أزمة المياه تستفحل في إيران والعطش يزحف نحو العاصمة

حفرة صغيرة يعلوها ماء راكد تكشف شح الموارد السطحية، في مشهد يعكس اتساع أزمة المياه في إيران. حقوق الصورة:Debra Solomon. CC license: (CC BY-NC-ND 2.0).
استحكمت حلقات أزمة المياه بإيران بسبب جفاف ممتد، فاقمه عقود من سوء الإدارة وحفر الآبار غير النظامي وممارسات الري الزراعي غير الرشيدة.
وأظهرت صور حديثة التقطتها أقمار صناعية انخفاضًا كبيرًا في مناسيب المياه بعدد من السدود، وانحسارًا لافتًا بتلك التي تعتمد عليها العاصمة، وفق مقارنات زمنية تشير إلى أن المخزون السطحي بات أقل بكثير من مستوياته المعهودة موسميًّا.
ومع هذا الوضع، حذر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان علنًا من أنه إذا لم تتلق البلاد كميةً كبيرةً من الأمطار قريبًا، فقد تفرض قيود صارمة على استهلاك المياه، وربما يُبحث في سيناريوهات تشمل إخلاء بعض المناطق في طهران.
تشير إحصاءات شركة إدارة موارد المياه الإيرانية إلى تراجُع حاد في كمية الأمطار منذ بداية السنة المائية الحالية بنحو 85% مقارنةً بالعام الماضي، ولم تسجل 20 محافظة تقريبًا أي هطولات مطرية تُذكر، وفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا).
”لطالما كان المناخ الإيراني قاسيًا دومًا“، كما يمهد الباحث الإيراني أمير أغاکوشاك، من قسم الهندسة المدنية والبيئية بجامعة كاليفورنيا في إيرفين.
وأردف: تقع إيران في حزام شبه جاف إلى جاف، يتميز بارتفاع معدلات البخر وتقلبات الأمطار بين السنوات، إضافةً إلى طول مواسم الجفاف.
يقول أغاكوشاك لشبكةSciDev.Net : ”تداخل هذا الجفاف الطبيعي عبر عقود مع ضخ مفرط للمياه الجوفية، وتحويلات للمياه السطحية، ومشروعات لنقل الموارد وإعادة توزيعها من الأنهار والمستنقعات نحو الزراعة والمدن“.
”النتيجة هي جفاف من صنع الإنسان، وزيادة حدة مشكلة ندرة المياه. السحوبات والخسائر تتجاوز تجدُّد المخزون“.
ويضيف أغاكوشاك: ”هذا الوضع انعكس بوضوح في تراجُع مناسيب البحيرات والمستنقعات، وتحوُّل الأنهار الدائمة إلى موسمية“.
ويوافقه الرأي عبد الحميد كليو، الأستاذ المساعد بقسم الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة المنصورة في مصر: ”أزمة المياه الحالية في إيران تمثل تقاطعًا خطِرًا بين الإجهاد المناخي وضعف إدارة الموارد المائية عبر عقود“.
يقول كليو لشبكة SciDev.Net: ”إن ما تواجهه إيران اليوم ليس مجرد عام سيئ من الجفاف، بل حصيلة سنوات طويلة من السحب المفرط للمياه الجوفية، والتوسُّع في زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، ونمو حضري تجاوز الحدود الهيدرولوجية الطبيعية“.
”لقد تجاوزت الأنهار والخزانات والمياه الجوفية الحدود الآمنة لقدرتها على التعافي“.
تشير دراسة نُشرت في أكتوبر الماضي إلى أن المجتمعات الزراعية في إيران باتت تواجه مستوياتٍ متزايدةً من الضعف، وتتنازع على الموارد المائية المتناقصة مع المستخدمين الحضريين والصناعيين المحليين، حذرت الدراسة من أن هذا الوضع يهدد الأمنين المائي والاجتماعي.
وعلى الرغم من أن مدد الجفاف القصيرة تُفاقم المشكلة، يؤكد أغاكوشاك أن جذور المشكلة أعمق بكثير وتكمن في ”الإفراط الهيكلي“، إذ ”ما تواجهه طهران هو أساسًا تراكُم سنوات من الاستهلاك المفرط وضعف الحوكمة، مع ضغوط الجفاف“.
يوضح أغاكوشاك أن ”سنة واحدة رطبة أو جافة يمكن أن تزعزع الوضع مؤقتًا، لكن العجز المستمر نابع من طلب يفوق ما يمكن أن توفره أحواض المياه والمياه الجوفية المحيطة“، مشيرًا إلى أن جانبًا من الأزمة يرتبط أيضًا بتسربات واسعة في شبكات المياه، وعدم كفاءة التوزيع والاستخدام.
يقول روح الله نوري، الأستاذ المساعد في الهيدرولوجيا وجودة المياه بكلية البيئة في جامعة طهران: إن إيران تُعد إحدى أكثر مناطق العالم معاناةً من شح المياه بسبب استنزاف المياه الجوفية وضعف الشحن الطبيعي بسبب تراجُع الأمطار.
ويوضح نوري أن ”الخزانات الجوفية توفر ما يصل إلى 60% من الطلب المائي في إيران، واعتماد المناطق الجافة وشبه الجافة عليها يصل إلى 90%“، ما يجعل المياه الجوفية خط الدفاع الأخير في السنوات الجافة.
ويضيف نوري للشبكة أن أهم أسباب تفاقُم هذه المشكلة هو ”الإدارة غير المستدامة للموارد المائية“، في ظل تراجُع الموارد السطحية وانخفاض عوائد الري التي كانت تذهب لشحن الخزان الجوفي، مشيرًا إلى أن تطور الممارسات الزراعية وتحسين كفاءة استخدام مياه الري خلال العقدين الماضيين قلَّص الكميات التي كانت تصل إلى الخزانات، ما زاد الضغط على هذا المخزون الإستراتيجي.
وفق بيانات نقلها موقع ’كسترش نيوز' الإيراني، فإن نحو16 سدًّا كبيرًا في البلاد هبط منسوب المياه فيها إلى ما دون 10% من سعته.
وتعليقًا على تحذير الرئيس الإيراني حول إخلاء طهران، يقول أغاکوشاك إن الإخلاء واسع النطاق ”خيار غير مباشر، وملاذ أخير“، أما المخاطر الأكثر واقعيةً على المدى القريب -إذا تُركت الأزمة دون معالجة- فتتمثل في تخفيضات دورية للمياه وانقطاعات، وتدهور جودتها، لتتطور إلى أزمة إنسانية محلية حتى من دون صدور أمر رسمي بالإخلاء.
ويضيف: ”يمكن أن يتفاقم شح المياه ليشمل مشكلات الصحة العامة، وانقطاعات في الخدمات العامة والطاقة، وارتفاعًا حادًّا في أسعار الغذاء والسكن“.
من جانبه يرى كليو أن سيناريو الإخلاء ”ليس حتميًّا“ بقدر ما هو رسالة تحذير، لكن هشاشة العاصمة واضحة و”مقلقة للغاية“؛ فخزاناتها عند أدنى مستوياتها تاريخيًّا، ومشروعات نقل المياه الطارئة لا يمكن الاعتماد عليها للأبد.
ويشير كليو إلى أن الحكومة ما زالت تمتلك أدوات فعالة إذا استُخدمت بحزم، مثل التقنين الصارم، والحد من الاستخدامات غير الضرورية، وتحويل المياه بعيدًا عن المحاصيل الشرهة، ويؤكد: ”إذا بدأت التدخلات الآن، يمكن لطهران تفادي سيناريو الإخلاء“.
ويؤكد أغاکوشاك أن ”الطلب غير المدار“ هو المفتاح في المرحلة الراهنة، ويقول:”تنشأ الأزمة عندما يلتقي انكماش العرض الناجم عن الاحتباس الحراري مع طلب مائي لم يُدر بكفاءة“، مشيرًا إلى أن معظم الأحواض الإيرانية بحاجة عاجلة إلى حوكمة الطلب، باعتبارها الآلية الأهم والأكثر إلحاحًا، للحد من اتساع الفجوة بين الاستهلاك والموارد المتاحة.
ويختتم كليو قائلًا: ”إيران بحاجة إلى مواءمة سياساتها مع واقع مناخي جديد أكثر حرارةً وجفافًا، ويجب دمج توقعات المناخ في التخطيط الحضري والصناعي وملفات الطاقة، مع الاستثمار في إعادة استخدام المياه والتعاون الإقليمي حول الأحواض المشتركة“.
المصدر: هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا