خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
إصرار يوسف أبو ربيع على الاستمرار في مبادرته التي أعلن عنها قبل ستة شهور، رغم عدد لا يحصى من معيقات العمل في رحم المعاناة، من جهة، ومن جهة أخرى شعوره بالمخاطرة وأن حياته قد تكون مهددة، لأنه قرر ألا يترك الميدان، ويمنح شمال غزة المنكوب جراء الحرب، بريق أمل مهما كان الثمن، لكنه لا يهتم، يواصل فحسب. هذا الشاب "اللهواني" المتجذر حب الأرض في أعماقه، حرّكه الإحساس بالمسؤولية- فبدأ ومن معه بزراعة عشر دونمات، بعد رجوعه لأرضه، واليوم وصلت المساحات المزروعة في بيت لاهيا إلى ما يفوق 300 دونم، حيث تشجّع ما يزيد على 100 مزارع في المنطقة للعودة إلى أراضيهم، مشمّرين عن سواعدهم. ولا يخالجه شك في قدرة الغزيين على إعادة زراعة الأراضي التي جرّفت بعد انتهاء الحرب في مدة تقل عن عام، وبصوت يغمره الحماس يقول: "فورًا سنكون جاهزين لأن نعيد أراضينا خاصة التي في شمال غزة، وبالأخص بيت لاهيا، إلى أجمل مما كانت عليه، بأشجارها وخضراواتها ودفيئاتها، هذا وعد علينا، ولن يستغرق الأمر أكثر من سنة، أنا واثق مما أقوله".
|
 |
| ذات نهار هكذا كان يوسف ينظر إلى الفراولة |
كل ما يمر به يوسف أبو ربيع صعب ومعقد، إصراره على الاستمرار في مبادرته التي أعلن عنها قبل ستة شهور رغم عدد لا يحصى من معيقات العمل في رحم المعاناة، من جهة، ومن جهة أخرى شعوره بالمخاطرة وأن حياته قد تكون مهددة، لأنه قرر ألا يترك الميدان، ويمنح شمال غزة المنكوب جراء الحرب، بريق أمل مهما كان الثمن، لكنه لا يهتم، يواصل فحسب.
هذا الشاب "اللهواني" المتجذر حب الأرض في أعماقه، حرّكه الإحساس بالمسؤولية- فبدأ ومن معه بزراعة عشر دونمات، بعد رجوعه لأرضه، واليوم وصلت المساحات المزروعة في بيت لاهيا إلى ما يفوق 300 دونم، حيث تشجّع ما يزيد على 100 مزارع في المنطقة للعودة إلى أراضيهم، مشمّرين عن سواعدهم.
عقب الإعلان عن مبادرته "هنزرعها بعون الله" بيومين فقط، عاش يوسف موقفًا صعبًا عندما اُستهدف في بيته بصاروخ مع أمه، لم يكابر، في تلك اللحظة شعر حقاً أنه فقدَ طاقته للاستمرار في إكمال حياته، حتى أنه لم يعرف كيف نجا، لكن تُراه هل استسلم بعدها؟..
يجيبني بابتسامته المستسلمة لقدر الله: "في داخلي ألم كبير، فقدت كثيراً من الأصحاب، ولو تركت نفسي للذكريات لبضع دقائق سأنفجر، لكن لا أستطيع التوقف".

الجمعية العربية لحماية الطبيعة تساند مزراعي شمال غزة
ثم تابع الجواب: "لا أنكر، يهاجمنا اليأس ويتمكن منا أحياناً، لأن ما نعيشه يفوق التحمل، بعد هذا الاستهداف أخبرت أبي أني سأتوقف عن العمل حتى لا يشكّل خطراً علينا وعلى من حولنا، وكان رأيه حاسماً: "الي بخاف ما بعيش"، عندما شعرت بتأييده زال كل تردد عندي، وقررت أن أمضي قدمًا فيما بدأته في اليوم التالي، نتوقع أن نُصاب بالأذى، ومن الممكن بعد هذه المقابلة أن أفارق الحياة، لكن لا حل أمامنا إلا بالزراعة، ولا مفر من أداء الرسالة ومساعدة أهلنا في الشمال في تأمين الطعام".
