|
تؤكد المعطيات والأرقام بأن تبعيتنا الاقتصادية والغذائية لإسرائيل ليس فقط أنها تفاقمت، بل إن انحرافا كبيرا وخطيرا طرأ على انتاج الغذاء المتنوع والمكتفي ذاتيا في الريف الفلسطيني، كما ومنذ التسعينيات، لوحظ حدوث تناقص خطير ومتواصل في نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي (الإنتاج/الاستهلاك)، بل إن مؤشرات "الأمن الغذائي" ازدادت سوءا في السنوات الأخيرة. وفي الوقت الذي نستهلك معظم احتياجاتنا الغذائية من إسرائيل وشركاتها، فإن بعض الذين يراهنون على الزراعات التصديرية، وكأننا نعيش في بلد حر وذي سيادة، يغيبون حقيقة أن إسرائيل هي التي تشتري غالبية الصادرات الزراعية الفلسطينية، بل إن جميع الصادرات إلى الأسواق الخارجية لا يمكنها التحرك دون موافقة الاحتلال، لأنها تشحن عبر إسرائيل والموانئ والأراضي التي تسيطر عليها الأخيرة؛ ما يضع مجرد وجود الزراعة الفلسطينية التصديرية و"تنافسيتها" وربحيتها تحت رحمة الاحتلال وسياساته واعتباراته الاقتصادية-الأمنية. فوضى "السوق الحر" الذي يقدس الربح ويضعه فوق كل اعتبار، حفز ويحفز العديد من التجار والمزارعين على زراعة الأعشاب السامة، ابتداء من التبغ وانتهاء بالمخدرات. وقد تتفاقم هذه الزراعات في ظل حرمان المزارعين الفلسطينيين من الدعم والحماية لإنتاجهم، خلافا للمزارعين الإسرائيليين، وبالتالي ضرب المنتجات الفلسطينية وخروجها أحيانا كثيرة من السوق، وتورط عدد كبير من المزارعين في الديون.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| اعتداءات المستعمرين الإسرائيليين المسلحة والمنظمة ضد المزارعين الفلسطينيين وأراضيهم |
عالجنا أكثر من مرة في هذا الموقع الانكماش الهائل والمتسارع لمساحات الأراضي الفلسطينية المزروعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ليس فقط بسبب السياسات الإسرائيلية المتمثلة في نهب الأراضي والمياه وسائر الموارد الطبيعية، بل أيضا بسبب السياسات الفلسطينية الرسمية والأهلية غير الجذرية تجاه الأرض والإنتاج الغذائي. وفي الواقع، المشهد الزراعي الفلسطيني البائس ازداد سوداوية في السنوات الأخيرة. في عام 1996، على سبيل المثال، أي في أوائل عهد أوسلو، كانت المساحة الزراعية الفلسطينية 1,830,000 دونم (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2010)، فهبطت عام 2011 إلى 932,000 دونم (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي، 2015)، أي أن نسبة الهبوط في المساحات المزروعة خلال خمسة عشر عاما بلغت أكثر من 49%.
الانحدار الصادم حدث في المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية، مثل المحاصيل الحقلية والخضروات. فعشية أوسلو، وتحديدا عام 1990، قدرت المساحات المزروعة بالمحاصيل الحقلية في الضفة الغربية وقطاع غزة بـ 625 ألف دونم، والمساحات المزروعة بالخضروات 198 ألف دونم (الأونكتاد، قطاع الزراعة الفلسطينية المحاصر، 2015). بينما في عام 2011، بلغت المساحات المزروعة بالمحاصيل الحقلية 246 ألف دونم، والمساحات المزروعة بالخضروات 130 ألف دونم. أي أن نسبة الهبوط في مساحات المحاصيل الحقلية خلال الفترة 1990-2011 تجاوزت 60%، أما نسبة الهبوط في مساحات الخضروات خلال ذات الفترة فتجاوزت 34%. ولو أخذنا في الاعتبار الزيادة السكانية الكبيرة خلال ذات الفترة، يمكننا أن ندرك بأن الهبوط الكبير في المساحات المزروعة إجمالا، وفي مساحات المحاصيل الاستراتيجية الأساسية، يعني بأن تبعيتنا الغذائية للاحتلال وشركاته، خلال عهد السلطة الفلسطينية، قد تعاظمت كثيرا.
