وادي عارورة.. مياه مهدورة وإرث تاريخي ملوث بالنفايات والمياه العادمة
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
كان وادي عجول- عارورة، قبل سنواتٍ طويلة، يعج في مثل هذا الوقت من العام، بالعائلات التي كانت تذهب للتنزه على جانبيه، والاستمتاع بالطبيعة الخلابة في المنطقة. لكن كل تلك الصور الجميلة تبددت، مع تحول الوادي إلى مكب للنفايات بكافة أنواعها، ومكان للتخلص من المياه العادمة لأهالي قرية عارورة والقرى المجاورة. فما أن تمر من منطقة وادي عارورة، ورغم غزارة مياهه في هذه الأيام، حتى تشتم الروائح الكريهة، وترى مخلفات الملاحم والمسالخ منتشرة في كل مكان، إلى جانب مخلفات المعاصر، ومزارع الدواجن، بل حتى مخلفات البناء باتت تلقى في المنطقة التي أصبحت أشبه بمكرهة صحية، في صورة محزنة، تجعل المرء يتحسر على الماضي الجميل للوادي. لماذا لم تتمكن الجهات المختصة من ردع العابثين بالوادي وإعادته إلى سابق عهده؟
|
 |
| المياه العادمة تتدفق في وادي عارورة |
قبل سنواتٍ طويلة، كان وادي عجول - عارورة في كل شتاء يعج بالعائلات، التي كانت تذهب للتنزه على جانبيه، والاستمتاع بالطبيعة الخلابة في المنطقة.
فأشجار الزيتون الروماني تزين الوادي، وتجعله أكثر ارتباطا مع تاريخ الأجداد، الذين لم يتركوا جهدا للعناية به، وزراعة أراضيه وحراثتها على مر السنوات.
منطقة الوادي لم تكن مزاراً لأهالي القرية فقط، وإنما أيضا للوافدين من قرى ومدن مختلفة، لمسوا جمال الوادي، فجاؤوا تواقين لنسيمه العليل.
لكن كل تلك الصور الجميلة تبددت، مع تحول الوادي إلى مكب للنفايات بكافة أنواعها، ومكان للتخلص من المياه العادمة لأهالي القرية والقرى المجاورة.
ما أن تمر من منطقة وادي عجول - عارورة، ورغم غزارة مياهه في هذه الأيام، حتى تشتم الروائح الكريهة، وترى مخلفات الملاحم والمسالخ منتشرة في كل مكان، إلى جانب مخلفات المعاصر، ومزارع الدواجن، بل حتى مخلفات البناء باتت تلقى في المنطقة التي أصبحت أشبه بمكرهة صحية، في صورة محزنة، تجعل المرء يتحسر على الماضي الجميل للوادي.
شكاوى وصلت الجهات المختصة
رئيس مجلس قروي عارورة، علي محمود خصيب، قال لـ "آفاق"، إنهم لاحظوا سابقاً إلقاء النفايات في الوادي، خاصة مخلفات المزارع، ووصلتهم بعض الشكاوى من مواطنين وثقوا عمليات إلقاء النفايات.
وأوضح خصيب أن من قاموا بهذه المخالفات لم يكونوا من القرية وإنما من إحدى القرى المجاورة وتم الحديث معهم ووعدوا بعدم تكرار هذا السلوك، مبينا أن "المجلس لا يستطيع عمل رقابة على مدار 24 ساعة، وإنما يجب على المواطن التحلي بثقافة المسؤولية والمواطنة، لأن مثل هذه التصرفات تشوه منظر الوادي وتحوله إلى مكرهة صحية".
وبين خصيب أنه بسبب الروائح الكريهة المنتشرة في الوادي تواصل المجلس مع مجالس القرى المجاورة والتأكيد عليها بعدم القاء مياهها العادمة في مجرى الوادي، ونتيجة ذلك تواصل مع المجالس القروية في عجول وعين سينيا وروابي، وهذا الأخير أكد أنه من المستحيل أن يطرح مياهه العادمة في المجرى.
ونوه رئيس المجلس، أنه تواصل أيضا مع وزارة الحكم المحلي، وقدم شكوى بتفريغ المياه العادمة من بعض القرى في مجرى الوادي، والتي قامت بدورها بمتابعة الامر مع المجالس القروية الأخرى، كما قال.
المتنفس الوحيد للقرية
وحول أهمية الوادي لأهالي القرية أوضح رئيس المجلس القروي أنه المتنفس الوحيد للبلدة، وهذه الأيام يعج الوادي بالمواطنين والعائلات التي تذهب اليه من أجل التنفس والاستمتاع بطبيعته وهوائه النقي، حتى أن الأطفال قديما كانوا يسبحون فيه، ولكن نتيجة تلوثه أصبحت الكثير من العائلات تمنع اطفالها من السباحة.
سلطة البيئة: لم تصلنا شكاوى سابقة
تواصلت مجلة آفاق البيئة مع سلطة جودة البيئة، لمعرفة مدى متابعتها لمشكلة تلوث الوادي، فأكدت المفتشة وصال رسلان، أنه لم تصلهم أي شكاوى سابقاً حول تلوث مجاري الأودية في عارورة وعجول، كما أنهم لم ينفذوا أي جولات بيئية تفتيشية في المنطقة، باستثناء قرية قراوة المجاورة التي تمت فيها متابعة صور انتشرت قبل عامين على وسائل التواصل الاجتماعي، تعكس تلوث الوادي بملونات صناعية، ثم تبين أن مجرى الوادي أساساً تحول إلى مكب للنفايات، فأغلقت سلطة جودة البيئة المكب، وطلبت من المجلس القروي نقله إلى مكان آخر، وتابعت هذا الأمر إلى نهايته.