في قصة أبو ربيع هموم ثقيلة يبوح بها لمراسلة "آفاق البيئة والتنمية" لم يكن قد تطرق لها في لقاءاته العديدة مع وسائل الإعلام، إذ يستهلّ الحكاية: "دائمًا أقولها، الزراعة ليست فكرة، وإنما "فطرة" في داخلي أنا وكل المزارعين في المنطقة، نشأت بين الأرض والزرع والخضرة والبسطاء، ولم أعش في المدن، طوال فترة نزوحي لم أنشغل كغيري بالتفكير في كيف سنعيش، ونأكل، ونجلب المياه الحلوة، كل ما كنت أفكر به "أني إذا عشت" كيف سأعود لاستصلاح الأرض والزراعة، كنت عندما أفضفض لمن معي، يعجبون لحالي ويقولون: "شو الي بدو يرجعك!".
 |
 |
| أطفال عائلة يوسف أبو ربيع أيضا يساعدون في الزراعة |
السعادة انقلبت لحزن عند يوسف |
طبول الحرب حين قُرعت
قبل الحرب، كان ينظر يوسف إلى الفراولة بعد حصادها، بهيام، كما ينظر عاشق إلى محبوبته، حسب تعبيره، الفراولة التي اشتهرت بها بلدته بيت لاهيا، إلى جانب الحمضيات والخضراوات وبعض الأشجار.
يصف حاله في ذلك الزمن: "الزراعة هي حياتي وحياة عائلتي، كنا نقضي معظم وقتنا في الأرض، وما تبقّى من وقت يذهب في المشاغل الأخرى كالذهاب للمدرسة والجامعة والمسجد، في النهار أكدّ وأتعب مع المزارعين، وفي المساء يحلو لي مع الأصدقاء تحضير العشاء البلدي في الأرض من مشاوي وسلطات ومقالي".
ويعقب بابتسامة: "نشتاق لتلك الأمسيات، كانت حياتنا هانئة، نفضّل إقامة الولائم بين الشجر والزرع على أي مكان آخر، حتى لم تكن واردة لدينا فكرة الذهاب إلى مطاعم أو كافتيريات غزة، كما أن البحر لم نذهب إليه إلا نادرًا".
التحق يوسف بدبلوم الهندسة الزراعية في جامعة الأزهر عام 2018، ومن ثم أكمل البكالوريوس في تخصص "الإنتاج النباتي والوقاية"، حيث تبّقى على إنهاء دراسته الجامعية فصل واحد.
 |
 |
| الذهب الأحمر قبل الحرب |
الصغير والكبير في شمال غزة يحبون الأرض |
منذ صغره كان لديه طموح وتطلّع لإحداث تغيير جذري في القطاع الزراعي، حتى لو على صعيد إجراء برنامج الرشّ والتسميد، واستثمارٍ أكبر للمساحات والمياه، وقد نجح في الوصول إلى هدفه المتمثل في زراعة بتكلفة أقل، وإنتاج أكبر على مدار عامين في أرض العائلة، وبشكل آمن، مقارنة بالسنوات السابقة التي عمل فيها جدّه وأبوه وأعمامه، وكانت التكاليف فيها باهظة جدًا والخسائر فادحة.
تحلّى برؤية ناضجة بالرغم من حداثة سنه، مفادها، والكلام له: "الإرث العائلي الذي يمتد من مزارعين تقليديين توارثوا المهنة من الأجداد حتى الأحفاد، كان يجب أن يُدعم بالعلوم الزراعية الحديثة، وخبرة متجددة يصقلها الميدان والتدريبات والانخراط في المؤسسات، من أجل تطوير يوازن بين الجانبين، وهذا ما سعيتُ إليه".
يعود يوسف إلى ما قبل السابع من تشرين أول/ أكتوبر، حيث كانت قد أوشكت عائلته على الانتهاء من محصول الفراولة، الذي يضع فيه المزارع "دم قلبه" سنوياً، حسب تعبيره، موضحاً: "هو محصولٌ مكلف ومجهِد وحساس جدًا، والمؤلم أن هذه المرة كانت المساحة المزروعة بالفراولة هي الأكبر منذ بداية الزراعة من عام 1967، وبلغت نحو 4500 دونم".