كل هذا يحدث بالرغم من أن جوهر صراعنا مع المحتل هو حول الأرض، وبالتالي يفترض توجيه بوصلة السياسات والاستراتيجيات الرسمية وغير الرسمية، وتركيز حصة الأسد من الموازنات العامة باتجاه الاستثمار في الأرض والإنتاج الزراعي. لكن خطط السلطة الفلسطينية الاستثمارية لهذا القطاع لا تزال هامشية من إجمالي الاستثمارات.
ومن المعروف أن للقطاع الزراعي قدرة امتصاصية كامنة للعمالة هي الأكبر من بين جميع القطاعات الاقتصادية، ومع ذلك، فإن استيعاب القطاع الزراعي للعمالة هبط هبوطا حادا من حوالي 32% في بداية الثمانينيات، إلى 10.4% عام 2014 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2015).
بل إن حصة الزراعة في إجمالي الناتج المحلي انخفضت انخفاضا دراماتيكيا، إذ كانت عشية احتلال عام 1967 أكثر من 50%، لكنها تقلصت إلى نحو 30% في أوائل الثمانينيات (الأونكتاد، مصدر سابق)، فبلغت 3.8% عام 2014 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2015).
المعطيات والأرقام السابقة تؤكد بأن تبعيتنا الاقتصادية والغذائية لإسرائيل ليس فقط أنها تفاقمت، بل إن انحرافا كبيرا وخطيرا طرأ على انتاج الغذاء المتنوع والمكتفي ذاتيا في الريف الفلسطيني، كما ومنذ التسعينيات، لوحظ حدوث تناقص خطير ومتواصل في نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي (الإنتاج/الاستهلاك)، بل إن مؤشرات "الأمن الغذائي" ازدادت سوءا في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، نسبة الأسر الفلسطينية المفتقرة "للأمن الغذائي" (في الضفة والقطاع معا) ارتفعت خلال سنة واحدة من 27% عام 2011 إلى 34% عام 2012؛ كما أن نحو نصف الأسر الفلسطينية اعتبرت في عام 2012 مفتقرة للأمن الغذائي بدرجة طفيفة أو أنها على حافة الانزلاق إلى حالة "انعدام الأمن الغذائي" (الأونكتاد، مصدر سابق). وفي قطاع غزة تحديدا تدهورت الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية والإنسانية، ووصلت نسبة الأسر المفتقرة "للأمن الغذائي" إلى 57% (عام 2012)، وحاليا تصل النسبة إلى نحو 70%، بل إن 80% من الأفراد يعتمدون على المعونات الإنسانية، كما أن ثلث الأسر اضطرت إلى خفض عدد وجباتها اليومية (International Labour Office 2014. Report of the Director General ).

الخضار والفاكهة الإسرائيلية تغرق الأسواق الفلسطينية
تسريب التراكم المحلي
لقد تحول المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع استهلاكي، يستهلك معظم غذائه من إسرائيل والخارج،؛ ما يعني تراجعا كبيرا وخطيرا في التراكم الرأسمالي المحلي الذي لا يُدَوَّر استثماره محليا في الانتاج الزراعي أو الصناعي. والغريب أن بعض الاقتصاديين المحليين، لا زالوا يزعمون بأن التسويق الزراعي الفلسطيني هو المشكلة الأكبر، ويعظون بضرورة تحويل الزراعة الفلسطينية إلى زراعة تصديرية، وكأننا نعيش في بلد سيادي مستقل نتحكم في أرضنا وحدودنا وحركة صادراتنا ووارداتنا ورؤوس أموالنا وقوانا البشرية، وليس الاحتلال هو من يعتبر في الواقع "السيد الفعلي" المتحكم في جميع العوامل السابقة.