وأكدت رسلان أنه "في حال تلقيهم أي شكوى بشكل مباشر، أو من خلال أي جهة، فيتم متابعتها على الفور وهذا صلب عمل جودة البيئة".
وبينت أن الشكوى الوحيدة التي وردتهم من المنطقة كانت حول وجود مخلفات مزارع يتم القاؤها في مناطق زراعية في قرية عجول، وتمت متابعة القضية وحلها من طرف سلطة جودة البيئة.

وادي عارورة الساحر بجماله الطبيعي الخلاب تحول إلى مكرهة صحية من النفايات والمياه العادمة
المياه العادمة.. المشكلة الأكبر
وحول المياه العادمة، أوضحت رسلان أنها مشكلة عامة ومنتشرة بشكل كبير خاصة في القرى التي تفتقر إلى محطات معالجة، ما يدفع المواطنين إلى التخلص من المياه العادمة عن طريق حفر امتصاصية، أو حتى ترك المياه العادمة لتفيض بشكل مباشر في مصادر المياه المختلفة، عدا عن صهاريج النضح التي تفرغ حمولتها في مكبات عشوائية.
وشددت على أن سلطة جودة البيئة تتابع مواقع المكبات العشوائية التي يجب أن تكون بعيدة عن مجاري المياه والأودية والمناطق الزراعية، وقالت: لكن للأسف لا توجد رقابة من المجالس المحلية.
وأضافت: "في حال تزويدنا بأي معلومة حول وجود مخالفات لأشخاص يتخلصون من المياه العادمة في مجاري الأودية، نقوم بمخالفة المرتكبين وتوقيعهم على تعهدات، وسابقا تم ضبط العديد من سيارات النضخ وتمت مخالفة أصحابها".
وزادت: "بخصوص معاصر الزيتون، الزيبار أيضاً يمنع التخلص منه في مصادر المياه، وهناك تعليمات محددة لكيفية التخلص منه، ويمنع أيضاً تصريفه في محطات المعالجة، لأنه يؤثر على عملها، وهناك بعض المعاصر ترتكب مخالفات ويتم متابعتها وتصحيحها، وإصدار مخالفات لأصحابها".
خطر على التربة
التخلص العشوائي من النفايات والمياه العادمة يؤثر على خصوبة التربة، وعلى جودة زيت الزيتون وأي محاصيل مزروعة قرب الأودية، وبالتالي تؤثر على صحة المواطنين، وفق رسلان.
من جهته، قال المواطن صالح صالح إنه شاهد مراراً في الآونة الأخيرة انتشار مخلفات ذبح المواشي في مجرى الواد، ومخلفات بناء ومخلفات مزارع دواجن ومخلفات المعاصر.
هذا إضافة الى الروائح الكريهة المنتشرة نتيجة ضخ المياه العادمة، وفق صالح.
وأكدت إحدى العائلات أنها تعرضت العام الماضي لتسمم غذائي نتيجة شربها من مياه الوادي على اعتبار أنها مياه أمطار نظيفة دون علمها بتلوث المياه.
وادي عارورة.. جزء من وادي سريدة
وادي عجول – عارورة، جزء من واد طويل يدعى "وادي سريدة". ينبع من شمال فلسطين ويمر في قرى عديدة شمال ووسط الضفة الغربية، ويصب في البحر المتوسط، وهو أطول واد من حيث المساحة في الضفة ويصل طوله 300 كم، بحسب خبير المياه في مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين، أيمن الرابي.
وبين الرابي أن "قرابة 3 ملايين متر مكعب تجري في الوادي في السنوات التي تشهد هطولات متوسطة أو عادية، وفي السنوات "الغزيرة" تصل الكمية من 6 إلى 8 ملايين متر مكعب، وهذه كلها للأسف مياه مهدرة لا يتم الاستفادة منها بالمطلق".
وزاد: "هذه كميات كبيرة خصوصاً في ظل نقص المياه الحاد في المنطقة؛ فلو تم الاستفادة منها من الممكن أن تساعد في تحسين الوضع المائي بشكل عام سواء للزراعة أو للاستخدام المنزلي أو لأي احتياج آخر".
مخططات على المستوى الوطني لإقامة سدود
أشار الرابي إلى وجود مخططات على المستوى الوطني للاستفادة من مياه وادي سريدة في مواقع مختلفة، من خلال إقامة سدود، منوها إلى أن "هذه المخططات ما زالت قيد الدراسة، والعائق الأساسي في منع إقامتها في بعض المناطق هو الاحتلال".
وأضاف: "جرى تحديد 30 موقعاً وتمت دراستها بشكل مستفيض، وهناك بعض المواقع سيتم البدء ببناء السدود فيها هذه العام، خاصة بمنطقة شمال الضفة في الفارعة، ونأمل ألا يعيق الاحتلال ذلك".
يشار إلى أن منظمة المياه العالمية حددت احتياج الفرد اليومي من المياه بـ 100 لتر، في حين أن الفرد الفلسطيني في بعض الأماكن يستهلك 20 لتراً فقط بسبب شح المياه، وفي أفضل الحالات 60 لتراً.