خاص بآفاق البيئة والتنمية

اقدم بيت في طلعة الغبس بمدينة جنين
عصفت ببلدتي برقين، الجارة اللصيقة لجنين، في السنوات القليلة الماضية سلسلة تغيرات اجتماعية واقتصادية.
لا أعرف بماذا كنت سأخبر والدي ووالدتي أو أجدادي عن التحولات التي أصابتنا، ولست أدري كيف ستكون ردة فعلهم؟
كانت بلدتنا تنتهج أساليب الاكتفاء الذاتي في كل شيء، الطعام، والشراب، والمُسليات، وحتى صناعة ألعاب الأطفال من قطع القماش القديمة، مثلما حرص الأجداد على صناعة الفرح بنصب أرجوحة من الخشب كل عيد.
كيف ستكون ردود أفعال الآباء والأمهات والأجداد لو شاهدوا متجرًا يبيع القطط والكلاب ومستلزمات طعامها وشرابها وتطبيبها وكمالياتها وترفها في حواري البلدة؟
وما هو تعليقهم لو شاهدوا متاجر البلدة تبيع أربع قطع خبز صغيرة مستوردة بعشرة شواقل؟

تسليع كل شيء
وكيف سيشعرون وهم يشاهدون معلبات لورق العنب المحشو بالأرز والجاهز للتقديم؟ أو يرون بيع الكوسا المنقورة، والملوخية المنزوعة عن سيقانها؟
 |
 |
| أمهات زمان |
امهاتنا وجداتنا قديما |
كانت أمي وكذلك جدتي ورفيقات جيلهن، رحمهن الله، يصنعن كل غذائهن، من الفريكة، والبرغل، والعدس، ويجففن الفول والبامية والفلفل والبندورة والزعتر واللوز.
وكن ماهرات في إعداد "رب البندورة" أو ما يُعرف دبس البندورة، والصابون البلدي، والمُربى، والألبان والأجبان، والكعك، والحلوى، والمسليات. كما مارسن التدوير، وإصلاح الثياب، وتصنيع الملابس، ولم يستخدمن البلاستيك، ولم يعرفن المواد الحافظة.
كانت بيوت أمهاتنا تعتمد على سواعدهن في الحصول على الماء من نبع البلدة (الحاووز)، فيحملن جرار الماء على رؤوسهن، ويوقدن لنا النار في الشتاء للتدفئة، ويتنقلن بين رعاية حيوانات المنزل والدواجن والأرانب، والعمل في الزراعة والحصاد، وإنتاج البذور البلدية، والاستفادة من كل بقايا السمسم وأغصان الأشجار، عدا عن مهامهن الأساسية في تربية الأبناء.
وتدّبرت الأمهات شؤون إنارة المنزل بوسائل بسيطة، وكن يحرصن على تدفئته بإيقاد النار، في أثناء إنتاجهن للخبز.
في عقولنا وذكرياتنا عشرات التفاصيل، التي تثبت جدارة الأمهات بالعمل في البيت والأرض، ووقوفهن مع أزواجهن في كل صغيرة وكبيرة.
ومن جهة أخرى، هذا يؤكد فشلنا الذريع، لقد لحقنا العولمة إلى وكرها، دون أن نتقدم في اقتصادنا، وتخلّينا عن فكرنا الإنتاجي، وصرنا مجرد مستهلكين لا حول لنا ولا قوة.

دروس من الحياة
سطور
علّمتنا التجربة دروسًا كثيرة، فعندما يتعلق الأمر بنا، فإننا نحلّل ونحرّم ونبرر وفق مقاساتنا، وإذا انتقل الشأن إلى غيرنا، نغير "قواعد الاشتباك".
وإحدى أبرز مصائبنا تشكيلنا لـ "طبقة عازلة" أو "منطقة حرام" بين الشأن العام والخاص، فأصبحت أوطاننا جيوبنا وبيوتنا وقروشنا وكروشنا، وإذا استطبنا "الفرجة" على حريق بيوت جيراننا، فإن حمم اللهب لن تعقد سلامًا معنا، وإن تآكل التضامن والتكافل والتطوع بين الناس في شئون وطننا يوازي النكبة والنكسة معًا.
والخيول التي نسمنّها في إسطبلاتنا ستتعثر في أول سباقاتها، ووضع إعجاب على نعي أو أشلاء "ترجمة حرفية" لرش السُكر على الموت.
ومن الدروس أيضاً، أول من يبصق في الطبق الذي أكرمهم قليلو الأصل، ولا تقطع الشجرة التي غرستها؛ لأنها منحت ظلّها لقاطع طريق، فعلى الأغصان طيور تسبح لخالقها.
ومارس رؤاك الخاصة، حتى لو سرت أنت وظلك في الطريق، وإن هيبة بعض الناس في صمتهم. ولا تتسرع في حصادك، فالسنابل الرطبة ستتعفن سريعًا.

الشهيد الخباز حسين حردان
شاهد
أخبرنا حسين حردان في قصة أعدّتها "آفاق" قبل ثلاث سنوات، عن مهنته التي ورثها عن والده وجده، وباح لنا بأسرار الطحين والخبز، ومعادلة أرباح الأفران.
قلت له في سياق الحوار، أنت لست تاجرًا تقليديًا، ولو كنت كذلك لأخفيت عنا حساباتك، وتذمرت، ولعنت الغلاء، فضحك.
رمّم حردان مخبز النور، في مدخل البلدة القديمة في مدينة جنين، مرتين، الأولى لتحديث المكان، والثانية لإزالة آثار عدوان المحتلين، الذين دمروا مكان رزقه، في عملية إعدام أحد الشبّان.
يعود حسين الأسمراني والمتواضع مطلع نيسان إلى واجهة الأخبار، فيصير هو قصة جنين، لا خبزه ولا طحينه ولا مناقيشه ولا كعكه ولا أرقامه البيضاء وأوزان خبزه، وتبكي المدينة خبازها طيب القلب وكريم اليد. ويذكر زبائنه بأن خبزهم مر، وفطورهم مغمس بدمه، ومعطر بذكرياتهم معه.