التركيز على الزراعة التصديرية الأحادية بذريعة وجود فائض متراكم في المحاصيل الفلسطينية، في وقت نعاني من نقص فادح في معظم احتياجاتنا الزراعية الاستراتيجية التي تشكل العمود الفقري للسيادة الغذائية؛ فيتم استيراد تلك الاحتياجات من الاحتلال الإسرائيلي أو من الخارج- التركيز على الزراعة التصديرية في ظل هذه المعطيات، وهي (أي الزراعة التصديرية) موجهة عمليا لسد فجوات تصديرية لدى الاحتلال ودول أجنبية أخرى، يعني مزيدا من التحكم الإسرائيلي في عملية إطعامنا وتجويعنا. وفي الحقيقة، الفائض الفلسطيني الناتج (الإنتاج/الاستهلاك) في الضفة والقطاع، هو في بضعة محاصيل قليلة (مثل البندورة والخيار...) تزرع بشكل عشوائي غير مدروس، بكميات ضخمة لا لزوم لها، وتصديرها غير مضمون أساسا. بينما نعاني من نقص فادح في المحاصيل الحقلية والعديد من أصناف الخضار والفاكهة، ومعظم المحاصيل الأساسية والاستراتيجية مثل القمح والحبوب والأعلاف وغيرها التي تزرع بكميات محدودة جدا.
وفي الوقت الذي نستهلك معظم احتياجاتنا الغذائية من إسرائيل وشركاتها، فإن بعض الذين يراهنون على الزراعات التصديرية، وكأننا نعيش في بلد حر وذي سيادة، يغيبون حقيقة أن الأخيرة (أي إسرائيل) هي التي تشتري غالبية الصادرات الزراعية الفلسطينية، بل إن جميع الصادرات إلى الأسواق الخارجية لا يمكنها التحرك دون موافقة الاحتلال، لأنها تشحن عبر إسرائيل والموانئ والأراضي التي تسيطر عليها الأخيرة؛ ما يضع مجرد وجود الزراعة الفلسطينية التصديرية و"تنافسيتها" وربحيتها تحت رحمة الاحتلال وسياساته واعتباراته الاقتصادية-الأمنية.
بمعنى أننا كشعب تحت الاحتلال، حينما نبتعد عن السياق الطبيعي لصراعنا مع المحتل، أي سياق مواجهة الأخير بكافة الوسائل المشروعة دفاعا عن وجودنا وأرضنا، ونتصرف انطلاقا من "الدولة" الوهمية التي لا وجود مؤسسي واقتصادي وأمني وعسكري فعلي ومستقل وسيادي لها على الأرض، وحينما يبتعد إنتاجنا الزراعي عن تغطية الاحتياجات الغذائية-الزراعية المحلية أولا، في سياق اقتصاد المقاومة، ونركز على الأسواق الأجنبية والصادرات الهشة لمراكمة بعض العملات الأجنبية لحفنة من المنتفعين- حينما نفعل كل هذا فإننا نثبت ونعمق إلحاق القطاع الزراعي الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي بعامة، وبالقطاع الزراعي الإسرائيلي بخاصة.
نتمنى ألا يغيب عن بال السياسيين والاقتصاديين و"التنمويين" الفلسطينيين الرسميين وغير الرسميين، بأن الاحتلال ومستوطنيه يصولون ويجولون ويعربدون ويذلون الناس وينتهكون حرمات المنازل ويتوسعون استيطانيا كيفما شاءوا في جميع قرى وبلدات ومدن ومخيمات الضفة الغربية، ويخربون ويحرقون ويدمرون المزروعات والمحاصيل والأشجار بكل أريحية، دون أي اعتبار لوجود سلطة أو أجهزة أمنية فلسطينية، ويحاصرون ويجوعون أهلنا في غزة؛ ذلك أن الاحتلال ووجوده الاستعماري الاستيطاني، وبسبب سياساتنا ومواقفنا غير الجذرية وغير المبدئية والحاسمة، يعد حاليا "السيد" الفعلي و"المرجع الأعلى" لبنى "الدولة" الوهمية التي يستطيع الاحتلال تهشيمها كليا متى شاء.