في ذلك الصباح، لم يتوقع أحد منهم أن "طبول الحرب" قُرعت، اعتقدوا أنها لا تتجاوز إطلاق صواريخ تجريبية من التنظيمات الفلسطينية، وبعدها لم يستطع أهالي البلدة إكمال أكثر من 24 ساعة في بيوتهم، كونها مدينة حدودية وهي المحور الأولى للتوغل في العملية العسكرية البرية، والحديث ليوسف، وحينها توالت الاستهدافات في المنطقة بكثافة، وقُصف منزل ملاصق لبيته بصاروخ "أف 16"، ما أجبر الجميع على الخروج فوراً.
وفي آخر يوم ذاك "السبت" نزحَ مع عائلته إلى جباليا، ومكثوا فيها حتى إعلان هدنة في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر، وعن رحلة النزوح التي يبلغ عددها عشر مرات يقول: "ما يقارب 55 يومًا تنّقلنا من مكان لآخر، من بيوت الأقارب ثم إلى المدارس ثم لمستشفى كمال عدوان، رفضنا بشدة النزوح إلى الجنوب، كان يعزّ علينا أن نترك أرضنا وتعبنا وما نملك، لم تكن الفكرة مقبولة عند أبي بالدرجة الأولى".
 |
 |
| العودة لزراعة الأراضي في بيت لاهيا |
المزارعون في بيت لاهيا يصرون على العودة للأرض رغم كل الظروف |
من بعد مجاعة.. خير الأرض يعود
يروي التفاصيل بأناة ونحن نصغي إليه: "كنا على مشارف موسمٍ "أحمر" فائق الجمال، كما كان لدينا محصول فلفل زرعناه في خمسة دونمات، ولعله كان من أنجح المحاصيل، إلى جانب محصول الباذنجان، خسرنا كل شيء، وحين عدنا إلى بيوتنا وقت الهدنة صُدمنا بحجم دمارٍ لا يتصوره العقل البشري، وقتها كان الشهداء ملقين في الطرقات، والمنطقة كلها أضحت "مدينة أشباح"، لا أبالغ، في كل يوم نشاهد مشاهد جديدة ومختلفة من الدمار، فما تلتقطه الكاميرات وتنقله إلى العالم لا يعكس الواقع البتّة".
ويضيف متابعاً حديثه: "وجدنا بيتنا مدمرًا، وفي اليوم التالي ذهبنا لأراضينا، كانت قاحلة مدمرة، جزء كبير منها جرّفه الاحتلال، حزنتُ كثيراً عندما رأيت دفيئتي الزراعية بمساحة لا تربو عن 70 متراً جُرّفت تماماً، وقد أنشئت ضمن مشروع نفذّه قبل ثلاث سنوات "مركز العمل التنموي "معًا" وصندوق التشغيل الفلسطيني"، ويختص بالزراعة المائية، تلك الدفيئة كانت تمثل أملي الوحيد في التغيير في القطاع الزراعي، حققت نجاحًا فيها مع أخي المهندس عمرو، وكنت أصنع المحاليل وأجيد التعامل مع النباتات".
(كيف اتخذتم قرار العودة إلى الزراعة؟).. يخبرني ببساطة المُزارع المعهودة: "عدنا في منتصف شهر شباط/ فبراير، وكما تعلمين، في الشهور الثلاثة الأولى من العام كانت المجاعة بلغت أوجّها، عشنا فترة صعبة على الخبيّزة والأعشاب وعلف الحيوانات، نتحدث عن أشهر لم نأكل فيها الخبز أو الفاكهة أو اللحم، كل ما سبق دفعنا لزراعة قدر بسيط من أجل تلبية احتياجات البيت، وبعدها شجّعنا أبي بذهابه لاستصلاح الأرض بنفسه، ولم يكن هناك أي عودة للمزارعين أو حتى تواجد للعاملين، أنشأنا مشتلًا صغيرًا وشتلّنا عددًا من أشتال الفلفل والباذنجان، اخترنا أن نبتعد عن طريق الذل والإهانة الذي رأيناه في المساعدات الجوية التي كانت تُلقى في دوّار الكويت ودوار النابلسي، وقلنا إما أن نموت بشرف وكرامة أو أن نحيا كما يليق بنا، لذا اتجهنا لأن نزرع ونأكل من خيرنا وعرقنا وتعبنا".
مضيفاً: "لم نتحمل أن نجلس ونلهث خلف كوبونة هنا أو هناك، عدنا بشغفنا لعملنا رغم من كل ما نعيشه، وضعنا كل المعيقات جانبًا، ومضينا في طريقنا بما لدينا من عزم وتحدٍ".
زرعت عائلة يوسف ما يقارب 40 ألف شتلة من الفلفل والباذنجان، بحيث كانت لهم حصة أربعة دونمات من الفلفل بنحو 12 ألف شتلة، والجزء المتبقي أخذه مزارع آخر، وانطلقوا بعدها يوزعون على من هم بالجوار كميات بسيطة، وفي إثر هذه الخطوة، تشجّع عدد محدود من المزارعين للعودة لزراعة 100 أو 200 متر".
 |
 |
| بعض من الدمار في بيت لاهيا |
لا يأبه يوسف بكل الصعوبات ويستمر في رسالته |
(بعد فترة طويلة من المجاعة.. هل لك أن تصف شعوركم عندما نجحتم في أن تأكلوا مما تزرعون).. يجيبني: "قبل الحرب كنا معتادين أن نخزّن بـ "الطن" من كل صنف، من البطاطا، والبصل، والثوم وجميع المحاصيل المنتجة، وأن نجّفف الملوخية، وفجأة لم نجد رأس بصل نأكله، تعودنا على القلّة في هذه الأيام العصيبة، والله على ما أقول شهيد، أمام ما كنا نراه من أهوال وما ننشغل به من هموم الحياة اليومية لم نعد نشتهي الطعام، بما في ذلك إخوتي الصغار، لكن عندما وصلنا لمرحلة الإنتاج بعد معاناة طويلة، حيث تطلّب الأمر منا شهراً لإنتاج أول محصول، أصبحنا نأكل يوميًا كوسا وملوخية، وهذه نعمة عظيمة، رغم أن التكلفة عشرة أضعاف أيام ما كانت عليه قبل الحرب، حرصنا أن يأكل جيراننا مما نأكل، وأخذنا نوزع على الحي والمدرسة المجاورة، لمرات عدة فتحنا "تكيات" في مركز الإيواء في منطقة الشيماء، مما أتاح وفرة في المنطقة".
وهنا تتجلّى قصة الصمود ليسطرّها بفخر، بقوله: "الجمعية العربية لحماية الطبيعة" كانت هي المؤسسة الوحيدة التي مدت للمزارعين يد العون، حيث أرسلت لي 10 آلاف بذرة باذنجان، وبدوري قمت مع أسرتي بتشتيلها ثم أوصلناها لعدد من المزارعين، حيث تمكنوا من زراعة 6 دونمات، وحصلنا لاحقًا على 70 ألف بذرة باذنجان من أحد المحال للأدوات الزراعية، أيضاً عبر دعم من الجمعية العربية ذاتها، شتلّناها، وقدمناها للمزارعين في المنطقة، حيث زُرعت بها ما يقارب 55 دونمًا في بيت لاهيا، كذلك ساهمت الجمعية في الدعم ببذور الملوخية، التي زرعت ما يقارب 90 دونمًا، فضلاً عن زراعة مساحة تقارب ال 200 دونم بالكوسا.
 |
 |
| محصول الباذنجان من أهم ما تم إنتاجه |
مرحلة المجاعة وأكل علف الحيوانات |
وهكذا أخذ الشاب يشجعّ الجميع وبقوة على العودة إلى الزراعة، بالرغم من التكاليف العالية والمخاطرة، مشيراً إلى أن الهدف الرئيس من هذه الخطوة توفير الغذاء للناس بأفضل سعر ممكن، بعيداً عن دناءة الاحتكار في الحرب.
ويزيد بالقول: "لو لم نزرع في المنطقة لعشنا في مجاعة تفوق التوقعات، مهما بدت الأسعار مرتفعة، يمكننا القول إننا حققنا وفرة بسيطة في المنطقة، سواء عبر المؤسسات أم المبادرين".
ويستشهد بمثال الملوخية موضحًا: "أول محصول للملوخية أنتجناه في المنطقة كان بمساحة خمسة دونمات، بعنا الكيلو منه ب 50 شيقلاً، وليس ب 100 شيقل كما في أسواق غزة، وعندما بادرت الجمعية العربية إلى تزويد المزارعين بالبذور، زادت الرقعة الزراعية، واليوم سعر الكيلو وصل إلى 5 شيكل فقط، علماً أن تكاليف الدونم الواحد بدءاً بالزراعة وانتهاء بالإنتاج نحو 50 ألف شيكل، ما يعني أن المزارع يُمنى بخسارة فادحة، ومع هذا لم يتوقف عن الزراعة".
