خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في الحروب السابقة، كان أصحاب المنازل المدمرة غالبًا ما يستأجرون بيوتًا للسكن فيها إلى حين إعمار بيوتهم، أما بعد المجازر البشرية الجماعية التي عاشها القطاع منذ أكتوبر 2023، فالدمار الشامل لم يترك بيوتًا تكفي حاجة الناس، والغلاء أنهك جيوب المواطنين فلم يعودوا قادرين على دفع الإيجار، فضلاً عن انعدام فرص الإعمار في الوقت الحالي، لذا يجد الغزي نفسه مضطرًا للسكن تحت أنقاض بيته المدمر، أو في مبانٍ، شبه مدمرة، كالمدارس والمؤسسات الحكومية والخاصة.
|
 |
| أسرة غزية تسكن شقتها المتهالكة لعدم توفر ماوى آخر |
بناية منهارة، طوابقها متراصة فوق بعضها، والركام يحطيها من كل جانب، وفي إحدى زواياها شادر يغطي مساحة صغيرة، وعلامات تدل على حياة خلفه، مشهدٌ غير منطقي لكنه أصبح مألوفًا في قطاع غزة بعد سريان التهدئة.
في الحروب السابقة، كان أصحاب المنازل المدمرة غالبًا ما يستأجرون بيوتًا للسكن فيها إلى حين إعمار بيوتهم، أما بعد المجازر البشرية الجماعية التي عاشها القطاع منذ أكتوبر 2023، فالدمار الشامل لم يترك بيوتًا تكفي حاجة الناس، والغلاء أنهك جيوب المواطنين، فلم يعودوا قادرين على دفع الإيجار، فضلاً عن انعدام فرص الإعمار في الوقت الحالي، لذا يجد الغزي نفسه مضطرًا للسكن تحت أنقاض بيته المدمر، أو في مبانٍ، شبه مدمرة، كالمدارس والمؤسسات الحكومية والخاصة.
ليس بيتًا
في اليوم الثالث من الحرب، دمرت طائرات الاحتلال منزل ريم التتر، ظنت يومها أن أمر البيت انتهى، ولم تتخيل أنها ستتخذ من ركامه مأوى بعد سنة وأربعة أشهر.
أخيرًا، عادت من المحافظة الوسطى؛ حيث كانت نازحة؛ إلى مدينة غزة، وفيها تنقلت بين أكثر من مكان في محاولة للاستقرار.
على مدار ثلاثة أسابيع، سكنت أربعة بيوت، منها ما هو لأقاربها ومنها ما حاولت استئجاره، لكنها لم تتمكن من الاستقرار في أي منها لأسباب مختلفة.
اضطرت التتر للتوجه إلى مخيم أُقيم لأصحاب المنازل المدمرة في منطقة سكنها، وفيه قضت عدة أيام مع أسرتها التي لم تتحمل حياة الخيمة.
لم يبقَ مكان تلجأ له العائلة سوى بيتها المدمر، ومن حسن الحظ أنها كانت تسكن الطابق الأرضي الذي لم ينهار سقفه كليًا.
تقول لمراسلة "آفاق البيئة والتنمية": "استصلحنا المطبخ ودورة المياه، مع مساحة صغيرة أمام البيت لم تمتلئ بالركام كباقي المكان، وأغلقنا المساحة المفتوحة بالشوادر لتصبح غرفة نقيم فيها".
وتضيف: "المكان الآن ليس بيتًا، ولا حتى شبه بيت، الشوادر من جهة، والركام من جهة أخرى، لا جدران ولا أمان، لكننا بحاجة لسقف من حجر، فهناك فروق لا تُحصى بينه وبين الخيمة".
ولا تخفي رعبها من انهيار الركام في أي لحظة، فثمة تفاصيل كثيرة تؤرق التتر، أبسطها أن الركام يعجّ بالقوارض والحشرات، وتزيد بالقول: "الكلاب تدخل المكان ليلًا وتنام فيه، وما يزيد الأمر خطورة أن الكلاب في غزة نهشت الجثث على مدار شهور الحرب، لذا أخشى أن تكون قد تعودت على لحوم البشر فتعتدي علينا".
وتبيّن زاوية أخرى من المعاناة تتعلق بالجانب النفسي، فمنظر الركام المحيط بالمنزل، وخلو المنطقة من السكان، وأصوات الكلاب الضالة تؤثر على معنوياتها وأسرتها.
