خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في قلب الطبيعة الفلسطينية، تقع قرية حوسان على بُعد ثمانية كيلومترات فقط غرب مدينة بيت لحم، وسط بيئة طبيعية غنية بالتنوع الجغرافي والموارد المائية. بين مدرجات الزيتون المعمرة وكروم العنب، تتشكّل منظومة بيئية متكاملة تعكس التفاعل المتناغم بين الإنسان الفلسطيني وأرضه عبر آلاف السنين. في هذا الإطار الطبيعي الفريد، ينبثق نبع عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ، المعروف محليًا أيضًا بـ"عين الهوا"، موردًا من أهم الموارد المائية العذبة التي لا تزال تتدفق من صخور الحجر الجيري في منطقة وادي العيون.
|
 |
| حقول وبساتين بلدة حوسان بالمحاصيل الحقلية الصيفية |
في قلب الطبيعة الفلسطينية، تقع قرية حوسان على بُعد ثمانية كيلومترات فقط غرب مدينة بيت لحم، وسط بيئة طبيعية غنية بالتنوع الجغرافي والموارد المائية.
بين مدرجات الزيتون المعمرة وكروم العنب، تتشكّل منظومة بيئية متكاملة تعكس التفاعل المتناغم بين الإنسان الفلسطيني وأرضه عبر آلاف السنين.
في هذا الإطار الطبيعي الفريد، ينبثق نبع عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ، المعروف محليًا أيضًا بـ"عين الهوا"، مورداً من أهم الموارد المائية العذبة التي لا تزال تتدفق من صخور الحجر الجيري في منطقة وادي العيون.
تُعد عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ نبعًا كارستيًا، ينبثق من تجويف صخري طبيعي يصل طوله إلى 20 مترًا، ينفتح في نهايته على غرفة كهفية تشبه قلبًا جيولوجيًا يخزن الماء بهدوء وثبات.
هذه المياه النقية تنبع بدرجات حرارة معتدلة نسبيًا، فتشكّل نظامًا بيئيًا دقيقًا يساهم في ترطيب التربة الزراعية، ويدعم النباتات المحلية، ويساهم في توازن التنوع الحيوي في المنطقة، خاصة في مواسم الجفاف.
لكن عَيْــن الْهوِيَّــةُ ليست فقط مورداً طبيعياً؛ إنها رمزٌ وطني وثقافي متجذر، وشاهد جيولوجي على الاستمرارية التاريخية للفلسطينيين في أرضهم، ومرآة مائية تعكس هوية المكان وكرامة سكانه.
بواسطة هذا المورد الطبيعي، تتجلى العلاقة العضوية بين البيئة الطبيعية والوجدان الوطني، حيث تتدفق المياه كما تتدفق الذاكرة، وتحمل في مجراها رواسب الانتماء والحق.
 |
 |
| تهيئة الأرض في للزراعة في بساتين بلدة حوسان |
طائر الصقرالْحَوَّام الأوروبي (Pernis apivorus) في سماء حوسان الزرقاء، ، فلسطين |
المغارة أسطورة الماء والنار
في عمق التكوينات الكارستية لنبع عَيْــن الْهوِيَّــةُ، يتفرّع نفقٌ صخري يبلغ طوله قرابة 20 مترًا، قادنا إلى مغارة طبيعية أشبه بـ"محراب جيولوجي" نحتته قوى الطبيعة عبر آلاف السنين، بنحت صامت وصبور، لا يُرى إلا بعين من يعرف كيف يقرأ التاريخ في ثنيات الحجر.
عند وصولنا إلى التجويف الداخلي الكبير، انفتحت أمامنا غرفة مائية جوفية تتفجر منها المياه العذبة من جميع الاتجاهات، في مشهد بالغ الندرة، تتجلى فيه العمليات الهيدرولوجية الطبيعية، حيث انهمرت المياه من السقف على أجسادنا عبر هوابط كلسية تكونت على مدار الزمن من ترسيب كربونات الكالسيوم، في عملية علمية دقيقة تُعرف بالتقطير الجوفي.