وفضلاً عن تكاليف الحراثة، والسولار، والمبيدات، والأسمدة، والعمالة، يشير إلى التكاليف الباهظة للبذور، حيث سعر الكيلو من بذور الملوخية يُقدر بنحو 800 شيكل، فيما كانت قبل الحرب بــ 15 شيكل، علماً أن الدونم الواحد يحتاج إلى 10 كيلو من البذور، وهذا رقم خيالي، مردفًا حديثه: "قبل أيام انتهينا من زراعة أربعة دونمات من الملوخية، وفي كل دونم خسرنا فيه 10 آلاف شيكل".. ويعبر عن رضاه بـ "بعوّض الله".
وفي السياق ذاته، يطلق التحذير الأهم، الذي صرّح به لــ "آفاق البيئة والتنمية": "لم يعد لدينا بذور للأيام القادمة، نحن على حافة التوقف بسبب عدم توفر البذور".
 |
 |
| مساحات خضراء تعيد شيئا من الحياة للبلد المنكوب |
يثمر الزرع من رحم المعاناة في الحرب |
دور المشتل في المنطقة
وجدت مبادرة يوسف صدى واسعاً بعد إعلانه عنها في شهر آذار/ مارس الماضي، يدلي بتفاصيل أكثر: "لم أبتغِ أي شهرة، وبطبيعة الحال توقعت هذا الاهتمام والتفاعل مع قصتي، لذا تمهلّت قبل الإعلان عنها، لأني تنبأّت باستهداف الاحتلال لي، كل ما أردته ترك بصمة أمل في غزة وإحداث تغيير برغم ما نمر به، الجميع فخور أني رفعت رأس بيت لاهيا، يشعر أصدقائي بالدهشة من أن ما كنت أخبرهم به في السابق أني سأحققه، فعلته حقاً، بينما هم لطالما دعوني لعدم التفاؤل بقولهم إني لن أستطيع إحداث أي تغيير بسبب ظروف القطاع، اليوم صَدَّقوا ما كنت أطمح له، وهذا يمنحني طاقة إيجابية، وما أسمعه من "دعاوي حلوة" من الناس أهم عندي من المال".
ويؤكد قائلاً: "لدي رسالة واضحة، يتحتّم علي أن أسلط الضوء على مزارعينا، أعتقد أني لم أصل للهدف بعد، ربما بعد أن تنتهي الحرب سأشعر بالفرق المطلوب، وعن نفسي لن يهدأ لي بال إلا حين أرى تغييراً جوهريًا، وليس شرطاً أن يكون على يدي".
ويتطرق إلى تقسيم العمل بين أفراد العائلة: "أنا وأبي نعمل جنبًا إلى جنب في الأراضي ونصبّ جهدنا على المحاصيل التي سنزرعها، والتنسيق مع المزارعين حولنا، بينما أخي المهندس عمرو تسلّم مهمة إدارة المشتل، وهو أيضاً لديه روح العطاء، حتى إخوتي الصغار يساعدوننا في التنظيف والسقاية وصنع كوب من الشاي، في حالة جميلة من التناغم الاجتماعي".
 |
 |
| يوسف أبو ربيع جلب الأمل بمبادرته لشمال القطاع |
يوسف صاحب مبادرة هنزرعها بعون الله |
وحول دور المشتل في هذه المرحلة، يستطرد بقوله: "نشهد إقبالاً واسعاً من المزارعين، يطلبون منا باستمرار أن نحجز لهم أشتال الفلفل والباذنجان والكوسا والخيار، مما تطلّب منا المزيد من الاهتمام والدراسة والتنسيق، نحن نعمل بسعر التكلفة، فمشتلنا وسيلة لمساندة للمزارعين لتشجيعهم في هذه الظروف القاهرة، كي تسير المنظومة الزراعية بأي شكلٍ كان، على سبيل المثال، بعنا الألف شتلة ب 500 شيكل، والربح بسيط جدًا، بينما في مشاتل أخرى في المنطقة أو مناطق أخرى، تُباع هذه الكمية بــ 2000 أو 3000 شيكل، ولو كانت البذور غالية نحسب وفقًا لها".