سليم الغبس (الجالس في الصورة)
من رجالات جنين
قفز اسم "طلعة الغبس" إلى واجهة الأخبار والألسن منذ الاجتياح الإسرائيلي المستمر، في عدوان الاحتلال على مدينة جنين ومخيمها قبل نحو أربع سنوات.
وتفصل التلة المنحدرة والحادة بين جنين وأحياء المخيم الجنوبية، وكانت أولى الطرقات التي يطالها التخريب والتجريف، في السنوات الأخيرة.
وردَّد الشاعر والفنان التشكيلي حسام السبع سيرة المكان التي يحفظها عن ظهر قلب، وأكد وجود خطأ شائع في اسمها، فهي طلعة (الغُبّس) وليست (الغبز).
وقال بحنين جارف إلى الماضي، إن الشارع مرتبط بصهر عائلته، الحاج سليم سعيد الغبس، الذي شيّد أول بيت في باطن الجبل، وكان يصل إلى بيته عبر ممر صخري، وعندما اتسعت حركة البنيان في المنطقة، وصار الناس يشاهدون الحاج سليم، أطلقوا اسمه على الشارع المنحدر، منذ تأسيس البيت مطلع عام 1950.
واختار الغبس تصميم منزله على شكل "فيلا" صغيرة، قبل النكبة، وفي محيطه حديقة تنافست لتجميل البيت بأشجار كثيرة.
وأفاد السبع أن الحاج الغبس اشترى أرضًا وأقام بيته في أعلى الجبل، والذي كان وقتها منطقة نائية جداً ومنحدرة، وخالية من البيوت، واستغرب أهل جنين منه، خاصة أن المدينة كانت صغيرة جداً، لم تكن تتعدى دوّار السينما والمخيم وبستان شريم في شارع نابلس، وبيارة فؤاد قاسم عبد الهادي في دوّار الزايد حالياً.
وبيّن أن صاحب المكان، عمل في الزراعة واشتُهِر بتقليم أشجار النخيل، التي كانت تزّين المدينة.
ووفق السبع، فإن عمته نجية ارتبطت بمحمود الغبس، ففي طفولته وصباه كان دائمًا يزور منزلها ويلهو مع أولادها في المساحات الفارغة العديدة، التي كانت منتشرة حول بيتها، وكانوا يصعدون إلى حي الجابريات الخالي وقتها من أي بيت، ويشاهدون دبابة أردنية دُمرت عشية النكسة، وظلت صامدة وقتًا طويلًا.
وقال إن المزارع الغبس، أنجب أربعة أبناء انتقلوا جميعًا إلى الكويت قبل النكسة، ثم عاش شقيقهم الأكبر خالد في الأردن، بينما تزوج محمد من عائلة الطرزي، وبقي الابن فتحي بعد النكسة، غير أن الاحتلال طارده حينها، وفرَّ إلى الأردن مطلع السبعينيات، ولم يعد من يومها إلى جنين.
وأكد أنه لم يبقَ في جنين من عائلة الغبس غير ابنة عمته عزيزة (60 عامًا) التي كانت مقيمة في الكويت، بينما توفيت عمتها خالدية قبل سنتين.
وأوضح السبع أن الحاج سليم الغبس من رجالات جنين الأصلاء، و"الطلعة" تُعد إحدى معالم المدينة التي كانت عرضة للعدوان، وحًرّف اسمها إلى "الغبز".

بيوت عزاء
ممارسات
تحتاج مجالس العزاء "بيوت الأجر" بصورتها الراهنة إلى إحداث تغيير جذري في بعض الممارسات التي تسودها، ولا علاقة لها بالأجر، ولا بالعزاء والفقيد.
أولاً: ضرورة ممارسة الصمت، فلا يُعقل أن تكون هذه المجالس، وكذلك الجنائز، مناسبة للحديث في كل شيء إلا عن الميت ومناقبه، أو حول رسالة الموت.
(لنقل خيرًا أو نناقش شئونًا عامة) في هذه المجالس، أو (نكتفي بالصمت) بدلًا من عشرات الأحاديث الجانبية بين غالبية المعزّين، والتي تمسّ وقار هذه المجالس وهيبة الموقف، فتظهر وكأنها أمكنة للقيل والقال وكثرة المقال.
الثاني: الإقلاع عن التدخين، فلا يجوز أن تكون أجواء هذه المجالس، وغالبيتها مغلقة، موبوءة بروائح التبغ، ولا تراعي وجود مرضى أو غير مدخنين.
وللمدافعين عن استمرار هذه العادة، هل ستستهجنون من يدخن "الأرجيلة" في بيت عزاء، مع أن لا فرق بين السجائر والنرجيلة؟ وماذا لو تناول أحدهم المسليات والعلكة في بيت عزاء وقال إنها لا تختلف عن السجائر؟ لذا، فالقاعدة العامة يجب أن تكون "وقف أي فعل وعادة لا يتسع لها مجلس العزاء ولا تراعي هيبة الموقف".
الثالث: التوقف عن تقديم التمور، فجُلّها من منتجات المستعمرات ومكلفة، كما أن بعض الأسر قد تعجز عن توفير ثمنها، ويمكن للمقتدرين دفع قيمة استهلاك بيوت عزاء أحبتهم من تمور؛ لأسرٍ متعففة، أو لأبواب خير لتكون بمثابة صدقة عن روح فقيدهم.