خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
لقد استغرق بعض المجتمعات، وبخاصة الأميركية، وقتًا طويلاً حتى أدركت مدى خطورة فيروس كورونا. وبعد أن تم اتخاذ التدابير اللازمة وأغلقت المدارس والجامعات والمكاتب والمطاعم والمقاهي والمنشآت والشركات الأخرى، تساءل الناس: كم من الوقت سيستغرق الالتزام بالتدابير الوقائية؟ أربعة أسابيع؟ ستة أسابيع، شهران؟ متى يمكننا العودة إلى الحياة الطبيعية؟ يتمنى الكثيرون بقوة بأن يقلل الطقس الحار والرطب، إلى حد كبير، تفشي الفيروس؛ لكن، ما يجب ألا يغيب عن بالنا هو أن أحد أسباب تراجع فيروسات الإنفلونزا العادية ومعظم فيروسات نزلات البرد في الصيف، هو أن العديد من الناس يصابون بها خلال فصل الشتاء، وبالتالي، خلال فصل الصيف، يكون نظامهم المناعي قد تعرف بالفعل على تلك الفيروسات. أما فيروس كورونا فلم يصب به البشر من قبل، وبالتالي لم يطوروا مناعة ضده. وحاليا ليس لدينا أدلة تقريبًا نستنتج منها بأن هذا الفيروس سيتراجع أو سيختفي خلال فصل الصيف.
|
 |
| التباعد الاجتماعي إلى متى؟ |
من الصعب البقاء في المنزل لفترة طويلة، وبخاصة أننا قد نواجه جولتين حتى أربع جولات من التباعد الاجتماعي قبل أن تنتهي قصة كورونا. ما هي الأمور التي يمكن أن نتوقع حدوثها في المستقبل القريب؟ البشرية جمعاء وصلت إلى قناعة بأن أفضل طريقة لوقف تفشي فيروس كورونا هي الحفاظ على التباعد الاجتماعي. المليارات من بني البشر مكثوا في منازلهم وطوروا روتينًا حياتيا جديدًا يقضون خلاله أوقاتهم في العمل وإعداد المأكولات المنزلية والخبز والبستنة ومشاهدة المسلسلات التلفزيونية ومحاولة تعليم أطفالهم.
لقد استغرق بعض المجتمعات، وبخاصة الأميركية، وقتًا طويلاً حتى أدركت مدى خطورة فيروس كورونا. وبعد أن تم اتخاذ التدابير اللازمة وأغلقت المدارس والجامعات والمكاتب والمطاعم والمقاهي والمنشآت والشركات الأخرى، تساءل الناس: كم من الوقت سيستغرق الالتزام بالتدابير الوقائية؟ أربعة أسابيع؟ ستة أسابيع، شهران؟ متى يمكننا العودة إلى الحياة الطبيعية؟
لسوء الحظ، العودة إلى الحياة العادية بعيدة جدًا عنا، وعلينا، منذ الآن، أن نفكر بالأشهر بدلاً من الأسابيع. وربما يفضل التوقف عن الاعتقاد أن بإمكاننا تسوية منحنى الرسم البياني لفيروس كورونا بسرعة، والبدء في التفكير بأن هذا الفيروس قد يتعامل معنا بطريقة الباب الدوار.
وكما أثبتت الصين وكوريا الجنوبية وبلدان أخرى، فإن للتباعد الاجتماعي نتائج إيجابية؛ إذ يمكنه أن يبطئ تفشي الفيروس، ويخفض بالتالي عدد المصابين به خلال فترة زمنية محددة؛ ما يجنبنا إغراق المشافي بالمرضى، بحيث يمكن توفير العلاجات بشكل فعال. كما أن إبطاء انتشار الفيروس يمنح العلماء الوقت اللازم لتطوير اللقاحات والأدوية التي ستقلل من شدة الإصابة بالفيروس وتنقذ حياة المصابين به.
لا أحد يعرف على وجه الدقة كم سيستمر التباعد الاجتماعي حتى نتمكن من خفض انتشار الفيروس إلى الصفر. فإذا اعتبرنا الصين وكوريا الجنوبية مثالين ناجحين، سيتعين علينا الابتعاد عن بعضنا البعض لبضعة أشهر طويلة إضافية، وربما أكثر. السلطات الصينية تحديدا، فرضت إغلاقًا شاملاً على ووهان ومدن أخرى في مقاطعة هوبي في 23 كانون ثاني/يناير الماضي. ومنذ أواخر آذار الماضي لم يتم الإبلاغ عن إصابات جديدة تقريبا. في أواسط آذار أغلق الصينيون آخر 16 مشفى مؤقتًا تم إنشاؤها لعلاج المرضى. لذا، منذ أواسط آذار الماضي، شرعت الحكومة الصينية بتخفيف القيود، وفتح المدارس والمكاتب تدريجيًا، وبدأ الناس يخرجون من منازلهم ويقابلون بعضهم بعضا.
وبحسب النماذج السابقة، فقد لا يعود الأطفال إلى المدارس، ولن نعود إلى أعمالنا في المستقبل القريب. التباعد الاجتماعي قد يستمر أسابيع طويلة أخرى. ماذا يمكن أن يحدث عند مغادرة منازلنا؟ لا يمكننا أن نعرف على وجه الدقة، إذ أن حلقات كثيرة عن فيروس كورونا لا تزال مفقودة. أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في مواجهتنا موجات جديدة من المرض. على سبيل المثال، هذا ما حدث في حالة الجائحة التي عرفت باسم الحمى الاسبانية خلال عامي 1919-1918 في العديد من مناطق العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، كذلك في حالة تفشي السارس بمدينة تورنتو الكندية عام 2003. في الأشهر القادمة، قد تزودنا الصين وكوريا الجنوبية ودول أخرى بأدلة إضافية تمكننا من استشراف التطورات المتوقعة.
جولات متتالية من الجائحة
يتمنى الكثيرون بقوة بأن يقلل الطقس الحار والرطب، إلى حد كبير، تفشي الفيروس؛ لكن، ما يجب ألا يغيب عن بالنا هو أن أحد أسباب تراجع فيروسات الإنفلونزا العادية ومعظم فيروسات نزلات البرد في الصيف، هو أن العديد من الناس يصابون بها خلال فصل الشتاء، وبالتالي، خلال فصل الصيف، يكون نظامهم المناعي قد تعرف بالفعل على تلك الفيروسات. أما فيروس كورونا فلم يصب به البشر من قبل، وبالتالي لم يطوروا مناعة ضده. وحاليا ليس لدينا أدلة تقريبًا نستنتج منها بأن هذا الفيروس سيتراجع أو سيختفي خلال فصل الصيف.
إحدى الفرضيات الهامة تقول بأن الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض وتعافوا، سواء ظهرت عليهم الأعراض أم لا، سيطورون مناعة ولن ينقلوا الفيروس في المستقبل. ومع ذلك، كما هو الحال مع أنواع أخرى من فيروس كورونا، في حالات العدوى الطفيفة قد لا يكون المصاب محصنا بالكامل في المستقبل القريب، بل قد يلقى حتفه أيضا.
إحدى مفارقات "نجاح" التباعد الاجتماعي هي أن القليل من الناس سيطورون مناعة ضد فيروس كورونا، ونتيجة لذلك فقد تداهمنا جولة ثانية من العدوى، بل ثالثة وربما رابعة، وخلال كل جولة، سيتم الإعلان عن إجراءات العزل والإغلاق.
الجولة التالية من التباعد الاجتماعي سيتم إطلاقها بسرعة أكبر، لأن السلطات والجمهور سيكونون أكثر استعدادًا لذلك؛ وستكون الفترة الزمنية للتباعد أقصر، لأننا نفترض أن معظم الأشخاص الذين أصيبوا خلال الجولة السابقة سيكونون محصنين خلال الجولة الجديدة. كما سيتم إلغاء المؤتمرات والفعاليات الرياضية ولن يرتاد الناس المطاعم أو يتنزهوا، وستتضرر القطاعات الخدماتية كثيرا. وفي ذات الوقت، سيظل الفيروس مؤذيا لحياة الناس واقتصادهم. وقد يحدث ذلك مرارا وتكرارا.