ومع كل الصعاب التي تعيشها الأسرة في البيت بشكله الحالي، إلا أن أفرادها مجمعون على أنه المكان الأفضل ولا يفكرون بمغادرته.
لا خيار آخر
مع بدء موجة النزوح، تفرّق الإخوة بين شمال وجنوب، ومنهم من سافر، ومع توقف الحرب، عاد الباقون في القطاع لبيتهم.
البناية ذات الطوابق الخمسة تبدو للوهلة الأولى شبه سليمة، لكن الحقيقة أنها مجرد واجهة حسنة تخفي دمارًا هائلًا.
في هذه البناية كان نصيب الطابقين الأرضي والأول من الدمار أقل من الطوابق الأخرى، لذا اتفق الأخوة على تقاسمهما.
يقول عماد لولو: "العيش تحت ركام ثلاثة طوابق رعب لا يُوصف، لدرجة ان الكوابيس تلاحقنا في نومنا لخوفنا من انهيارها"، مضيفًا: "نخاف أيضًا من بقايا البارود العالقة في الأحجار، وما يمكن أن تسبّبه من أمراض تظهر لاحقًا".
وفي نظره، يظل الأمر على خطورته أنسب من الخيارات الأخرى، كالعيش في خيمة أو استئجار منزل.
ويوضح أنه جرَّب السكن في خيمة عدة شهور، عانى فيها كثيرًا ويرغب الآن بالاستقرار.
أما خيار الإيجار، فهو غير مطروح، نظرًا لتكلفته المادية، فالحرب استنزفت المواطنين ماديًا بسبب طول مدتها وغلاء الأسعار في أثنائها، بحسب حديث لولو.

عائلة فلسطينية تعيش في خيمة على سطح منزلها المدمر في جباليا
خطر يهدد الحياة
يقول المتحدث باسم بلدية غزة م. عاصم النبيه إن "أضرارًا هائلة جدًا أصابت كل المرافق الحيوية والبنى التحتية والمباني والمساكن، ما اضطر المواطنين لبدائل خطيرة توفر لهم أماكن إيواء".
ويضيف لـ"آفاق" أن إعاقة الاحتلال دخول الخيام والمنازل المتنقلة وضع المواطنين في ظروف صعبة أجبرتهم على السكن في منازل آيلة للسقوط، وبين الركام، ومنازل فيها أجسام خطرة.
ويواصل حديثه في السياق ذاته: "السكن في هذه البيوت يهدد حياة المواطنين، وقعت حوادث انفجار مخلفات أسلحة أدت لارتقاء شهداء".
ويشير إلى مشاكل أخرى تكدّر حياة الناس أكثر، أهمها القوارض والحشرات والكلاب الضالة، والبارود، والبقايا الكيميائية العالقة في الركام، ما ينذر بانتشار الأمراض وعواقب صحية طويلة الأمد.
ويحذر من خطر انهيار المنازل على ساكنيها، خاصة المنازل المحترقة التي تضررت إنشاءاتها الهندسية والأعمدة فيها.
لافتًا إلى خطر السقوط من علو فيما يخص البيوت التي استصلحها المواطنون، ووضعوا فوقها خيامًا، أو أحاطوها بأقمشة بدلاً من الجدران المنهارة.
ويعرب م. النبيه عن أسفه لعدم توفر بدائل آمنة، مؤكداً أن الحل يكمن في إدخال المنازل المتنقلة، والمعدّات الثقيلة اللازمة لفتح الشوارع وإزالة الركام، ومعالجة آثار العدوان.
بحسب البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي تجاوزت خسائر قطاع الإسكان 25 مليار دولار، ففي الحرب تضررت 450 ألف وحدة سكنية، منها 170 ألفًا هُدمت كليًا، و200 ألف وحدة مدمرة جزئيًا، والباقي لا يصلح للسكن.
وجاء في بيان أصدره المكتب الإعلامي: "على صعيد المأوى، فالحاجة الفعلية تصل إلى 200 ألف خيمة و60 ألف بيت متنقل، إلا أن ما أُدخل لم يتجاوز 10٪، من الخيام، ولم يدخل أي بيت متنقل".
هذا، وطالبت أخيراً وزارة الأشغال العامة والإسكان والمديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة سكان بعض المباني السكنية التي كانت عرضة للقصف بإخلائها بسبب خطر الانهيار، مع تحذير السكان المحيطين بها ومطالبتهم بالإخلاء أيضًا.
وبحسب الوزارة "هذه المباني والأبراج صُنّفت بأنها خطرة وآيلة للسقوط وغير صالحة للسكن".