الزراعات البيئية المتداخلة والمنوعة في مركز جبل النجمة بمدينة رام الله
التحدي
إزاء الواقع الإنتاجي-السياسي الوطني المأساوي، حيث يفرض الاحتلال قيودا صارمة على "التنمية" الزراعية والاقتصادية في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، فإن الحديث عن "تنمية مستدامة" يصبح ضربا من الثرثرة العبثية.
لذا، فإن المنطق المقاوم السليم لشعب يرزح تحت بساطير الاحتلال يقول بضرورة تشجيع الانتاج الزراعي المنزلي المتنوع والمكتفي ذاتيا والخالي من الأوساخ الكيميائية، فضلا عن إكثار وتعزيز الحيازات الزراعية التي تنتج لغرض تغطية استهلاكها العائلي، علما أن 71% من الحيازات الفلسطينية، على قلتها، استخدمت عام 2011 جل إنتاجها للاستخدام الأسري، مقابل 110 ألف أسرة ريفية اعتمدت على الزراعة مصدرا للرزق (الأونكتاد، مصدر سابق). فإذا كانت الضفة والقطاع تتمتعان باكتفاء ذاتي نسبي في بعض أصناف الخضار، والتين والعنب ولحوم الدواجن والبيض والعسل، فلا بد أن يرتكز جوهر خططنا الانتاجية المقاومة على تعزيز التوجه القائم على الاكتفاء الذاتي في جميع السلع الغذائية والزراعية الأساسية والإستراتيجية، من محاصيل حقلية وحبوب وأعلاف وخضار وفاكهة وإنتاج حيواني.
وفي مقابل عجزنا الانتاجي المقاوم وتبعيتنا الغذائية للمحتل، فإن الدولة المحتلة (إسرائيل) تنتج معظم الأغذية التي تستهلكها. ناهيك عن المساحات المزروعة في المستعمرات بالضفة الغربية والتي تتجاوز 80 ألف دونم، معظمها زراعات مروية.
وهنا لا بد من تحدي الخنق المفروض احتلاليا على الأراضي والمياه والتسويق، من خلال تشجيع وتحفيز الانتاج الزراعي البيئي المتنوع الذي يتميز بتدني مدخلات الإنتاج (بما في ذلك المياه) وانخفاض تكلفتها، والتكامل مع سائر القطاعات، ومستوى مرتفع من إعادة تدوير مخرجات الانتاج ورأس المال المتراكم، وارتفاع متوسط الغلة (طن متري لكل دونم) الذي يقاس بمحصلة مجاميع المحاصيل المنوعة والمتداخلة في الدونم الواحد (خلافا للزراعات الأحادية الكيميائية التي ترتكز عملية حساب الغلة فيها على صنف واحد أو صنفين مثلا). عندئذ سنجد أن متوسط الغلة في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 سيرتفع كثيرا، علما أن متوسط الغلة الفلسطينية حاليا نحو نصف الغلة في الأردن و43% فقط من الغلة الإسرائيلية، رغم أن البيئات الطبيعية والمناخية متشابهة؛ بل واللافت أن الفجوة في الغلة أكثر اتساعا في الضفة منها في قطاع غزة (الأونكتاد، مصدر سابق).
