خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
تغلب على اليافطات المستحدثة في المدن الفلسطينية إما الأسماء الأجنبية بلغتها الأم أو تكون محورّة باللغة العربية، أو أنها تنقل أسماء ماركات أو سلاسل مطاعم أجنبية أو عربية، يُضاف إلى ذلك أنك تشعر وأنت تسير في شوارع رام الله أنك إما في إسطنبول أو إزمير، حيث يافطات المَحالّ تحمل إما أسماء مدن تركية أو شوارع أو ميادين في مدن تركية أو أنك ترى الأعلام التركية معلّقة أو مرسومة على السيارات أو اليافطات للمَحالّ التجارية، أو حتى داخل المَحالّ ذاتها. لقد تفشّى مرض الاستهلاكية والركض خلفها بشكلٍ يجعل من الاستهلاك والحفاظ على مستواه عاملاً أساسيًا من عوامل تثبيط أي حراك شعبي لمناهضة جرائم الإبادة، هذا الموات ليس ناتجًا إلا عن حالة جبن جماعي وقعود ناجم عن الغرق في مستنقع الاستهلاك وغياب الثقافة الإنتاجية.
|
 |
| |
ربما لا يزال في بلدنا من عايشَ تلك الموجة التحررية القومية التي خلقت رموزها وأشكال التعبير عنها، بتسميات الشوارع والأماكن والمَحالّ التجارية ومرافق كثيرة، فقد كنا نسمي الشوارع بأسماء المدن التي تقود حالة تحررية كالقاهرة وبغداد ودمشق والجزائر وحتى عدن، وأصبحنا نمتد إلى حدود أبعد فأطلقنا اسم هافانا، وهانوي، أو أسماء عِظامٍ كجيفارا وناصر وغيرهما، كانت اليافطات تحمل قيمًا عند تسميتها، وكانت تنسجم مع التوق الإنساني للفلسطيني ليصبح حرًا ومستقلاً كالبلدان النماذج التي يُسمي بها الأسماء.
حتى أسماء الأبناء والبنات كانت تأخذ المسلك ذاته بحيث شكَّل اختيار الأعلام هنا نسقًا مرتبطًا بالحالة التحررية، كأن تجد اسم عبد الناصر منتشرًا بصيغه المختلفة مثل جمال وناصر وعبد الناصر، أو تجد أسماء غريبة عنا لكنها من منطق تحررنا مثل نهرو وغاندي وكاسترو وغيرهم، هذا الارتباط القيمي برموز تدل على التوق للحرية والانعتاق، كان يعكس اعتزازًا بهذا الاختيار عند صاحبه ويخلق جوًا من الاتجاه نحو قيمة إنسانية تقدمية أو تحررية وتبنّيها.
هذا كله قبل أن تَصلي نار العولمة الرأسمالية ولغة منظمة التجارة العالمية وعي الناس، وتحيلهم إلى مجرد مستهلكين لا يشكلون قيمهم بذاتهم، بل تفرض حالة التحرر السوقية عليهم مفاهيمها، ليلعب ما يُعرف بــ "أثر المحاكاة" دوره في عملية نقل القيم الاستهلاكية المُعولمة شكلاً ومضمونًا من المركز إلى المحيط.
في تشبه المستعمَر (بفتح الميم) بالمستعمِر
كتبَ كثيرون حول التحولات التي أصابت المدينة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو (حلم رام الله)، كدراسة ليزا تراكي حول التحولات في المدينة الفلسطينية بعد أوسلو.
لكن هذه الكتابات ركزت على الجوهري في التحول دون أن تربط كثيرًا بين هذا التحول الجوهري وأشكال التعبير المظهري عنه، فقد ترافقَ مع التحولات النيوليبرالية بعد أوسلو خلق ثقافة استهلاكية عالية النزوع الى التقليد أو إلى نقل كل المظهر الاستهلاكي الغربي إلى المدينة الفلسطينية التي بقيت تحت الاحتلال فترة طويلة، دون أن تمعن في استهلاكيتها وذلك بتقليد مدن مثل تل أبيب أو حيفا.
لكن قيام السلطة الفلسطينية ومحاولة تعميمها لسياسات نيوليبرالية، وفتح مجال الاستيراد المباشر للكماليات، وعدم ترشيد الاستيراد أدى إلى سحب المظاهر الاستهلاكية في دول مجاورة لنا كالأردن إلى مجتمعنا، لدرجة أن الأسماء ذاتها نُقلت، إضافة إلى تحصيل وكالات لمنتجات استهلاكية ذات علامة تجارية مميزة بواسطة تعاون مشترك بين مستثمرين أردنيين وفلسطينيين خاصة في قطاع الخدمات.
هذا يعني أن المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع حاول أن يتجنب التشبه كثيرًا بالمحتل ومظاهره الثقافية لوجود عامل تأصيل الهوية الوطنية في مواجهة الاحتلال، لكن الرأسمالية الريعية والتجارية الفلسطينية شبّهت نفسها بمصادر الاستيراد، وهي في الغالب إما شرق النهر أو من تركيا، وهنا نجد أن الاستيراد من الصين لم ينعكس كثيرًا في استعراضية إعلانية كما الاستيراد من تركيا.

حول اليافطات المستحدثة
تغلب على اليافطات المستحدثة في المدن الفلسطينية، إما الأسماء الأجنبية بلغتها الأم أو تكون محورّة باللغة العربية، أو أنها تنقل أسماء ماركات أو سلاسل مطاعم أجنبية أو عربية، يُضاف إلى ذلك أنك تشعر وأنت تسير في شوارع رام الله أنك إما في إسطنبول أو إزمير، حيث يافطات المَحالّ تحمل إما أسماء مدن تركية أو شوارع أو ميادين في مدن تركية، أو أنك ترى الأعلام التركية معلقة أو مرسومة على السيارات أو اليافطات للمَحالّ التجارية، أو حتى داخل المَحالّ ذاتها.
ففي رام الله يوجد (إزمير، تقسيم، إسطنبول...الخ)، كما توجد يافطات تحتاج الى قاموس لترجمتها إلى اللغة العربية تتبع سلاسل مطاعم ومقاهِ عالمية لا قِبل للطبقات الشعبية من الاقتراب منها.
تتعزّز هذه الأسماء الغريبة لا باعتبارها تبادلاً ثقافيًا بل غزواً ثقافيًا يحاول نقل السلعة وثقافتها معًا من بلد المنشأ إلى البلد المتلقي، فهي ليست مجرد بضاعة بل أيضًا ثقافة استهلاك لمجتمعات مستقرة تُنقل إلى مجتمع يرزح تحت وزر التبديد الثقافي من استعمار استيطاني متغول على كل شيء.
التأثير الثقافي لليافطات المستحدثة
إن أول ما يتبادر للذهن أن في الأمر دونية ما تجاه بلد المنشأ، وأن من استورد اسم ولغة اليافطة هذه إنما يرى أنه يرفع من قيمة الذات لديه بهذا الاختيار، وفي هذا دونية تجاه الذات المحلية، أما الذات القادمة في شعار يرى صاحبه الأصلي أنه تعبير عن اعتزاز إما قومي أو ذاتي بمنتجه أو خدمته.
عدا ذلك فان تأثيرات مثل هذا التوجه تكمن في طمس هوية محلية تأصلت في المجتمع، أو التخلي عن جانب من الاعتزاز بالدور الذاتي، وهو نتاج تخلف وتبعية، تسعى كل أمة مصابة بذلك إلى الخلاص منها.
هنا تتجسد تبعية ثقافية ناتجة عن تبعية اقتصادية، وعملية تشويه للوعي ولأنماط الاستهلاك الرشيدة، وبالتالي فإن انعكاساتها النفسية غالبًا ما تكون سلبية وباعثة على الإحباط.
هل يمكن ترشيد الأمر والتحكم به؟
في بلاد تحت الاستعمار ولديها إمكانية محدودة للتصرف سياسيًا واقتصاديًا بما يخلق ثقافة مناهضة للتبعية وساعية نحو الاستقلال في كل المجالات، تصبح مثل هذه الأمور سهلة التحقيق إذا عزمت سلطة ما على ذلك، لكن سلطة أطلقت العنان لحرية السوق مع كل الشروط المختلة تصبح أمور مثل اليافطات والإعلانات ولغتها وشكل عرضها من الصغائر التي لا يُلتفت إليها، إلا إذا كان في الأمر مصدر مكانة وحضور لها كما جرى في افتتاح أحد المولات الكبيرة في رام الله؛ فالعلامات التجارية مسموحة بأي لغة وبأي مضمون لا يخلّ بالقانون والنظام العام، وما دون ذلك لا تتعامل معه وزارة الاقتصاد صاحبة صلاحية ترخيص الشركات والمصادقة على العلامات التجارية، وينسحب الأمر على الممثل النقابي لأصحاب المَحالّ والشركات (الغرف التجارية)، حيث تلتزم بتعليمات الوزارة، ولا تحاول حتى تقديم أي شكل استرشادي للتسميات بما يتلاءم مع الثقافة الوطنية والصراع القائم لأجل ترسيخ الهوية الوطنية.
لذا لا يوجد نص قانوني يحدد شكل التسمية ومضمونها ولغتها، والأمر متروك للنزعة الاستهلاكية لتستبيح ثقافتنا البصرية والسمعية والاستهلاكية، وبما يحيل الأسماء الأجنبية والتعامل معها إلى تعبيرات عن مكانة اجتماعية ما.
لقد تفشّى مرض الاستهلاكية والركض خلفها بشكل يجعل من الاستهلاك والحفاظ على مستواه عاملاً أساسيًا من عوامل تثبيط أي حراك شعبي لمناهضة جرائم الإبادة، هذا الموات ليس ناتجًا إلا عن حالة جبن جماعي وقعود ناجم عن الغرق في مستنقع الاستهلاك وغياب الثقافة الإنتاجية، وهذا ما سنعالجه في المقالة القادمة.