خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يشهد السوق المحلي أزمة حادة في المواشي واللحوم، إذ ارتفعت أسعارها ارتفاعاً جنونياً على مدار 12 شهرًا، وأُطلقت دعوات كثيرة لمقاطعة الخِراف والتوقف عن ذبحها، حتى تعود أثمانها إلى رشدها. تواكب "آفاق البيئة والتنمية" ملف المواشي واللحوم في سنة منهكة اقتصاديًا، وسط ارتفاع كبير في نسبة البطالة، وانضمام شرائج جديدة إلى "جيش الفقراء"، كما ترصد تذبذب الأسعار، وتستشرف أسباب الأزمة وسبل منع اتساعها، وتتطرق إلى انعكاسات الذبح خارج المسالخ. ونضع بين يديكم مشهدًا متكاملًا، فيه خلاصة آراء ومعطيات من وزارة الاقتصاد الوطني، وجمعية حماية المستهلك، ونقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي، ومختصين، ومربي ثروة حيوانية وتجار ومستهلكين.
|
يشهد السوق المحلي أزمة حادة في المواشي واللحوم، إذ ارتفعت أسعارها ارتفاعاً جنونيًا على مدار 12 شهرًا، وأُطلقت دعوات كثيرة لمقاطعة الخراف والتوقف عن ذبحها، حتى تعود أثمانها إلى رشدها.
تواكب "آفاق البيئة والتنمية" ملف المواشي واللحوم في سنة منهكة اقتصاديًا، وسط ارتفاع كبير في نسبة البطالة، وانضمام شرائج جديدة إلى "جيش الفقراء"، وترصد تذبذب الأسعار، وتستشرف أسباب الأزمة وسبل منع اتساعها، وتتطرق إلى انعكاسات الذبح خارج المسالخ.
ونضع بين يديكم مشهدًا متكاملًا، فيه خلاصة آراء ومعطيات من وزارة الاقتصاد الوطني، وجمعية حماية المستهلك، ونقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي، ومختصين، ومربي ثروة حيوانية وتجار ومستهلكين.
 |
 |
| |
إعلان وقف ذبح الخراف ومقاطعتها |
الكمية المحددة لتناول اللحوم
تهتم المعلمة صفاء الشيخ إبراهيم كثيرًا بالغذاء، وتعطي طالباتها قبيل عيد الأضحى إرشادات لتخفيف استهلاك اللحوم، التي شهدت أسعارها ارتفاعًا كبيرًا.
وتنقل لهن تقديرات خبير التغذية الروسي، أندريه بوبروفسكي، الذي يؤكد أن الإنسان يكفيه تناول كمية تتفاوت من 50 إلى 150 غرامًا من اللحم في اليوم الواحد.
وبحسب الشيخ إبراهيم، التي لا تنفك عن الترويج للطعام النباتي، فإن اللحم يحتوي على بروتينات من أصل حيواني، ويُعد مصدرًا مهمًا للأحماض الأمينية الأساسية في الجسم، لكن لا حاجة لتناول هذه المادة الغذائية بكميات أكثر من المتوسطة.
وفي المتوسط يجب أن يحصل الجسم على 15% من السعرات الحرارية اليومية من البروتينات الحيوانية، وهذا يعادل الكمية المذكورة أعلاه، مع الابتعاد عن الدهون الضارة للجسم، وفق معلوماتها.
وتنقل صفاء عن بوبروفسكي: "كلما زادت كمية اللحوم الحمراء في النظام الغذائي، قلّ متوسط العمر المتوقع"؛ لأن الدهون السيئة تسبب تصلب الشرايين والجلطة الدماغية والنوبات القلبية، كما أن منتجات هضم اللحوم سامة للأغشية المخاطية في الأمعاء، ما يزيد من احتمال الإصابة بالسرطان، وبطبيعة الحال، لا يُنصح من تجاوزَ الستين من العمر بتناول اللحوم بأنواعها يوميًا، وفي المقابل لا بد من اهتمامه بأكل الأسماك والمأكولات البحرية والفطر والجبن النباتي.

ابراهيم القاضي مدير عام جمعية حماية المستهلك
تقديرات غائبة للثروة الحيوانية
بدوره، يفيد محمود فطافطة الناطق الإعلامي باسم وزارة الزراعة، أنه تم التوافق هذا العام على أن يُوكل ملف الثروة الحيوانية وكل ما يتصل به لوزارة الاقتصاد الوطني.
لكن إبراهيم القاضي مدير عام جمعية حماية المستهلك في "الاقتصاد الوطني"، يشير إلى غياب المعلومات والأرقام حول الثروة الحيوانية وأعدادها وتناقصها لدى الوزارة، وأن جهة الاختصاص بشأنها هي وزارة الزراعة، حسب قرار سابق لمجلس الوزراء.
ويقول إن "الاقتصاد الوطني" تطبّق إشهار الأسعار المعلن عنها، وأن ثمن كيلو لحم الخروف حُدّد بـ 85 شيقلًا، و65 شيقلًا للعجل".
ويشير إلى أن السعر حُدّد ضمن لجنة شاركت فيها "الزراعة"، والغرف التجارية، والأجهزة الأمنية، ونقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي، التي لم تعترض على التسعيرة.
ويضيف القاضي: "العلاقة بين دخل الأفراد وأسعار السلع كاللحوم تحددها الدولة، فيما تسعى الوزارة للبحث عن ثروة حيوانية من دول مجاورة بأسعار أقل، ويُناط بها تحديد سقف سعري، وتقليل هامش الربح".

الذبح الأسود
100 ألف خروف مستورد في عام
ويذكر في السياق نفسه، أن ثمة قيود على الاستيراد المرتبطة باتفاقية باريس، "حيث لا تسمح لنا بإدخال المواشي واللحوم من الأردن، فيما بلغ الاستيراد العام الماضي 100 ألف خروف، و12 ألف طن من اللحوم المجمدة، لكن حجم استهلاكنا من الثروة الحيوانية المحلية غير متوفر في "الاقتصاد الوطني"، والكلام لمدير عام جمعية حماية المستهلك.
ومقارنة بالدخل وقدرة المستهلك، يقرّ أن أسعار اللحوم تعد مرتفعة كثيرًا، "غير أن القناعات الفردية بوجوب تقديم أضاحٍ ينبغي مراجعتها، وأن تكون مثل فريضة الحج مقرونة بالقدرة المالية".
ويعتقد القاضي، أن السعر العادل يجب ألا يتعدى 40 شيقلًا للعجل، و70 للخروف، لكن مع الارتفاع العالمي للأسعار، وزيادة تكاليف النقل، من الصعب تحقيق ذلك قريبًا.
وبناء على حديثه، فإن وزارة الزراعة، تنفي وجود أزمة في الثروة الحيوانية مع توفر أكثر من 120 ألف خروف و19 ألف عجل و43 ألف سخل، وهو ما يتناقض مع تأكيد بعض التجار حول عدم توافرها.
فيما تَرد شكاوى ضد تجار لم يلتزموا بالتسعيرة الرسمية، تبعاً لقوله، رغم إخطار المتاجر كافة ودعوتها إلى التقيد بالتسعيرة، في حين سيُحال غير الملتزمين بالإخطارات إلى النيابة العامة، وإقفال المتاجر، وسيُترك أمر وقفهم من عدمه إلى القضاء.

محمد ابو شربة الخبير الاقتصادي ونائب رئيس جمعية حماية المستهلك في جنين
أسباب سياسية واقتصادية
ويعزو محمد أبو شربة، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس جمعية حماية المستهلك في جنين، الأزمة إلى أسباب سياسية تتصل بتحكم الاحتلال باستيرادها، وتتقاطع مع ظروف اقتصادية صعبة واحتكار السلع من بعضٍ، وعدم قدرة السوق المحلي على تغطية الطلب الكبير للحوم.
ويرى أن الحل يكمن في مقاطعة اللحوم التي ارتفع ثمنها ارتفاعاً جنونيًا، ما سيجبر المزارع والتاجر على خفض أسعارها.
ويفيد أن أسعار كيلو الخروف الحي، قفزت في غضون شهرين من 41 شيقلًا إلى 55، ومن المحتمل أن يصل إلى 60 شيقلًا، وقد لجأ بعضٌ في العيد السابق، إلى اشتراك كل 7 أشخاص في أضحية عجل واحد تكلف نحو 1900 شيقل، بينما الخروف الواحد 5000 شيقل.
ويقول إن من يعمل ضمن الحد الأدنى للأجور البالغ 1880 شيقلًا، لا يستطيع شراء غير 10 كيلو غرام لحم خروف، وهي "مفارقة كبيرة تتطلب مقاطعة السلع الباهظة، والبحث عن بدائل كالدواجن والحبش، أو التحول إلى النظام النباتي".
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن متوسط دخل الفرد الشهري حالياً يتفاوت من 2500 إلى 3000 شيقل، وهو رقم يعجز عن شراء خروف واحد.
ومن جهة أخرى، يشكّك أبو شربة في صحة الأرقام التي نشرت أخيراً، التي أكدت أن فلسطين هي الأولى في سعر الأضاحي، فمن رأيه أنها كان يجب أن تُقارن بطبيعة السوق المفتوح وحجمه ومتوسط دخول الأفراد.
 |
 |
| الذبح الأسود في القرى الفلسطينية |
ذبح اسود عشوائي في إحدى القرى الفلسطينية |
مخاطر وذبح أسود
ويلفت سامح أبو سير الأستاذ المشارك في كلية الطب البيطري والهندسة الزراعية في جامعة النجاح الوطنية، إلى أن استهلاك البروتين الحيواني الزائد يتسبب في ضغط على الكبد والكلى، اللذين يتكفلان بالتخلص من الكميات الزائدة من البروتين التي لا يحتاجها الجسم.
ويذكرّنا أن اللحوم مرتبطة بالدهون مثل الكولسترول والدهون الثلاثية، التي ترفع نسبة الطاقة في الجسم، وإذا ما اُستهلكت بكمية تفوق حاجتنا، فلها تأثيرات بعيدة المدى.
ويوضح أبو سير أن النقرس "داء الملوك" مرض جيني وراثي، يمكن للحوم أو مصدر بروتيني آخر كالبقوليات تفعيل احتمال الإصابة به.

سامح ابو سير الأستاذ المشارك في كلية الطب البيطري والهندسة الزراعية بجامعة النجاح الوطنية
وبدوره، يشدد على ضرورة الالتزام بذبح الحيوانات والأضاحي داخل المسالخ، وتحت إشراف ورقابة بيطرية كاملة كما في جنين ونابلس ورام الله والبيرة؛ تفاديًا لذبح حيوانات مصابة وغير صالحة للاستهلاك البشري.
ويؤكد أبو سير أن استيراد العجول والخراف ينبغي أن يرتبط بوضعها في حجر صحي، تحت الرقابة البيطرية والفحص، قبل إدخالها إلى الأسواق.
ويبين أن "الذبح الأسود" خارج المسالخ محفوف بالمخاطر، خاصة أن أعراض الإصابة لا تتضح بالمعاينة الخارجية، وتحتاج لطبيب بيطري، كأمراض الديدان التي لا تُكتشف إلا بعد الذبح.
ويستطرد: "بيدَ أن المسالخ تنظم الذبح داخلها بإشراف طبي، وتتعامل بطريقة آمنة مع مخلفاتها، وتحد من فوضى نفاياتها العشوائية".
ويحذر من تبعات الذبح العشوائي، ومنها احتمال الإصابة بالسلّ والأمراض الطفيلية، في حال استهلاك لحوم حيوانات مصابة.

عمر النبالي رئيس نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي
ارتفاع تراكمي وتجربة مقاطعة
بالانتقال إلى عمر النبالي رئيس نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي، يستهل حديثه "ارتفاع أسعار اللحوم ليس محليًا أو وليد لحظة، بل هو تراكمي وعالمي".
ويصف هذا الارتفاع بـ "الجنوني" بسبب عدد من العوامل، منها الاستيطان الرعوي، وتقلّص مساحة المراعي، ومصادرة الأراضي، وتناقص أعداد المزارعين، على عكس المهن الأخرى التي تتزايد أعدادها.
ويؤكد أن التناقص في الثروة الحيوانية، انعكس سلبًا على المواطنين، في وقت يواجه الاستيراد الخارجي للمواشي عقبات كبيرة، خاصة أن البروتوكول واتفاق باريس مرتبط بالاستيراد فقط عن طريق دولة الاحتلال.
ويرى النبالي أن أزمة الأسعار تتصاعد في الدول العربية، ولا تنحصر فقط في الأسواق المحلية.
ويقول "إن استهلاك اللحوم في فلسطين كبير، وهو جزء من العادات الاستهلاكية التاريخية".
والحلول، من وجهة نظره، يمكن أن تذهب في اتجاه إنشاء مزارع جديدة للثروة الحيوانية، وتشجيع المواطنين على تربية المواشي في بيوتهم.
ويتوقع أن تُحل الأزمة في غضون عامين، ويمكن الوصول إلى نقطة الاكتفاء الذاتي، التي كانت سائدة قبل عشر سنوات، "ووقتها لم يتجاوز سعر كيلو الخروف 4 دنانير، لكنه اليوم قفز إلى نحو 10 دنانير".
ويواصل كلامه: "الأضاحي هي جزء من الشعيرة الدينية، وتحقق نوعًا من التكافل الاجتماعي، خاصة مع الظروف الاقتصادية الصعبة، بتوزيع كميات كبيرة منها على الفقراء".
ويرتبط استهلاك اللحوم بالوضع الاقتصادي الذي إذا ما تدهور يقلّ الإقبال بوضوح، وهو ما يحدث منذ نحو عامين، يستمر النبالي في تقريب الصورة لنا.
ويزيد بالقول: "تحديد سقف سعري لأسعار اللحوم، الذي نشرته وزارة الاقتصاد الوطني، كان مشروطًا بتوفر السلع، وهو ما لم يحصل".
وأردف حديثه: "تسعيرة لحوم العجل تتوقف على ما تفرضه الأسواق الإسرائيلية، بينما تُحدد أسعار الخروف وفق ما يتم استيراده، وهو حاليًا بـ 110 شواقل للكيلو الواحد (حُدد من وزارة الاقتصاد بـ 85 شيقلًا).
وحسبما يخبرنا رئيس نقابة أصحاب الملاحم، أن نقابته دعت المواطنين إلى مقاطعة لحوم الخروف، ثم أوقفت ذبح الخراف في الأسواق لأسبوعين في أيار الماضي، ما أدى إلى انخفاضه من 120 شيقلًا إلى 110 شواقل للكيلو غرام الواحد.
ويُرجع أسباب ارتفاع الأسعار في الأسواق الفلسطينية إلى الجمارك (7,2 شيقل على الكيلو الواحد، وضريبة القيمة المضافة)، وهو ما ينعكس سلبًا على المواطن، رغم أنه يعود لخزينة السلطة، بينما لا يُرهق المستهلك الأردني بذلك؛ بسبب عدم فرض جمارك وضرائب على اللحوم، وغياب نظام الحجر الصحي (يكلف رأس الماشية 30 شيقلًا في 6 أيام).
وينفي شائعات دخول شحنة ماشية غير مفحوصة مخبريًا في مايو/ أيار الماضي، خاصة أن كل رأس مستورد يُودع في الحجر الصحي، ويُعطى طعمًا إسرائيليًا بـ 30 شيقلًا، وطعمًا فلسطينيًا بـ 9 شواقل، إضافة إلى شهادة بيطرية وإذن دخول من وزارة الزراعة بـ 15 شيقلًا للعجل، و6 شواقل للخروف الواحد.
ويوضح أن الربح العادل للقصّابين لا يتعدى مقابل كل عجل 500 شيقل، لا تغطي التكاليف التشغيلية وأجور العمال المرتفعة، فضلاً عن تناقص أوزان اللحوم إذا ما تأخر بيعها، كونها سلعة مرتفعة الثمن ولا يمكن تخزينها.

عبد الله الغزيل مربي المواشي وتاجر اللحوم
سوق جنين صورة قاتمة
يجمع عبد الله الغزيل بين تربية المواشي والتجارة بلحومها، ومن وجهة نظره أن "الأزمة الراهنة عالمية"، كما أن انتشار الحمى القلاعية في البرتغال، وتوقف المجر عن التصدير، فاقمَ الأسعار، التي تجاوزت في عام واحد 30%، رافقها ارتفاع في مستلزمات الإنتاج للمربين المحليين.
ويربط الغزيل بين انحباس الأمطار وتراجعها الشتاء الماضي، وصعود أسعار القش الذي بلغ البالة الكبيرة الواحدة منه في الماضي 300 شيقل، وتجاوز اليوم 600 شيقل؛ نظراً للافتقار إلى هذه السلعة.
"ضحايا الأسعار المرتفعة".. وصف يجده يليق بحال القصّابين اليوم، موضحاً: "هم حاليًا يعانون جراء تدني القدرة الشرائية، وعدم حصول الموظفين على رواتب كاملة، ووجود شريحة واسعة من الذين فقدوا أعمالهم، وانتشار البطالة والفقر".
ويؤكد أن نسبة الزبائن التي تقبل على شراء العظام ارتفعت، بسبب الفقر والظروف العصيبة، فقبل الأزمة الراهنة كان العجل الواحد يُباع في 24 ساعة، لكنه اليوم يحتاج أسبوعًا لتسويقه، مع تراجع عمل القصابين بنحو 75%.
ويرى أن سوق جنين كانت الأسوأ، ففي عام 2023 لم تفتح أسواقها إلا 108 أيام، و80 يومًا غير كاملة عام 2024، والعام الحالي ازدادت صعوبة مع استمرار العدوان منذ أكثر من خمسة شهور.
ولا يخفي الغزيل خشيته من إقفال ملاحم جنين أبوابها، لو استمر الحال الصعب على ما هو عليه، ليس بسبب الغلاء فقط، وإنما أيضاً للقيود المفروضة على الاستيراد.
ويضيف: "تلقت جنين المحاصرة من مؤسسات خيرية في عيد الأضحى قرابة 120 طنًا من اللحوم، للأسر النازحة والفقيرة".