وقد ساهم "مشتل المهندسين"، الاسم الذي اختارته عائلة "أبو ربيع"، في مشروع "الزراعة المنزلية" الذي نُفذّ بدعم مجموعة من المتبرعين، مستهدفًا 200 عائلة، وبموجبه وُزّعت الأشتال على الأسر في بيت لاهيا، ومعسكر جباليا، ومناطق متفرقة.
وتبدي العائلات المستفيدة امتنانها، لأنها أصبحت تأكل مما تنتجه، مع أنها كميات ليست بكافية، إلا أن هذا الإنتاج البسيط من الزرع منحها الأمل، حسب رأيه.
ويقول: "نزورهم ونتابع معهم، ونحاول أن نرشدهم للطريقة الصحيحة لري المزروعات، وآلية التسميد والرش، ونقدم لهم لو القليل من المستلزمات الزراعية".
ويحكي يوسف لنا أكثر: "نعطي الأشتال مجانًا لمن يطلبها من المواطنين، الفكرة تكمن في أن ننتج ليزرع الناس، حتى الطفل حين يأتي نسأله "هل ستزرعها أم لا"، إذا كان جوابه "نعم" عندئذ نطمئن، لأن الشتلة إذا زُرعت ستكبر وتنتج وّتسبح لله، وكل ما نريده أن نساهم في حل أزمة الغذاء الراهنة قدر المستطاع".

يوسف كان قبل الحرب طموحاً ويخطط لإجراء تغيير في القطاع الزراعي
أهم الصعوبات والمشكلات
وفي معرض حديثه، تطرّق إلى الصعوبات التي تقف في وجه كل مزارع مثله، ويذكرها على النحو الآتي: "أولاً المياه لا تتاح بكمية وفيرة، ونضطر لاستخدام الآبار التي تعمل بالسولار أو زيت القلي، وهذا ثمنه مرتفع جدًا، كما نفتقر لشبكات الري، والبذور، والأسمدة والمبيدات، وما ينفذ لا يعود، فلا استيراد أو تصنيع حالياً، إضافة إلى الاستهدافات اليومية المستمرة على المزارعين الذين فقدوا الشعور بالأمان".
وثمة صعوبة أخرى، تتمثل في غياب البيئة المناسبة للزراعة، ويشرح ذلك: "بدأنا عملنا في شهر آذار/ مارس وهو موسم لهطول الأمطار، لكن المكان المتوفر لم يكن ملائمًا لحضانة الأشتال، التي تتطلب ظروفًا بيئية معينة، حيث لا بد من دفيئة متكاملة مغلقة محكمة، فيها طاولات وغرف خاصة للتشتيل والبذور والزراعة، بما يراعي الاحتياج الحراري المناسب للشتلة، وفي فصل الصيف، الذي في الأساس يقتصر على أصناف محدودة من الزراعات، نواجه معاناة أكبر، على سبيل المثال، إذا استخدمنا الغطاء البلاستيكي "النايلون" من الممكن أن تعلو الأشتال، وهذا جزء من جوانب فنية عدة حاولنا معالجتها ونجحنا بفضل الله، لكن البيئة عمومًا التي نزرع فيها ليست ملائمة للوسط الذي نعمل عليه".
ويتساءل بقلق: "تُرى ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة؟"، كاشفاً عما يدور في خلده: "وصلنا لمرحلة حرجة آمل أن نتخطاها، اليوم، كانت نفسي تحدّثني بأننا شارفنا على التوقف، وأفكرّ في أن الأرض التي تنتهي من محصولها لن نعيد زراعتها حتى يُسمح بإدخال ما يلزم إلى شمال القطاع، لأن التكاليف التي تقع على عاتقنا تُقدّر بمبالغ لا طاقة لنا بها".