وتتشكل هذه الهوابط ببطء شديد، قد يصل إلى ميليمتر واحد كل مئة عام، ما يجعل من هذا المكان أرشيفًا جيولوجيًا مفتوحًا يحفظ في صخوره فصولاً من التغيرات البيئية والمناخية التي مرّت بها فلسطين.
لكن العين لا تكتفي برواية العلم، بل تُتمّمها بأسطورة متجذرة في الذاكرة الشعبية، فوفقًا لما يرويه كبار السن من أهالي بلدة حوسان، فإن اسم "عين الهوية" ربما اشتُق من كلمة "الهاوية"، بسبب انخفاض موقعها الجغرافي، غير أن الحكاية الشعبية تنقل رواية أخرى أكثر شاعرية عن شاب وفتاة، حُرما من الحب، دخلا المغارة ولم يخرجا أبدًا، ويُقال إن الطبيعة تجسدت في صواعد وهوابط تُشبه ملامحهما المتحجرة، وكأن الصخور والماء احتفظت بروحيهما في حالة وجدٍ أبدي، ليُصبح المكان أسطورة بيئية وطنية تتناقلها الألسن، وتنمو مع كل زائر، وتتنفس مع كل قطرة ماء.
 |
 |
| طفلة من حوسان تقطف النعناع من بستان عائلتها في حوسان |
ينابيع المياه في وادي العيون في بلدة حوسان |
الشتاء في عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ: دورة حياة متجددة
في فصل الشتاء، تتحوّل مياه عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ إلى شلالات موسمية متدفقة تنساب بين التكوينات الصخرية، لتغذي وادي العيون وتُعزز من رطوبة التربة الزراعية، فتُعيد تشكيل الغطاء النباتي المحلي وتساهم في تعزيز السلسلة الغذائية البيئية للمنطقة.
هذه الظاهرة الموسمية تخلق بيئة ديناميكية تجذب عشاق الطبيعة والمصورين والباحثين عن الجمال الطبيعي الخام، الذي لا يزال صامدًا أمام التمدن العشوائي والزحف العمراني المهدد للموارد الطبيعية في المناطق الفلسطينية.
إن عَيْــن الْهوِيَّــةُ بهذا العمق المائي والتاريخي والأسطوري، تشكل جزءًا من الإرث الطبيعي الفلسطيني الذي يُسهم في تعزيز الهوية البيئية، ويُعيد الاعتبار لعلاقة الفلسطيني بالأرض والماء والحكاية.
إنها بيئة حية ومفتوحة، تجمع بين العلم والتراث، بين الجيولوجيا والوجد، وتُثبت أن الذاكرة الوطنية لا تقتصر على الحكايات، بل تتجلى في التضاريس والمغارات والينابيع.
 |
 |
| الحاج رجب حمامره فرحا بعد عودته من عين الهوية في حوسان |
المزارع بهاء سباتين وهو يوجّه معوله نحو الأرض المقسمة والمهيأة للزراعه |
وادي العيون: أنموذج للزراعة البيئية المتكاملة في الريف الفلسطيني
يقع نبع عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ في قلب ما يُعرف بـ"وادي العيون"، وهو وادٍ زراعي أخضر يمتد بين بلدتي بتير وحوسان، ويُعدّ مثالًا حيًا على الزراعة التقليدية المستدامة التي طورها الفلاح الفلسطيني عبر قرون من التفاعل مع البيئة المحلية. يتميز الوادي بوجود مدرجات زراعية حجرية تتوزع على سفوحه، صُمّمت يدويًا لمنع انجراف التربة، والحفاظ على المياه من التبخر والتسرب، ما يُعزز من فعالية الري وتنوع المحاصيل.
تُسقى هذه المدرجات بمياه نبع عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ، ما يجعل النظام الزراعي فيها يعتمد على الري الطبيعي الجاذبي، وهي تقنية قديمة تعكس ذكاءً بيئيًا في استغلال التضاريس والانحدار لتوزيع المياه دون الحاجة لطاقة خارجية.
وتُزرع في هذه المدرجات الخضراوات الموسمية مثل البندورة والخيار والملفوف والفاصوليا والخس، إلى جانب أشجار الفاكهة كالخوخ والتين والعنب والسفرجل، في انسجام مع التنوع النباتي المحلي.
 |
 |
| الفلفل الأسود في بساتين بلدة حوسان |
اليقطين البلدي في مزارع بلدة حوسان |
عطر المكان: نعناع وهواء وذاكرة
يتميّز وادي العيون بتركيبة هوائية نقية مشبعة بـرائحة النعناع البري، الذي ينمو بكثافة حول مصادر المياه، ويعمل طاردًا طبيعيًا للحشرات، ومؤشرًا على جودة التربة.
كما تسكن في الوادي أسراب الطيور المغردة والجارحة، التي تسهم في عملية التلقيح ونثر البذور، وتُضفي بوجودها الحيوي بعدًا جماليًا وبيئيًا على المكان.
هذا النظام البيئي ليس مجرد وحدة طبيعية، إنه امتداد لذاكرة جماعية. فالوادي يحمل بين مدرجاته أصوات الجدّات اللواتي كنّ يحملن الجرار الفخارية من العين إلى البيوت، ويُعدن استخدام المياه في الطهي والخبز والغسيل، في طقوس يومية تُجسّد العلاقة الحيّة بين الإنسان والماء والأرض.
وكان من الشائع أن تُبارك العائلات بداية الموسم الزراعي بـ"رشّة ماء" من النبع، في ممارسةٍ رمزية تؤكد قداسة المورد الطبيعي في الوعي الشعبي الفلسطيني.
 |
 |
| الشاب زيدون حازم زيدان يحمل في يديه ثمار البندورة من بستانه في حوسان |
سقاية البساتين حسب نظام المعدود من مياه الينابيع في حوسان |
صوت الجبل لا يموت
الكابتن بلال حمامرة ابن بلدة حوسان، يُحدّث مراسل "آفاق البيئة" عن النبع باعتباره موردًا زراعيًا ورمزًا للسيادة والبقاء، مشيرًا إلى أن أهالي البلدة لن يتنازلوا عنه، وسيدافعون عن إرثهم بكل الوسائل القانونية والشعبية، وحال لسانهم: "لن نسمح بسرقة هويتنا لا من فوق الأرض ولا من تحتها."
وتضم حوسان إلى جانب عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ سبعة ينابيع أخرى، هي عين السخونة، وعين عبد الهادي، وعين عبد عطا، وعين الناموس، وعين عطية، وعين صغيرة، وعين العمود (أو عين البلد).
وجميعها تشهد اليوم تهديدًا مشتركًا، لكنها في الوقت ذاته تشكّل حائطًا من الماء والكرامة، تتكئ عليه البلدة في وجه التغوّل الاستيطاني .
من قلب التجربة والعمر الطويل، يلخّص الحاج أنور شوشه لمراسل "آفاق البيئة والتنمية" فلسفة الريف الفلسطيني الذي يرى في الماء "امتدادًا للروح لا موردًا تجاريًا".
ويقول: "في طفولتي كنت أروي أرضي من هذا النبع، واليوم أعود إليه كهلاً لأحرسه. الماء لا يُشترى، بل يُصان بالتعب والجد والوفاء، وما دامت العين تنبض، فالأرض بخير، والوطن بخير."
 |
 |
| الكابتن بلال حمامره ينظر الى المشاكب وهي الأرض المقسمة والجاهزة للزراعة |
الباحث خالد أبو علي يشير الى البساتين التي تنتظر زراعة المحاصيل الحقلية في حوسان |
عن حارس نبع الهوية
يُعد الكابتن بلال حمامرة، قائد فريق "إلى القمر "To The Moon"من أبرز النشطاء البيئيين والمجتمعيين في قرية حوسان بمحافظة بيت لحم، ويجسد أنموذجًا فريدًا للتكامل بين حب الأرض، والرياضة، والتراث.
شخصيته تمزج بين هدوء الفلاح وحماسة الرياضي ورؤية المثقف البيئي، وقد كرّس سنوات من عمره لخدمة الطبيعة الفلسطينية، لا سيما في محيط نبع عين الهوية.
ولد بلال في قرية حوسان، ونشأ في بيئة زراعية تراثية، حيث تعلق منذ صغره بمياه الينابيع والجبال المحيطة.
حصل على تأهيل احترافي في رياضات المغامرة والأنشطة البيئية، مثل التسلق، والإنزال الجبلي، والمشي في الطبيعة.
واستثمر خبرته الرياضية بحسّه الوطني في أنشطة تعزز العلاقة مع الأرض وتحميها من الإهمال أو التعدي.
تولى الكابتن بلال مهمة رعاية نبع عَيْــن الْهوِيَّــةُ، باعتباره موقعًا تراثيًا وبيئيًا مهمًا، وله جهود شخصية عدة منها، تنظيف النبع ومحيطه باستمرار وبمساعدة بعض المتطوعين، وبناء مظلة من القصب تقي الزوار من الشمس على نحو متناسق مع الطبيعة، وتجميل فتحة النبع لتبدو المياه كأنها تنساب من عرق عنب فلسطيني، إضافة إلى زراعة النباتات المحلية حول النبع وتنظيم المكان ليصبح محطة راحة وملتقى لأهالي القرية والزوار.
يُنظر إلى بلال في حوسان أنه أكثر من رياضي؛ فهو حارس للذاكرة الطبيعية، ألهمَ عديدًا من الشباب للمشاركة في تنظيف الطبيعة والعناية بالينابيع، بدلًا من الاكتفاء بالنقد أو الشكوى، وقد حوّل النبع من مكان مهمل إلى رمز للصمود البيئي والهوية الفلسطينية.
يقول شكري طه سباتين لمراسل "آفاق البيئة": "تطوعت لمساعدة الكابتن حمامرة في مشروع تأهيل عين الهوية، ليس لأنها عين ماء فقط، بل لأنها عين حياة، عندما تعود المياه لتتدفق، تعود معها الأغاني القديمة، أغاني الأمل والعمل."
وبالعمل اليدوي والشراكة المجتمعية، يعيد شكري وزملاؤه الحياة إلى الينابيع، في أنموذج حي للزراعة المستدامة والمقاومة البيئية في حوسان .
 |
 |
| النعناع البلدي الذي يروى من مياه عين الهوية في حوسان |
الشاب نور عصام حمامره يشير الى أحد الينابيع في بساتين بلدة حوسان |
مزارعون يقاتلون بالجذور
في قلب بلدة حوسان، لا تتدفق المياه فقط من جوف الصخر، بل من ذاكرة الناس الذين توارثوا حب الأرض، وصون الينابيع، وحراسة العطاء.
هناك، حيث تنبض عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ بالحياة منذ قرون، يلتقي الجمال بالطين، وتلتقي الكرامة بالماء. في هذا المكان الذي تحاول سلطات الاحتلال طمس معالمه وتحويله إلى موقع استيطاني، يقف المزارعون وأبناء البلدة، رجالًا ونساءً، كالسنديان، يحكون بلسان التراب والماء عن انتماء لا يجفّ.
يخبرنا المزارع الحاج قاسم عبد الهادي ابن بلدة حوسان عن علاقته بالزراعة: "الأرض لا تخون من يزرعها. نحن نزرع صيفًا وشتاءً، نزرع لنعيش، لا لنبيع. الزراعة هي عهدنا مع الله ومع أجدادنا ألا نجعل هذه البساتين فارغة من الخضرة أو من الكرامة".
ويربط الحاج قاسم بين المواسم والإيمان، بين الفصول والهوية، فكل زرعة في الأرض سواء في الشتاء أم الصيف هي دعاء في وجه الغياب، حسب تعبيره.
من جهته، يعبّر المزارع مصطفى سباتين عن تعلقه بالأرض: "من ينسى الأرض يضيع، ومن يهمل الماء يفقد روحه. نحفر في الصخر لا لنبحث عن الثراء، بل عن البقاء، فكل قطرة من عين الهوية تحمل وجه أجدادنا الذين سقوا الحقول بعرقهم".
بهذا، يختصر مصطفى حكاية مئات المزارعين الذين يقاتلون بالجذور في وجه سياسات المصادرة والتجفيف، متمسكين بحقهم الطبيعي في الزراعة والكرامة.
 |
 |
| الحاج المزارع انور شوشة في زيارة تفقدية لبستانه في حوسان |
شكري طه سباتين يتجول بين بساتين بلدة حوسان |
نظام "المعدود" التقليدي
يعتمد عشرات المزارعين في حوسان على هذا النبع لري زراعتهم الصيفية، وهم يتقاسمون الماء وفق نظام تراثي قديم، يُعرف محليًا بـ" المعدود".
ويستند النظام إلى تقسيم المياه بين المزارعين وفق جدول زمني محدد، حيث يتناوب الفلاحون على استخدام المياه في أوقات محددة لضمان العدالة.
ويُعد هذا النظام جزءًا من التراث الثقافي للقرية، وقد ساهم في الحفاظ على الأمن المجتمعي والبيئي، حيث لم تُسجل أي نزاعات حول المياه بفضل التوزيع المنظم .
يؤمن الحاج رجب حمامرة أن الماء رمز العدالة كما هو رمز الحياة، موضحًا: "هذه الأرض شهدت حروبًا وزمنًا قاسيًا، لكنها لم تيأس يومًا. نحن نحفر السواقي بأيدينا، ونقسم الماء بالعدل، فالماء هبة السماء، ومن يعتدي عليه يعتدي على كرامة الناس".. إنه تعبير بسيط من فلاح حكيم يلّخص فلسفة العيش المشترك في الريف الفلسطيني.
بين مدرجات الزيتون في بلدة حوسان، التقينا المزارع بهاء سباتين وهو يوجّه معوله نحو الأرض المقسمة والمهيأة للزراعة، والتي يطلق عليها "المشاكب"، يشق طريقًا لمياه الينابيع كي تصل إلى بستانه الصغير الذي يعانق السفح كقصيدة من تراب وعرق.
يقول بهدوء الواثق: "نحن لا نسقي الأرض بالماء فقط، بل بالذاكرة أيضًا. هنا، حيث تنبض الينابيع كقلوبٍ من صخر، نتوارث حبّ التراب كإرثٍ مقدّس، نحن المزارعين لا نزرع الخضرة فحسب، بل نزرع معنى الانتماء، ونحرس الينابيع كما نحرس أبناءنا. كل نبتة نغرسها هي وعدٌ بالاستمرار، وكل قطرة ماء تتدفق من عين الهوية هي شهادة على أننا باقون، مهما حاول الاحتلال طمس معالم الأرض أو إطفاء نورها."
 |
 |
| اطفال يلهون داخل عين الهوية في حوسان |
المزارع الحاج قاسم عبد الهادي في استراحة داخل بستانه في حوسان |
الاحتلال عدو الماء والذاكرة
لكن كما كل شيء جميل في هذا الوطن، لا تسلم عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ من التهديد، فالاحتلال، الذي لا يرتوي من مصادرة الأرض، يمد يده الآن إلى الماء، يصادق على ميزانيات لسرقة التراث، ويمنع الترميم بحجة أن الموقع مصنّف ضمن أراضي "ج"، هم لا يريدون فقط السيطرة على النبع، بل يريدون محو الرواية، وسرقة القصيدة، وتبديل هوية الماء.
تبادلنا الحديث مع الشاب زيدون حازم زيدان الذي أخذنا في جولة في بستان عائلته في حوسان، فقال: "أؤمن أن حماية الينابيع واجب وطني مثل حماية المسجد والبيت. كل شجرة نزرعها وكل شتلة حول العين هي جدار أخضر في وجه الجفاف والاستيطان".
ويضيف زيدون: "البيئة الزراعية جزء من معركة البقاء، فالأرض المزروعة لا تُستباح بسهولة".
ويظهر الوفاء في ثنايا كلام نور حمامرة لــ "آفاق البيئة" عندما قال: "حين أزرع شتلة على ضفة العين، أشعر أنني أزرع ذاكرتي في التراب، الزراعة ليست عملًا موسميًا، بل فعل انتماء متجذر فينا، نحافظ على الماء لأننا نعرف أنه ما تبقّى من ملامحنا الصافية".
ويرى نور في الزراعة البيئية "رسالة متجددة، تربط الأجيال بجذورها، وتعيد للتربة عافيتها، وللقلب طمأنينته الأولى".
اليوم، وبينما تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي مخططاتها للسيطرة على مصادر المياه وحرمان الفلسطينيين من حقهم الطبيعي فيها، تُصبح عين الهوية رمزًا للمقاومة البيئية والثقافية، ومعلماً سياحيًا ووطنيًا يستحق الحماية والاهتمام.
 |
 |
| الباحث خالد أبو علي ينظر لثمار اليقطين في بساتين حوسان |
محمد محمود رجا يتفقد ثمار الباذنجان الحوساني في بلدة حوسان |
التاريخ الذي يسقي الأرض
عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ هي شاهد جيولوجي طبيعي لجذور هوية مكانية لا يمكن فصلها عن كرامة الإنسان الفلسطيني، هي نبعٌ أزلي، يعود إلى عصور قديمة جدًا، المنطقة المحيطة مأهولة منذ آلاف السنين، تشهد على ذلك قنوات الري، والمدرجات الحجرية، وعرق المزارعين الذين رسموا الخضرة على الجبال، حين كان الماء مرآةً لحضارة كنعانية لا تموت، ويُعتقد أن مغارتها قد تكوّنت طبيعيًا جراء الزمن، حتى تحولت إلى خزان مائي يختزن أسرار القرون، وقد سُجّلت العين في ملف التراث العالمي لليونسكو جزءًا من ملف ترشيح بلدة بتير، التي ترتبط بها جغرافيًا وثقافيًا، تأكيدًا على أن هذا النبع ليس فقط موردًا للحياة، بل معلمًا ثقافيًا وجزءاً من هوية فلسطينية لا تقبل الطمس.
 |
 |
| مصطفى سباتين برفقة الأطفال قرب عين الهوية |
جانب من بلدة حوسان واطلاله على البساتين |
العين التي لا تنام
ومع كل ذلك، تبقى عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ مفتوحة، ترفض الغياب، يزورها الفلسطينيون من كل المدن والبلدات، يغسلون فيها أرواحهم، ويعودون بذاكرة مبلّلة بالماء والمقاومة.
وإن ما يحيط بعين الهوية ليس مجرد طبيعة خلابة، بل شبكة بيئية اجتماعية تعكس أصالة الأرض، وتُجسد العلاقة العميقة بين الهوية الوطنية والاستدامة البيئية.
ويُعد الحفاظ على هذا التنوع الحيوي مسؤولية جماعية، تتطلب وعيًا بيئيًا وموقفًا وطنيًا، خاصة مع محاولات نزع السيطرة عن الموارد وطمس معالم الأرض.
إن حماية عَيْــنُ الْهوِيَّــةُ والحفاظ على بيئتها الطبيعية يُعدّ مسؤولية وطنية وبيئية في آنٍ واحد، باعتبارها جزءًا من التراث المائي الفلسطيني الذي يواجه اليوم تهديدات متزايدة من التمدّد الاستيطاني والتغيرات المناخية، فهي ليست مجرد نبع ماء، بل ذاكرة سائلة تشهد على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه، وتُجسّد بوضوح أن الانتماء للأرض يبدأ من احترام الماء الذي يسقيها.
 |
 |
| مدخل ينبوع عين الهوية في بلدة حوسان |
الباحث خالد ابو علي يشير الى المحاصيل الحقلية في بساتين حوسان |
 |
 |
| المحاصيل الحقلية المتنوعة والتي تعتمد على ينابيع بلدة حوسان |
عين الهوية في حوسان -تصوير محمود معطان |
 |
 |
| الباحث خالد ابو علي يتوسط الشبان في بساتين بلدة حوسان |
الحقول الزراعية في بلدة حوسان |
 |
 |
| الباحث خالد ابو علي في جولته الميدانية ولقائه المزارعين في بلدة حوسان |
محاصيل الأرض الخضراء في بلدة حوسان |