| يحاول هذا المقال الوقوف على أبرز الآثار النفس-عصبية التي ترتبط بالتلوث الضوضائي السمعي، وهي ظاهرة نعاينها في السياق الفلسطيني المحلي، رغم ندرة الدراسات التي عالجت الصحة النفسية من هذا الباب. |
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| التلوث الضوضائي قد يتسبب في ارتفاع ضغط الدم وأرق وتشوشات في النوم وأمراض القلب |
نتعرّض في حياتنا اليومية لعدد كبير من المُثيرات الخارجية التي يُعالجها دماغنا بطرق مُتباينة، فمنها ما يُوظّف لغايةٍ بنّاءة، ومنها ما يتخطّى عتبة الإحساس الطبيعية فيُصبح في عداد المثيرات المُزعجة والتي غالباً ما يكون للتعرض لها آثارٌ سلبية جليّة. ولعل أبرز هذه المثيرات غير المرغوبة هي ما يتعلق بالأصوات المُزعجة من حولنا، أو ما درج الباحثون على تسميته بالضجيج (Noise). يُمكننا اعتبار الضجيج على أنه نوع من الأصوات غير المرغوبة، وهو مثيرٌ سمعي يرتبط بالتوتر والضوضاء السمعي. من ناحية علمية، يُعتبر أي صوت يتخطى عتبة (85 ديسبل) ضجيجاً مزعجاً يندرج تحت مسمى التلوث الضوضائي السمعي (Kryter, 2006). إذ كما أن هنالك تلوث بيئي، هنالك أيضاً تلوث ضوضائي يرتبط بالأصوات المزعجة التي تتخطى العتبة الطبيعية كما ذكرنا. في هذا المقال المقتضب، أحاول الوقوف على أبرز الآثار النفس-عصبية التي ترتبط بالتلوث الضوضائي السمعي، وهي ظاهرة نعاينها في السياق الفلسطيني المحلي، رغم ندرة الدراسات التي عالجت الصحة النفسية من هذا الباب.
الضجيج السمعي ومشاكل النوم
تذهب بعض الدراسات إلى اعتبار أن هنالك علاقة مُثبتة ما بين التعرض للضجيج السمعي ومشاكل النوم المختلفة لدى الفرد. في دراسة نشرتها مجلة (Journal of Sound and Vibration)، توصل الباحث إلى أن الضجيج السمعي يرتبط بشكل خطي مباشر مع صعوبة النوم لدى الفرد، إذ تبيّن الدراسة أنه كلما زاد التعرض للأصوات المزعجة (وخصوصاً فترة المساء)، زادت احتمالية أن يعاني الفرد من الأرق الذي يحرمه النوم الطبيعي (Öhrström, 2000). يُفسّر ( Vallet et al., 1990) هذه المسألة بربطها بالتغيرات الفيسيولوجية التي تحدث كنتيجة للتعرض المستمر للضجيج الصوتي وخصوصاً أثناء النوم.
ومن أبرز هذه التغيرات الفيسيولوجية: ارتفاع ضغط الدم، زيادة معدل نبضات القلب وزيادة عامة في النشاط الحركي الجسماني. ومن ناحية أخرى، هنالك آثار فيسيولوجية وعصبية تمت ملاحظتها على الأفراد في اليوم التالي للتعرض للأصوات المزعجة، من قبيل: تغيرات واضحة في المزاج العام، بالإضافة إلى تدني عام في جودة العمل والإنتاجية ( Vallet et al., 1990). ومن هنا، ذهب ذات الباحثين إلى القول بأن تخفيض مستوى الضجيج السمعي الخارجي أثناء النوم يساهم في زيادة جودة النوم وخصوصاً ما يعرف بـ (REM Sleep) وهو أحد مراحل النوم العميقة.

الضجيج السمعي والمشاكل الأدائية
لا ريب بأن الطبيعة المتسارعة للحياة المعاصرة أضحت تتطلب منسوباً مرتفعاً من التركيز وتنظيم الوقت بغرض إنهاء المهام المطلوبة بشكل جيد. ومن هنا، توصلت عدد من الدراسات المخبرية إلى وجود علاقة دامغة ما بين التعرض للضجيج السمعي وتدني مستوى الأداء لدى الفرد في سياقات مختلفة. توصل (Salame et al., 2000) على سبيل المثال إلى أن التعرض لأصوات مزعجة أثناء العمل يؤثر سلباً على مستوى الإنتاجية للفرد. ومن ناحية أخرى، أثبت (Smith et al., 2003) أن القيام بمهام ذهنية معقدة أثناء التعرض للأصوات المزعجة يؤثر سلباً على قدرة الفرد على استرجاع المعلومات فيما بعد، وبكلمات أخرى، يؤثر التلوث الضوضائي على الذاكرة البشرية وخصوصاً تلك التي تعرف بالذاكرة قصيرة المدى (short-term memory). إضافة إلى ما سبق، من الممكن أن يؤثر التلوث الضوضائي على السلوك الإنساني، فتزيد احتمالية ظهور السلوك العنيف لدى الفرد (Jones et al., 2005).
الضجيج السمعي والمشاكل العقلية:
لا ريب بأن التعرض المستمر للتلوث الضوضائي يؤدي إلى تغيرات فيسيولوجية تطال الجهاز العصبي أيضاً، وبالتالي قد نلاحظ تغيرات ذهنية عقلية ذات صلة. وفقاً للباحث (Passchier)، فإن الفرد يغير سلوكه وطريقة تعاطيه الذهنية مع المحيط في حال التواجد في بيئات مُزعجة صوتياً وبشكل مستمر (Passchier-Vermeer, 1993). ولعل أبرز الأعراض النفسية- العصبية السلبية التي تمت ملاحظتها عند التعرض المستمر للتلوث الضوضائي هي ما يلي: الدوخة المستمرّة، أوجاع الرأس، تغيرات في المزاج، التوتر والقلق (Melamed et al., 2000).
ورغم أن غالبية الدراسات في هذا السياق لا تزعم وجود علاقة مباشرة ما بين الاضطرابات العقلية والضوضاء السمعي، إلا أن عديداً منها يؤكد على الصلة الواضحة ما بين بعض الأعراض النفس-عصبية والتعرض للأصوات المزعجة. تكمن الخطورة في أن إهمال هذه الأعراض قد يؤدي مع التكرار المستمر ومرور الوقت إلى مشاكل نفس-عصبية أكثر تعقيداً. ويمكننا القول أن أبرز هذه المشاكل المحتملة هي تلك التي تتعلق بالتشوهات الإدراكية المتنوعة، ومشاكل نقص التركيز على اختلاف أصنافها.
خلاصة: التلوث الضوضائي والواقع الفلسطيني
نستنتج مما سبق أن التلوث الضوضائي السمعي يعد ظاهرة بيئية ضارة للغاية، ولا يقتصر ضررها على الجوانب الجسمية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالجوانب الذهنية والعقلية. تثبت الدراسات في هذا الميدان أنّ التعرض المستمر للأصوات المزعجة في المحيط يساهم في تفاقم عدد من الأعراض النفس-عصبية والتي تؤثر مباشرة على سلوك الأفراد لا وبل على طبيعة إدراكهم وتفكيرهم.
ورغم ندرة الدراسات المحلية التي عالجت الموضوع في السياق الفلسطيني، إلا أننا نُلاحظ أن التلوث الضوضائي منتشر -وبشكل متزايد- في السياقات المحلية. إذ نُلاحظ عدداً من الظواهر ذات الصلة والتي تنتشر بلا رادع رسمي غالباً بسبب غياب التشريعات الرسمية أو الإهمال في تطبيقها. ومن هذه الظواهر: استخدام أبواق السيارات ليلاً في المناطق السكنية وقرب مراكز إيواء المسنين والمستشفيات وانتشار بعض المعامل والمصانع والورشات الصناعية بالقرب من المناطق السكنية. إضافة إلى ما سبق، يمكننا أيضاً ملاحظة غياب أساليب العزل الصوتي الحديثة في المباني، وخصوصاً في المدارس أو المرافق التي تحتاج إلى هدوء وبعد عن الضجيج الصوتي الخارجي.
وكخلاصة عامّة، لا مناص من الإقرار بخطورة التلوث الضوضائي على صحة الفرد النفسية عموماً، ويأتي عامل التلوث الضوضائي مكمّلاً لمجموعة من العوامل البيئية الأخرى التي أتينا على معالجة بعضها في مقالات سابقة نشرت في مجلة آفاق البيئة والتنمية، مثل: استخدام المبيدات الحشرية في الزراعة، الاحتباس الحراري وسواها.
المصادر:
Jones, D.M., Chapman, A.J., Auburn, T.C. (2005). Noise in the environment: a social perspective. Journal of Applied Psychology, 1: 43-59.
Kryter, KD (2006). The Effects of Noise on Man, 2nd edn. Orlando, FL: Academic Press,
Melamed, S., Najenson, T., Luz, T. et al. (2000). Noise annoyance, industrial noise exposure and psychological stress symptoms among male and female workers. In: Berglund, B. (ed.), Noise 88: Noise as a Public Health Problem. Vol. 2 Hearing, Communciation, Sleep and Non-auditory Physiological Effects. Swedish Council for Building Research, 315-20.
Öhrström, E. (2000). Sleep disturbance, psychological and medical symptoms-a pilot survey among persons exposed to high levels of road traffic noise. Journal of Sound and vibration, 133: 117-28.
Passchier-Vermeer, W. (1993). Noise and Health. Publication No. A93/02E. The Hague: Health Council of the Netherlands.
Salame, P. & Baddeley, A.D. (2000). Disruption of short-term memory by unattended speech: implications for the structure of working memory. Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 21: 150-64.
Smith, A., Thomas, M., Brockman, P. (2003). Noise Respiratory virus infections and performance. In: Vallet M. (ed.), Proceedings of the 6th International Congress on Noise as a Public Health Problem, Vol. 2. Nice, France: INRETS, 311-4.
Vallet, M., Gagneux, J., Clairet, J.M. et al. (1990). Heart rate reactivity to aircraft noise after a long-term exposure. In Rossi, G. (ed.), Noise as a Public Health Problem. Milan: Centro Recherche e Studio Amplifon, 965-75.