ينهض يوسف كل صباح بعزم وقوة لمواصلة طريقه الذي بدأه
صراعٌ لا يتركه وشأنه، يحتدم مع رغبة عارمة في إكمال الطريق دون تقاعس، مستدركاً قوله: "تدمير الآبار سبب رئيس في إحباطنا، والتعويض بالطاقة الشمسية خيار باهظ الثمن، حتى لو استعنا بها قد تكون عرضة للقصف أو السرقة، وفي المقابل الوقود أيضاً أسعاره مرتفعة، حيث لتر السولار يتراوح سعره بين 80 و 100 شيكل، وحتى يشغّل الزارع البئر لمدة ساعة يحتاج إلى ما لا يقل عن 10 لترات ليتمكن من الري، أي ما يقارب ألف شيكل، هذا لو كان عنده دونم واحد، فما بالك لو كان يملك خمسة أو عشرة دونمات".
ويعيش المزارع خلف الكواليس مشكلات كثيرة تخرج عن الحسبان، كما يقول يوسف، ومنها سرقة اللصوص، وهي مسألة مؤرقة لم تجد حلاً، مضيفاً: "الوقت ليس مناسباً للحديث عن مشكلات أخرى لم نكشف عنها، هذا، ولا نغفل أن التربة وماء الري أصبحا غير آمنين بسبب القصف والتجريف، ما يستدعي رأي المختصين وفحص المختبرات، لنعرف كيف نتعامل مع مستجدات من هذا النوع".
ويؤكد يوسف أبو ربيع أن أرض عائلته تُستهدف يوميًا بالقذائف ما يؤدي إلى خسائر كبيرة، وهو شخصياً طالته سبع استهدافات في الفترة الماضية، يحدّثنا عن آخرها: "قبل أسبوعين كانت القذيفة تبعد عني 20 متراً، وفي كل مرة أنجو بإرادة الله، وحتى يوم قريب كان لدينا في الأرض شهيد وثلاثة مصابين، حتى اللحظة لا نصدق أننا ما زلنا على قيد الحياة، وهذا لن يفت من عضدنا، مهما خاطرنا بأرواحنا".

يوسف يجلس في حالة حزن أمام الدمار
بدلاً من دعم المزارع يحطّمونه
ويتزايد قلقه مما يحمله المستقبل، معبرًا عنه بالقول: "في تقديري يمكننا أن نستمر حتى شهر تشرين أول/ أكتوبر القادم، لكن إن طالت الحرب أكثر، لا أتوقع أن نكمل مسيرتنا الزراعية، حينها سيخرج الأمر عن السيطرة"، مطالباً المؤسسات الدولية بتقديم الدعم، حتى لو كان ذلك ببيع المزارعين ما يلزمهم، حتى يتسنى لهم الاستمرار.
ويلفت إلى تواصل مؤسسات محلية ودولية عدة معه بغية دعم مزارعي شمال القطاع، لكن لم تُتخذ أي خطوة حتى اللحظة من أيٍ منها، وفق تأكيده، معرباً عن أسفه إزاء استغلال أي جهة لوضع المزارع "الغلبان"، حسب وصفه، بادعاء لا أساس له من الصحة بالمساهمة في دعم مزارعي الشمال، بنشر صور، يمكن عبرها جلب التبرعات لصالحها.
وفي السياق نفسه يقول: "كل ما يهمني أن أشتّل في أرضي لأنتج كأي مزارع، بعيداً عن العمل المؤسساتي، لأني لا أود أن أتقيد برؤية أي جهة، كي أوصل الصورة التي تناسبنا".
سألته عن الدور الحكومي في دعم المزارع في هذه الفترة العصيبة، بدا مستفزًا تحديدًا من وزارة الاقتصاد بعد أن اتخذت الأخيرة الشهر الماضي قراراً ببيع المزارعين لكيلو الباذنجان بـ 20 شيكلاً.
يضعنا يوسف في صورة ما يحدث على أرض الواقع، مبينًا: "المزارع هكذا يتحطم، هو ليس جَشعًا أو يرغب في الاحتكار، حسناً، بحسبة دقيقة، تكلفة الدونم الواحد المزروع بالباذنجان نحو 40 ألف شيكل على مدار 40 يومًا حتى موعد إنتاجه، السعر الذي قررته وزارة الاقتصاد غير مقبول عندنا لأن التكاليف عالية جدًا، ونحن مزارعي بيت لاهيا اتخذنا موقفاً موحداً ورفضنا القرار برّمته، على الأقل لتسمح الوزارة للمزارع أن يسترد ماله الذي وضعه في زراعة المحصول، وتلقائيًا سينخفض السعر بعد فترة، تمامًا كما حدث مع الملوخية، حيث كانت المساحة محدودة في البداية، وكان الكيلو منها يباع بسعر يتفاوت من 30 إلى 50 شيكلًا، ومن ثم وصل إلى 5 شيكل عندما اتسعت الرقعة المزروعة".
ويتساءل بحنق: "كيف تفرض الوزارة على المزارع قراراً يضره إلى هذا الحد، دون أن تقدم له أي دعم كان، فيما هو يتذوق مختلف صنوف المعاناة ويخاطر بروحه وماله من أجل أن يبقى صامداً في أرضه، نحن نعمل من أجل ناسنا وأحبابنا ونقف معهم، لكن ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار ألا يُدّمر المزارع".
وفي المقابل، اتخذ ورفاقه خطوة بناءة، فيما يتعلق بمصير الباذنجان: "توافقنا أن آخذ من كل مزارع جزءًا من المنتج، لنقل 50 أو 30 كيلو، وفق الدونمات المزروعة عنده، لنتعاون في تنظيم وجبات إطعام في مراكز الإيواء، سواء في الشمال أو في غزة، وباسم "مزارعي المنطقة" بدأنا حديثاً بأول وجبة إطعام".
قانون "المزارع بخير البلد بخير"
لا يتزحزح يوسف عن أرضه ولا يلتفت، ولكن ألا ينتابه الخوف؟، بصوت واثق يرد: "ليس في قلبي ذرة خوف، يوميًا أخرج من البيت بعد صلاة الفجر وأنطق الشهادتين، هي واحدة من اثنتين، إما سأعيش أو أموت، حتى القذيفة عندما تسقط بجانبي لم تعد تهزني، تعوّدت على المشاهد الصعبة، وكيف لي أن آخذ حذري، أنا موجود دائمًا في الخط الأول حيث المنطقة الحدودية، وأمارس عملي بشكل طبيعي ولا أستبعد استهدافي في أي لحظة، وهنيئًا لمن اُستشهد وهو يؤدي عملًا كهذا".
يقينه الذي لا يتزعزع يدفعه للقول: "لو اُستشهدت سأكون سعيدًا ومطمئنًا، لأني فعلت شيئًا مما كنت أسعى إليه منذ زمن، وإن لم أكمل رسالتي فهناك من سيكملها".
ولا يخالجه شك في قدرة الغزيين على إعادة زراعة الأراضي التي جرّفت بعد انتهاء الحرب في مدة تقل عن عام، وبصوت يغمره الحماس يقول: "فورًا سنكون جاهزين لأن نعيد أراضينا خاصة التي في شمال غزة، وبالأخص بيت لاهيا، إلى أجمل مما كانت عليه، بأشجارها وخضراواتها ودفيئاتها، هذا وعد علينا، ولن يستغرق الأمر أكثر من سنة، أنا واثق مما أقوله".
وبلسان الجميع يتحدث: "كل ما نريده أن تنتهي الحرب حتى يعود لنا شعور الأمان، وإن كنا فقدنا الأمل في انتهائها، حتى أننا لم نعد نتابع الأخبار أو ما يدور حول عقد صفقة، كل ما نفكر به كيف نعيش، فمن يستشهد ليرحمه الله ويكون محظوظاً لو وجد أحدًا يدفنه، والمصاب ليُعنه الله ويكون محظوظاً لو وجد من يسعفه، نحن نتعايش مع أسوأ الأسوأ".
ومن قلب الميدان المشتعل، يوّجه رسالة للعالم: "في كل تصعيد وحرب شهدناها من عام 2000 نتكبد الخسائر جراء تجريف أراضينا، ولم نتلّق أي تعويض من الجهات المختصة، وفي كل مرة نوجه الرسائل دون جدوى، ما يمكنني قوله "لا تتركوا القطاع الزراعي وحده في غزة، وبالعامية هذا قانوننا "إذا المزارع بخير البلد بخير"، وما نراه من تقليص للمساحات الزراعية في فلسطين كلها، يهدد حياته ومصدر رزقه والأمن الغذائي، لأن الزراعة هي خط الدفاع الأول، والإنتاج وفق جودة السلامة الغذائية من شأنه أن يقلّل الأمراض وينعش البلد، لذا لا نطالب إلا بتوفير أبسط المقومات من أجل حمايتنا نحن الكادحين".