من "خشب النخيل" إلى "مربى التين"... أفكار في "التراث التقني" للدكتور حامد الموصلي
|
التنمية لا تكون بالاعتماد على الموارد المستوردة بأسعار باهظة ولا تلائم إلا فئاتٍ معينة، بل لا بُد من أجل التنمية الذاتية أن يشعر الناس بأن قضية التنمية هي قضيتهم ويملكون مفتاحها، كالاعتماد على الموارد المحلية والنظر في ظروف كُل منطقة واحترام خصوصيتها وطبيعتها؛ ولهذا التنمية يُمكن أن تبدأ بإعادة الإحترام للأثاث المصنع من جريد النخيل وصناعة المربى من بواقي زراعة لا يُستفاد منها عادةً.. وبلا شك فإنها لا تنتهي عند الأثاث ومربى التين.. بل هي دعوة للإبداع من وحي التراث التقني الذي لا يزال بعيدًا عن أولويات المؤسسات العلمية والتنموية في العالم العربي.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
مُخطئٌ من يظن أن التنمية عمليّة قص ولصق لأفكار من العالم الغربي، فبحسب د. حامد الموصلي فإن التنمية لا تكون بالاعتماد على الموارد المستوردة بأسعار باهظة ولا تلائم إلا فئاتٍ معينة، بل لا بُد من أجل التنمية الذاتية أن يشعر الناس – كل الناس – بأن قضية التنمية هي قضيتهم ويملكون مفتاحها، كالاعتماد على الموارد المحلية والنظر في ظروف كُل منطقة واحترام خصوصيتها وطبيعتها، ولهذا فإنه يرى أن هذه التنمية يُمكن أن تبدأ بإعادة الإحترام للأثاث المصنع من جريد النخيل وصناعة المربى من بواقي زراعة لا يُستفاد منها عادةً.. وبلا شك فإنها لا تنتهي عند الأثاث ومربى التين.. بل هي دعوة للإبداع من وحي التراث التقني الذي لا يزال بعيدًا عن أولويات المؤسسات العلمية والتنموية في العالم العربي.
ما هي المعرفة التقليدية و"التراث التقني"؟
في مطلع كُتيب "الإبداع مع الناس" يُعرّف د. حامد الموصلي المعرفة التقليدية بأنها: "نتاج حضاري وحصيلة تاريخية لتفاعل أبناء المجتمعات المحلية المختلفة عبر آلاف السنين مع بيئتهم المحيطة ومع مواردهم المحلية من أجل إشباع حاجاتهم الأساسية وكذلك التعبير عن رؤاهم الحضارية وتلبية حاجاتهم الروحية".
وتكمن أهمية هذه المعرفة التقليدية، بالأخص في جانبها التقني وهو ما يُسمى بـ"التراث التقني" بأنها تحمل أحيانًا إرث تعبيري يؤكد الهوية الحضارية كما يُشير "الموصلي"، ويوضح ذلك بأنها تقوم بتشكيل العالم المادي بحيث يُعبّر عن الرؤية الكامنة لدى المجتمع والحضارة ويضرب لنا مثالًا مهمًا هو "الحوش السماوي" (فناء الدار) الذي يعُبر عن نوع من الاعتذار عن الانغلاق عن الطبيعة والرغبة في الارتباط بها".
جريد النخيل.. والعودة إلى الذات
قد لا تكون "التعبيريّة الحضارية واضحة دائمًا.. ولكن عندما نتأمل في أفكار "الموصلي" وهو يتحدث عن صناعة الأخشاب في العالم العربي، نجد أن هذه الصناعة تفضح الكثير من خبايا نفوسنا والإشكاليات التي يقوم عليها الاقتصاد في بلادنا، وكمثال يُشير "الموصلي" في كتابه "تأملات في التنمية" أن الثقافة السائدة لدينا حاليًا تُعلي من قيمة الأخشاب المستوردة مثل الأرو والزان، وتنظر بازدراء إلى السلالات الخشبية المحلية، كالكازوارينا والكافور، باعتبارها "خامات الفقراء"، ويضيف :"أدركت ساعتها أننا أمام مشكلة حضارية تتمثل في تقليد الأغنياء لدينا للنموذج الغربي في الاستهلاك.. إن انبهارنا بالنموذج الغربي قد جعلنا نفقد الشعور بقيمتنا وقيمة كل ما نحوزه من تراث تقني وموارد محلية".

يقول "الموصلي" هذا الكلمات بعد أن أمضى فترة لا بأس بها من حياته العلمية وهو يبحث ويحث على الاستفادة الكاملة من أشجار النخيل، فبالإضافة إلى التمور يُمكن بحسب الموصلي الاستفادة من النخيل في صناعة الألياف البديلة وصناعة الأثاث التقليدي والخرط العربي "الآرابيسك" كما يُمكن صناعة ألوان الخشب الباركية وألواحMDF ومواد العزل الحراري والصوتي بالإضافة إلى امكانية صناعة الوقود الحيوي البديل كمصبعات Pellets.
أحد أهم النقاط التي تجعله مُتحمسًا في شرحه ومحاضراته لهذه الأفكار التي تُعنى بالاستفادة من مخلفات شجرة النخيل، هي مُعايشته لمدى الإهمال الذي تُعاني منه هذه "الخامات" وحجم الاستهتار حتى من قبل الجامعات في بلادنا العربية، فهي لا تُدرّس هذه المعرفة التقليدية لا في كليات الهندسة ولا كليات الزراعة ثم يُشير إلى أنه وبدون احترام هذه المعارف التقليدية لا يُمكن الابداع في استخدام جريد النخيل كمادة صناعية.
مربى تين شمَّاس
في "الإبداع مع الناس" يتحدث الموصلي عن زيارته لإحدى القرى البدوية الفقيرة التي تقع على الساحل الشمالي الغربي في محافظة مطروح في مصر، حيث وجد أن التين البرشومي من أهم المحاصيل التي يزرعها البدو على مياه المطر، ويتم تصدير التين الناضج طازجًا إلى الأسواق ويُترك التين الصغير في الأرض، وهناك بدأ يُفكر بكيفية تحويل هذا التين الصغير ليكون أساسًا ماديا لمشروع مدر للدخل في القرية؟ فقام وزُملائه بإجراء عدة تجارب في كلية الزراعة بجامعة الاسكندرية أكدت إمكانية استخدام هذا التين الصغير في تصنيع مربى عالي الجودة.
وبالفعل بدأ انتاج مربى التين بطريقة "التصنيع المنزلي" بعد وضع اشتراطات صحية يتوجب الإلتزام بها في حجرة التصنيع حتى تتحقق المواصفات القياسية العالمية المطلوبة في مربى التين، ثم تم تحليل هذا المربى في المعمل المركزي للبيئة في هلسنكي بفنلندا وحاز القبول للتصدير وفقًا للمعايير الصحية لجمارك فنلندا.
تكرار مثل هذه التجربة التنموية في قرى أخرى يُمكن أن يحوّل اسم كُل قرية إلى علامة تجارية، ويعيد الاعتبار للقرية كمصدر للقيمة وبؤرة للإبداع المبتعث حضاريًا – كما يقول الموصلي – وبالإضافة إلى ذلك يُمكن أن يُعيد الحياة للنسيج الاجتماعي الحضاري للقرية فيتحول الإنتماء للقرية إلى مصدر فخر لأبنائها، فالكثير من المثقفين من أبناء الريف يشعرون بالخجل إزاء اسلوب حياتهم وكل ما ينتجه مجتمعهم محليًا، نتيجة لإنبهارهم بالنموذج الغربي.
ثورة صناعية.. تبدأ من الريف
في معظم كتابات د. حامد الموصلي نجد أن الاستفادة من الموارد المحلية لا تنحصر في مجال كالزراعة فقط، بل تمتد إلى مجال مواد البناء والعطور وغيرها من الصناعات، وحتى عندما نتحدث عن الزراعة فالاستفادة لا تنحصر في صنف مُعيّن بل تكاد تشمل كُل ما يُمكن أن يندرج تحت مُسمى "البواقي الزراعية" أو "المخلفات الزراعية" وهو ما يؤكده في مقالة "ثورة صناعية جديدة صديقة للبيئة تبدأ من الريف" كانت قد نُشرت على موقع صحيفة الأهرام حيث يقول: " البواقي الزراعية تمثل فرصة رائعة للاستثمار الصناعي وتتوافر في موقعها بالحقل بتكلفة تساوي صفر تقريبا، مما يعني أنها تمثل موارد إضافية مجانية لنفس الاستثمار الذي قد تم بالفعل في الأرض وفي المياه، وهي بذلك تمثل ميزة نسبية هائلة كقاعدة مادية لإقامة العديد من الصناعات علما بأن البواقي الزراعية السلليلوزية تتوافر سنويا في مصر بإجمالي76 مليون طن بواقي حاصلات حقلية و4 مليون طن نواتج تقليم سنوي لأشجار الفاكهة."
ختامًا، فإن من يقرأ كتابات د. حامد الموصلي وأفكاره التي جمعها في كتاب "تأملات في التنمية" سيُدرك أن الرجل لا يتحدث وهو يجلس بهدوء على مكتبه، فالكتاب هو خلاصة لزيارات ميدانية كثيرة وجلسات وحلقات نقاشية مع خبراء من مختلف التخصصات ورحلات إلى مختلف دول العالم، وكل هذا من أجل الوصول إلى أفضل طُرق التنمية الذاتية للبلاد العربية، والتي قد تؤدي بالفعل إلى "ثورة صناعية جديدة" مُبتكرة من وحي تراثنا، الذي يدعم واحدة من أهم المتطلبات والشروط اللازمة للسلامة البيئية وهي: "صناعات بلا مخلفات".