ربما يمكننا تشبيه فرض التباعد الاجتماعي بعملية الضغط على فرامل السيارة أثناء سيرها على طريق مغطى بالجليد. فعندئذ، قد لا يحدث شيء للسيارة، أو أن الضغط على الفرامل قد يتسبب بوقوع حادث. لذا، يحبذ أن نضغط على المكابح ونحررها ونضغط عليها مرة أخرى، ونكرر العملية ثلاث أو أربع مرات- حتى تُبْطِئ السيارة سرعتها وتتوقف.
السؤال: متى سنكبح فيروس كورونا كما نكبح الانفلونزا؟ أو متى سنتغلب عليه مثلما تغلبنا على الجدري وأمراض أخرى؟ الجواب على ذلك هو أنه يجب حقن اللقاح لـ 45٪ -70٪ من السكان على الأقل، كي نتمكن من وقف تفشي الفيروس (بحسب خبراء علم الفيروسات). وإذا كنا محظوظين، وتمكن العلماء من تطوير لقاح فعال بسرعة، فمن المحتمل ألا يحدث ذلك قبل خريف عام 2021. وقد يحدث ذلك في وقت أقرب إذا اكتشف العلماء علاجًا فعالًا لا يمنع الموت فحسب، بل يقلل أيضًا من قدرة أي مصاب بالفيروس على نقل العدوى للآخرين.
البديل لهذا الباب الدوار (كورونا) قد يكون أكثر خطورة؛ إذ قد يتعين علينا مواصلة التباعد الاجتماعي حتى نصل إلى مرحلة لا يتم فيها اكتشاف حالة مصاب جديدة، وعندئذ، يفترض إغلاق الحدود أمام جميع المسافرين وقطع أي اتصال بالعالم الخارجي لمدة عام ونصف على الأقل. ورغم أن العديد من البلدان فرضت حظرا على السفر، إلا أن مواصلة فرض الحظر على دول بأكملها لأكثر من عام، حتى يتم العثور على لقاح فعّال أمر غير منطقي. لكن من يعلم؟ إذا تدهور كثيرا الوضع الوبائي في المستقبل، فالذي كان مستحيلاً حتى الآن؛ يمكن أن يصبح حتمياً.

الأمراض ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد الرأسمالي
الأمراض ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد الرأسمالي
وبلهجة أكثر تفاؤلا، يمكننا القول بأنه كلما ظهر الفيروس مرة أخرى، في أعقاب تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي، سيكون تأثيره أقل وطأة. إلا أن استقامة المنحنى البياني للفيروس (أي جعله يسير بخط مستقيم أفقيا) أو انحداره هبوطا تحت الخط الأفقي، الأمر الذي نأمل حدوثه قريبًا، لأنه مهم جدًا للبنى الأساسية العلاجية والصحية- مثل هذه الاستقامة أو الانحدار لن يحدثا قريبا. والأرجح أن تحدث سلسلة من الصعود والهبوط. لذا، فنحن جميعًا- العاملون في القطاع الطبي والسياسيون وصناع القرار والمواطنون- يجب أن نهيأ أنفسنا لركوب الطرق الحياتية الوعرة.
أخيرا، فلنلاحظ بأن الأنظمة الرأسمالية التي يعد "اقتصاد السوق" وبالتالي الأرباح "إلهها" الحقيقي، لا تهتم كثيرا في البحث عن جذور ومسببات الأمراض (للقضاء عليها)، وبالتالي تطوير العلاجات الوقائية الطبيعية ضدها قبل أن تفتك بالناس، بل تبحث عن الأدوية للأمراض وأعراضها (بعد أن تصيب الناس)، وذلك لأن الأمراض ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد الرأسمالي وصناعاته الدوائية الاحتكارية، وبالتالي مراكمة المزيد من الأرباح؛ علما أن قطاع الصناعات الدوائية في العالم الرأسمالي يعد ثاني أكبر وأهم قطاع –بعد الصناعات العسكرية- من حيث مراكمة الأرباح والثروات. وإلى حد ما، اهتمت الصين، منذ ما قبل هذه الجائحة وخلالها، بتطوير علاجات طبيعية وقائية ضد الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية (بما في ذلك الكورونا)، تستند إلى الأعشاب الصينية والطب الصيني الطبيعي التقليدي (العلاج بالإبر وما شابه).