|
البتراء المدينة الصخرية، مصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1985، وأُعلنت كواحدة من عجائب الدنيا السبع الجديدة. المدينة الوردية الغنية بآثارها "مربعة الشكل" محفورة في عمق الصخور، نالت هذا الاسم من لون صخورها الرائع، الذي نحتت منه مبانيها. ومن الروايات المنشورة في مركز زوار المدينة أن الأنباط دفنوا موتاهم في مقابر مُعقدة، جرى اقتطاعها من جوانب الجبال، ثم صارت تمتلك كنائسا وشارعا ترتصف فيه الأعمدة، بعد تأثرها بالبيزنطيين. تشاهد في البتراء تقنيات هندسة المياه والحصاد المائي المنسوبة للأنباط، فقد طورا أنظمة الري وجمع مياه الأمطار والينابيع، وبرعوا في بناء السدود والخزانات التي حفروها في الصخر، كما شقوا القنوات لمسافات طويلة، إضافة لبنائهم المصاطب الزراعية في المنحدرات لاستغلال الأراضي في الزراعة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| آثار محفورة في عمق الصخور بمدينة البتراء |
شقت الحافلة الزرقاء طريقها من قلب عمان قاصدة البتراء أو المدينة الأعجوبة. طوال الدرب الممتد 240 كيلو مترًا من العاصمة نحو الجنوب الأردني. تبدأ ملامح الصحراء بالظهور، ولكن لولا مدينة الشوبك الخضراء لكان اللون الأصفر الرفيق الدائم.
تبثُّ شاشة عرض داخل الحافلة فيلم (الأردن: متحف في الهواء الطلق) بحضور مخرجه ومعلقه أسعد خليفة، المنحدر من بلدة الولجة المجاورة للقدس. المسافرون هذه المرة دبلوماسيون وإعلاميون يمثلون الأردن المضيف، والعراق، وليبيا، ومصر، والمغرب، والسعودية، والكويت، وموريتانيا، وفلسطين، ومعظمهم يصلون المدينة الوردية لأول مرة.
نجح عرض الفيلم الوثائقي في فتح شهية الحاضرين لاكتشاف المدينة الصخرية، المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1985، وأُعلنت كواحدة من عجائب الدنيا السبع الجديدة، خلال فعالية أقيمت في تموز 2007 في لشبونة.

البتراء المدينة الأعجوبة
أعجوبة وزلزال
وقال محمد الموريتاني: "نقترب من إحدى عجائب الدنيا"، وتابع المغربي نور الدين من نشرة إرشادية: يبلغ عمر المدينة التي نقصدها أكثر من ألفي عام، وقد نحتها الأنباط في قلب جبل الشراة. وازدهرت في القرن الأول قبل الميلاد والأول بعد الميلاد، وشكلت جزءًا حيوًيا من طريق تجاري كبير يربط بلاد ما بين النهرين ومصر.
وتكمل لهجة صلاح الأردنية:" ما زال باستطاعتنا اليوم رؤية الواجهات المعقدة المنحوتة في حواف الحجارة الرملية في تلك المنطقة، إلى جانب المناطق الأخرى في المحمية الملفتة للنظر، والنصب التذكارية لهذه الحضارة الساحرة."
مما يورده الفيلم ويبوح به د. باسم الفقير، المقيم في عمان: "ليس معروفًا متى نُحتت البتراء بالضبط، لكن المدينة بدأت بالازدهار كعاصمة للإمبراطورية النبطية منذ القرن الأول قبل الميلاد، وقد زاد ثراؤها من تجارة البخور والتوابل ونبات المر، ثم ضمت لاحقًا إلى الإمبراطورية الرومانية، واستمرت بالازدهار حتى دمرتها هزة أرضية كبرى عام 363 بعد الميلاد. واقترنت الزلازل بتغيير طرق التجارة، الأمر الذي أدى إلى انحدار المدينة، الذي انتهى بها الأمر مهجورة، وبحلول القرن السابع بدت المدينة وكأنها مُقفرة، باستثناء البدو المحليين من أهل المنطقة".

البتراء المدينة الصخرية واحدة من عجائب الدنيا السبع الجديدة
مدينة مفقودة
وأفاد الإعلامي أسعد خليفة، والمهتم أيضًا بطيور الأردن: ضاعت المدينة بالفعل، وفي عام 1812 كان مستشكف سويسري اسمه (يوهانسون بيركهاردت) يستعد لإعادة اكتشاف البتراء في مهمة جغرافية، فتخفى بملابس جعلته يبدو كعربي وأتقن لغة الضاد، وأقنع مرشده البدوي أن يأخذه إلى المدينة المفقودة، فرسمها وصارت معروفة في الغرب.
وتناقلت ألسن المرشدين السياحيين، وسائقي عربات الخيول في البتراء بأن المدينة الوردية نالت هذا الاسم من لون صخورها الرائع، الذي نحتت منه مبانيها. ومن الروايات المنشورة في مركز زوار المدينة أن الأنباط دفنوا موتاهم في مقابر مُعقدة، جرى اقتطاعها من جوانب الجبال، ثم صارت تمتلك كنائسا وشارعا ترتصف فيه الأعمدة، بعد تأثرها بالبيزنطيين.
وانبهر الزائرون العرب بالمدينة، وخاصةً خلال سيرهم في باب السيق، أو البوابة التي تضم ( أبنية الجن الثلاث الحجرية)، وهي آثار مربعة الشكل محفورة في عمق الصخور.
وطوال الطريق التقط العراقي د. خليل الطيار صورة عديدة للمكان، وقال: "أمتلك متحفًا لأدوات التصوير منذ سنوات عديدة، وهو ضخم به كل التقنيات القديمة، إلا أن البتراء اليوم مكان يخطف بصر من يصل إليها."