وبالطبع ممارسات وسياسات الاحتلال من حيث نهب الموارد والمياه وتدمير البنية التحتية الزراعية ليست السبب الوحيد للتخلف الزراعي الفلسطيني القائم حاليا، بل توجد أيضا عوامل ذاتية هامة لهذا التخلف تتمثل في افتقارنا إلى سياسة إنتاجية وطنية تعتمد على مدخلات إنتاج محلية، وتشجع الناس على العمل الزراعي وتنويع الانتاج الذي يلبي الاحتياجات المحلية بالدرجة الأولى. علاوة على عوامل تنظيمية وإدارية وتقنية يتحكم فيها الفلسطينيون، بما في ذلك أنماط وتقنيات الزراعة والبذور وتدوير المياه ومخرجات الانتاج.
والملاحظ أن هناك انعدام التوازن في توزيع المساحات حسب الأصناف المزروعة؛ فعلى سبيل المثال يستأثر الزيتون على 57% من الأراضي الفلسطينية المزروعة، مقابل 19% من الأراضي مزروعة بالخضروات والفاكهة (الأونكتاد، مصدر سابق). ورغم ذلك، فقد تدنى إنتاج زيت الزيتون، فانخفض من متوسط مقداره 23 ألف طن سنوياً خلال الفترة 2000-2004، إلى 14 ألف طن سنويا خلال الفترة 2007-2010؛ ما أدى إلى أن يلبي الانتاج الفلسطيني لزيت الزيتون نحو 50% من الطلب المحلي (Palestinian Ministry of Agriculture, 2010. Agriculture sector strategy)

الفاكهة والخضار الإسرائيلية تغرق المحلات الفلسطينية
نقاط القوة
إن ما يعتبره البعض نقاط ضعف في البنية الزراعية المحلية، يعدُّ، في منظور الاقتصاد الانتاجي المقاوم نقاط قوة. فعلى سبيل المثال، واقع الحيازات الزراعية الصغيرة أو ما يعرف بتفتت الملكية التي يعتبرها الكثيرون مشكلة؛ هي في الواقع ليست بمشكلة، لأنه في الزراعة المقاومة والمعتمدة على الذات، يفضل أصلا العودة إلى الحيازات الصغيرة. وهنا يمكننا التعلم من تجارب الشعوب التي خاضت ثورات ضد الاحتلالات والهيمنة الأجنبية، كما في فيتنام وكوبا على سبيل المثال لا الحصر. ويمكننا إدراك هذه المسألة لو تنبهنا إلى أن أكثر من 80% من الحيازات الفلسطينية في الضفة والقطاع عبارة عن حيازات صغيرة؛ وهي بالتالي مناسبة جدا ونموذجية للأنماط الزراعية العضوية والإيكولوجية المقاومة.
الاتفاقات السياسية-الاقتصادية والأمنية الاستعمارية بين منظمة التحرير/السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، شلَّت قدرة الأخيرة على حماية الإنتاج الزراعي الوطني والسلع الزراعية والغذائية المحلية، علما أن تلك الحماية في حالة شعب تحت الاحتلال، تعد مسألة مصيرية لتعزيز صمود المزارع الفلسطيني وتثبيته في أرضه. وبما أن تلك الحماية غائبة، فأصبح المزارع الفلسطيني مكشوفا والقطاع الزراعي طاردا للمزارعين وبخاصة الصغار منهم؛ وذلك إثر تهشيم مقومات نمط الانتاج الزراعي التقليدي الذي شكل تاريخيا درع حماية للأسر الريفية الفلسطينية والكثير من أسر المدينة. وفي المحصلة، تدهورت البنية الزراعية التقليدية الأسرية المكتفية ذاتيا والقائمة أساسا في الحيازات الصغيرة، والمعتمدة على آليات التسويق المحلي.
وفي المقابل، روجت الأطراف الفلسطينية الموقعة على الاتفاقيات مع المحتل، ولا تزال تروج، لأكذوبة "السوق الحر" الذي ترجمته، في السياق الفلسطيني، إغراق السوق الفلسطيني بالسلع الغذائية والزراعية الإسرائيلية، حيث فرض الاحتلال ويفرض "تنافسا" قسريا غير متكافئ بالمطلق بين صادراته الزراعية المحمية والمدعومة والمنتجات الفلسطينية المكشوفة والمحرومة من الحماية الوطنية. ويعد هذا الواقع الاقتصادي-السياسي تثبيتا لتوجه الاحتلال التاريخي الهادف إلى سحق المنتجات الفلسطينية الأساسية من خلال منع حمايتها من المنافسة الإسرائيلية والأجنبية.
تقديس الربح
في ظل غياب الحماية للمزارعين، بذريعة "السوق الحر" التي تعمل باتجاه واحد وتحديدا من إسرائيل إلى السوق الفلسطيني وليس العكس، وفي ظل السياسات الفلسطينية المحبطة للاستثمار في الأرض والإنتاج الزراعي، وفرض ضريبة الدخل الزراعي والرسوم والضرائب المرتفعة الأخرى (الإفراز والطابو وما إلى ذلك)- في ظل كل ذلك اندفع عدد كبير من المزارعين نحو زراعة التبغ المربحة جدا والمدمرة للتربة وعناصرها الأساسية. وحاليا وصلت المساحة المزروعة بالتبغ في محافظات شمال الضفة الغربية إلى عشرات آلاف الدونمات، على حساب محاصيل البستنة وتلك الحقلية. المساحات الخضراء في مرج ابن عامر (منطقة جنين) الذي يعد من أكبر المساحات الزراعية في الضفة وأكثرها خصوبة، باتت تحمل في ثناياها موتاً للأراضي الزراعية وللتربة، بل وكارثة بيئية وزراعية محتمة بسبب زراعة التبغ التي تهدد بشكل جدي مجرد وجود القطاع الزراعي.
ليس هذا فقط، بل تنامت في السنوات الأخيرة زراعة المخدرات في الضفة الغربية، فوصل عدد مشاتل المخدرات التي تم ضبطها في أنحاء الضفة إلى 40 مشتلا في الخليل وطولكرم ورام الله والأغوار الشمالية وغيرها، خلال الفترة كانون ثاني- أيلول 2018، بواقع أكثر من 22 ألف شتلة ماريجوانا تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات (آفاق البيئة والتنمية، تشرين أول 2018).
إشاعة فوضى "السوق الحر" التي تقدس الربح وتضعه فوق كل اعتبار، حفزت وتحفز العديد من التجار والمزارعين على زراعة الأعشاب السامة، ابتداء من التبغ وانتهاء بالمخدرات. ولا توجد مؤشرات على احتمالية تناقص هذه الزراعات الخطرة والمدمرة للبيئة والتربة والصحة العامة، وبخاصة المخدرات التي تهدد تماسك النسيج الاجتماعي والأسري. وقد تتفاقم هذه الزراعات في ظل فوضى "السوق الحر" وحرمان المزارعين الفلسطينيين من الدعم والحماية لإنتاجهم، خلافا للمزارعين الإسرائيليين، وبالتالي ضرب المنتجات الفلسطينية وخروجها أحيانا كثيرة من السوق، وتورط عدد كبير من المزارعين في الديون، وتحديدا أولئك الذين يمارسون الزراعات الأحادية الكيميائية، بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، وبخاصة المبيدات والأسمدة الكيميائية والمياه والبذور والأشتال.
أخيرا نقول بأنه في ظل اقتصاد زراعي فلسطيني يواجه منذ عقود طويلة عملية إسرائيلية منهجية لتحطيم مقوماته، وسوق فلسطيني محاصر ومخنوق لا ينطبق عليه ما يُسمى بقوانين السوق المتعارف عليها، فالأوْلى أن يحصل الفلاحون الفلسطينيون على الدعم المادي والمالي، وإعفاء منتجاتهم من الضرائب بكافة أنواعها، ومنع استيراد السلع الزراعية الإسرائيلية والأجنبية المحمية والمنافسة والتي تتمتع بميزات تسويقية غير عادلة؛ وبالتالي حماية المنتجين المحليين من الضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية.