يشكو الفلسطينيون في الداخل من إهمال الشرطة وأجهزة الأمن لهذه الظاهرة في أوساط الفلسطينيين، حيث لم يكشف الأمن أكثر من 10% من الجُناة، كما أنه لا يتابع أو يلاحق السلاح غير المرخص في أيدي العصابات أو حتى المواطنين، حيث تراكم مثل هذا السلاح في يد العصابات دون أن تعمل الأجهزة على ملاحقته ومصادرته.
إحصاءات حول الدخل والديون
حسب جهاز الإحصاء المركزي الإسرائيلي لعام 2021، بلغ متوسط الدخل السنوي الصافي للفرد العربي في إسرائيل حوالي 67,198 شيكل سنويًا (≈19,750 دولار)، أي أن متوسط الدخل الصافي الشهري يبلغ حوالي 5,600 شيكل (≈1,600 دولار)، فيما بلغ متوسط الدخل السنوي الصافي للفرد اليهودي حوالي 103,633 شيكل (≈30,450 دولار)، ما يكشف عن فجوة تُقدّر بحوالي 54% في الأجور، أي أن الفرد العربي يحصل على نحو 65% من دخل الفرد اليهودي، بمعنى أن الأخير يستهلك أكثر من 35% من الفرد العربي الفلسطيني، والفلسطيني في مناطق 48 لا يُقارن وضعه بوضع الفلسطيني في الضفة الغربية أو غزة أو الشتات، بل بوضع اليهودي، وهذا يعزز الشعور بالغبن لدى الفلسطيني، لكنه حتى الآن لا يناضل جديًا لأجل ردم هذه الفجوة، وإنما يحاول محاكاة اليهودي في الاستهلاك حتى لو استدان.
فيما أفادت دراسات أخرى أن نحو نسبة تتفاوت من 40 إلى 46 % من الأسر العربية مثقلة بالديون، مقارنة بــ ـ10 % فقط من الأسر اليهودية، وأن أكثر من نصف أفراد المجتمع العربي اضطروا لزيادة "السحب على المكشوف" (الأوفر دِرفت) في الأزمات الأخيرة، مقابل نحو ربع المجتمع اليهودي.
تحمل الأسر العربية دينًا بمعدل 96,200 شيكل[2] (≈27,600 دولار)، 93% من الدين من البنوك ويشمل قروضًا، تجاوزت سحوبات الحساب، وفواتير التأخير، و89 % من العرب المَدينين في الأدنى مديونية لديهم قروض استهلاكية من البنوك، مقابل 15 % فقط لقروض السكن نتيجة صعوبة حصولهم على تمويل عقاري.
لذا يوجد تضخم مقلق للديون الاستهلاكية عند العرب، خاصة مع الحواجز أمام التمويل العقاري، وارتفاع معدلات السحب على المكشوف، باعتبارها إستراتيجية لتغطية النفقات الطارئة، وقد راوحت نسبة الدين إلى الدخل بين (1 و2) مرة.
أسباب اللجوء للاستدانة
تتعدد الأسباب التي تدفع الأفراد والعائلات العربية في إسرائيل إلى الاستدانة من البنوك أو مؤسسات الإقراض، وغالبًا ما ترتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية بنيوية، إضافة إلى ضغوط الحياة اليومية، ونقص الخدمات الحكومية المتساوية مقارنةً بالمجتمع اليهودي.
وحدَّد باحثون أبرز أغراض الديون لدى العرب في الداخل الفلسطيني، ومنها بناء أو توسعة المنازل، والزواج والمناسبات الاجتماعية المختلفة، والتعليم الجامعي، وشراء مركبات أو تمويل ترخيصها، والاستهلاك اليومي وتغطية العجز الشهري، وشراء أثاث أو أجهزة كهربائية بالتقسيط، والسفر أو العلاج في الخارج.
حجم الاعتماد على السوق السوداء
أكّدت التقارير أن المواطنين العرب يحصلون على قرض سكني بنسبة لا تتجاوز 2% مقارنة باقتطاعهم من السوق العام، ما دفعهم لتعويض هذا الحاجز عن طريق "قروض السوق السوداء"، وأنهم يضخّون ما لا يقل عن مليار شيقل سنوياً في هذه السوق، وقدّرت مصادر أخرى الرقم أحيانًا بأكثر من 10 مليارات شيقل.
وأوضح مركز مساواة أن استغلال المؤسسات المالية الرسمية وزيادة رفض القروض البنكية دفعت المواطنين العرب إلى "الاعتماد على السوق السوداء لتغطية احتياجاتهم"، حيث تتجنب البنوك منح تمويل دون ضمانات رسمية، ونسبة التسجيل الرسمي للأراضي في المجتمع العربي تقل عن 40%، ما يحوّل اعتمادية القروض إلى مشكلة كبيرة، حيث حصة العرب من قروض الإسكان رسميًا ضئيلة جدًا (حوالي 2%)، ما يفتح الباب أمام السوق الرمادية أو السوداء.
وارتباط هذه القروض بجماعات الجريمة المنظمة، التي تستغل المقترضين بفوائد مرتفعة جدًا، تهدد بالابتزاز والضغط وحتى العنف.
ما العمل؟
إذا كان التمويل الائتماني السليم غير متوفر، فإن اللجوء إلى التمويل الأسود يؤدي إلى الجريمة المنظمة، هذا الأمر ليس مطروحًا على المجتمع، بل يجدر طرحه على القيادات السياسية والاجتماعية في أوساط فلسطينيي 48، إذ تقع على عاتقهم مهمة توفير حالة حماية اجتماعية شعبية، وليس فقط الوعظ والإرشاد، هنا يمكن إنشاء صناديق ائتمانية عربية، وتعزيز التوعية المالية، إضافة إلى حملات توعوية وتحفيز على الوعي المالي وتقنيات الادخار.
منظمة فلسطينية–إسرائيلية تتابع بيانات العنف والجريمة في المجتمع العربي.:Abraham Initiatives المصدر "مبادرات إبراهيم"1
منظمة فلسطينية–إسرائيلية تتابع بيانات العنف والجريمة في المجتمع العربي.: Abraham Initiatives 2 المصدر "مبادرات إبراهيم"