صخور البتراء ذات الألوان النادرة والتي نحتت منها مباني المدينة
15 حياة
وتتألف البتراء الأعجوبة من خمسة عشر قسمًا هي: باب السيق، والسد، والسيق، والخزنة، وشارع الواجهات، والمسرح، والمقابر الملكية، وسبيل الحوريات، والكنيسة، وشارع الأعمدة، والمعبد الكبر، وقصر البنت، ومضافة الأسد، والدير.
والسد بناه الأنباط لتحويل مجرى سيول وادي موسى من السيق إلى الوادي المظلم، وتم شق نفق بطول 88 مترًا.
وتنافست داخل بوابة السيق عربات وخيول لنقل السائحين، وذلك داخل الممر الضيق، في شق طبيعي للجبل طوله 1200 متر، وفي كثير من مقاطعه يوفر الظل، فيما بدأت بعض الشجيرات تخرج إلى الحياة.
ووقف الوفد الإعلامي أمام الخزانة، الأيقونة الأشهر في البتراء، والتقطوا صورا تذكارية للمكان الذي يعلو الأرض بـ 40 متراً، ويتكحل بتيجان الأعمدة، أما الداخل فيفيض بالجرار الجنائزية التي تخفي وفق الأسطورة الشائعة كنزًا فرعونياً.
واختلطت لهجات عراقية وكويتية وليبية ومصرية وأردنية ومغربية وفلسطينية وموريتانية في الفتنة بشارع الواجهات، وهو صف مقابر نبطية محفورة في واجهة الجرف الجنوبي بعد الخزنة، وبجوار السيق الآخر، تجدُ قبوراً تحمل أرقام 67 و825 وتخفي أسرار موتى الزمن الغابر.
يستلقي المذبح أو مكان العبادة فوق هضبة، يجري الصعود إليه عبر سلالم صخرية تكشف إطلالة على المدينة القديمة.
أما المسرح فمحفور من جانب الجبل على مشارف المذبح من ثلاثة صفوف من المقاعد، متصلة بسبعة سلالم تقود إلى قاعة تتسع لأربعة آلاف نسمة، بناه الرومان وهو الوحيد في الدنيا المنحوت من الصخر.

لوحات معمارية جميلة منحوتة في الصخر بمدينة البتراء
مقابر وماء
ليس ببعيد، تخفي المقابر الملكية الواقعة في منتصف طريق المدينة أربعة أسرار لقبر الجرة التي التصق اسمها بجرة تتوج مثلث واجهتها الأمامية، وقبر الحرير المرتبط بتموجات ألوانه الصخرية، وقبر "الكورنثي" الذي يجمع العناصر المعمارية النبطية بالتقليدية، وقبر القصر التذكاري بواجهته الفخمة ذات الطوابق الخمسة.
وتجول سائح بريطاني اسمه جون برفقة صديقه الأردني، فقال: وصلتُ سبيل الحوريات، وشاهدت نافورة دائرية، وهناك ستة أعمدة نبطية، وجلسنا تحت ظل شجرة فستق برية عمرها أكثر من 450 عامًا كما قرأت.
وأضاف بعربية ركيكة تأثر بها من رفيقه: "مشينا بشارع الأعمدة، وهو مكان جميل جُدّد فترة الاحتلال الروماني للمدينة، وهو أحد شوارع التسوق في البتراء القديمة".
وتظهر توقعات رسمية أردنية أن الكنيسة بنيت على الأرجح نهاية القرن الخامس الميلادي، ودمرها حريق سببه هزة أرضية. أما المعبد الكبير فيمتد على نحو 7000 متر مربع ويتكون من مدخل وساحة وبنائين توأمين على شكل نصف دائري.
ووقف سائح جزائري اسمه سفيان خلاّف ليس ببعيد عن قصر البنت، وقال: شاهدنا معبدًا قديماً، وعرفت من النشرة الإرشادية باللغة الفرنسية أنه المعبد الرئيس في المدينة، وارتفاعه 23 متراً، ويتم الصعود إليه عبر درج من 26 درجة رخامية، ويعود تاريخ المكان إلى النصف الأول من القرن الأول الميلادي.

مسارات البتراء الطويلة بين الصخور الضخمة الشاهقة
وقبل الوصول إلى الدير أحد أكبر النصب الأثرية في المدينة، تحط عين الزائر على مضافة الأسد التي نالت اسمها من أسدين محفورين على مدخلها.
في رحلة الإياب عبر السيق، تشاهد تقنيات هندسة المياه والحصاد المائي المنسوبة للأنباط، فقد طورا أنظمة الري وجمع مياه الأمطار والينابيع، وبرعوا في بناء السدود والخزانات التي حفروها في الصخر، كما شقوا القنوات لمسافات طويلة، إضافة لبنائهم المصاطب الزراعية في المنحدرات لاستغلال الأراضي في الزراعة.
سألتُ (كاتب المقال) عمر بائع الهدايا التذكارية المقيم في أطراف المدينة: كيف تكون قنوات البتراء أيام الشتاء، فقال: نعم، نرى الثلوج على المرتفعات، ونشاهد فيضانات عارمة، وتسير القنوات بالماء، لكنها قليلة، وفي المناسبات.
تودع البتراء، وتعود إلى عام 2009 حين تأسست في المدينة سلطة إقليم البتراء التنموي السياحي، لتنمية الإقليم وتطويره سياحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، والمساهمة في تنمية المجتمع المحلي.

نقوش تاريخية عمرها آلاف السنين في البتراء
aabdkh@yahoo.com